لم يحتج لويس إنريكي إلى أكثر من دقائق قليلة بعد إقصاء إسبانيا أمام المغرب في ثمن نهائي كأس العالم 2022 ليطلق واحدة من أشهر العبارات المرتبطة بالمنتخب المغربي في تلك البطولة.
ففي خضم تحليله للمباراة، توقف المدرب الإسباني فجأة متسائلا بدهشة" يا إلهي، من أين جاء هذا الرقم 8؟ ».
كان يقصد عز الدين أوناحي، لاعب الوسط الذي خطف الأنظار بأدائه الاستثنائي وأعلن عن نفسه أمام العالم بأسره.
ذلك التعليق لم يكن مجرد انطباع عابر، بل كان تجسيدا لمسيرة صعود مذهلة.
فقبل مونديال قطر، لم يكن اسم أوناحي معروفا على نطاق واسع خارج فرنسا، لكن أسابيع قليلة كانت كافية ليصبح أحد أبرز وجوه الملحمة التاريخية التي قادت أسود الأطلس إلى نصف نهائي كأس العالم.
في الملعب، وبينما يعتمد كثير من لاعبي الوسط على القوة البدنية والالتحامات المباشرة، اختار أوناحي طريقا مختلفا.
فهو يتجاوز خصومه بالخفة والمراوغة والتمويه، ويجعل الإفلات من الرقابة جزءا أساسيا من هويته الكروية.
هذه القدرة على المراوغة والخروج من المساحات الضيقة أصبحت علامته الفارقة.
بدأ أوناحي رحلته في صفوف الرجاء الرياضي قبل أن يلتحق بأكاديمية محمد السادس لكرة القدم، ثم غادر المغرب في سن الثامنة عشرة للانضمام إلى نادي ستراسبورغ الفرنسي.
غير أن بدايته في فرنسا لم تكن بالنجاح المنتظر، إذ قضى فترة مع الفريق الرديف بعيدا عن الأضواء، قبل أن يحصل على فرصة جديدة مع أفرانش في الدرجة الثالثة الفرنسية.
في تلك المرحلة، لم يكن شيء يوحي بأن اللاعب يسير نحو النجومية العالمية.
ففي عام 2020 كان لا يزال ينشط في دوري" ناسيونال" الفرنسي، لكن بعد عام واحد فقط منحه نادي أنجيه فرصة اللعب في الدوري الفرنسي الممتاز.
وسرعان ما فرض نفسه بفضل لمساته الفنية الراقية، وقدرته على الاحتفاظ بالكرة والتعامل مع الضغط بثقة كبيرة.
ثم جاء مونديال قطر ليغير كل شيء.
فبينما كانت الأضواء مسلطة أساسا على أسماء مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش وسفيان أمرابط، برز أوناحي كأحد أكبر مفاجآت البطولة.
مباراة بعد أخرى، تحول إلى عنصر محوري في المسار التاريخي للمنتخب المغربي نحو نصف النهائي، وأصبح حديث المتابعين والخبراء حول العالم.
وبعد إقصاء المنتخب الإسباني، عبر لويس إنريكي عن إعجابه الكبير بما قدمه اللاعب المغربي قائلا" يا إلهي، من أين جاء هذا الفتى؟ "، معترفا بأن طاقمه الفني لم يكن يتوقع هذا التأثير الكبير لأوناحي.
وسرعان ما تحولت تلك العبارة إلى واحدة من أكثر اللحظات تداولا في مونديال 2022.
ورغم ما يمتلكه من مهارات تقنية استثنائية، فإن أكثر ما يثير الفضول في شخصية أوناحي الكروية هو التناقض بين بنيته الجسدية وأسلوبه داخل الملعب.
فمنذ بداياته، كانت بنيته النحيفة تثير الشكوك حول قدرته على المنافسة في أعلى المستويات.
إلا أن ما اعتبره البعض نقطة ضعف، تحول إلى مصدر قوة بالنسبة إليه.
فبدلا من مواجهة القوة بالقوة، بنى أسلوبه على الخداع الحركي والمرونة والقدرة على إرباك المنافسين، ما جعله لاعبا مختلفا يصعب توقع تحركاته.
بعد التألق العالمي في قطر، شهدت مسيرته بعض المحطات المتقلبة.
فقد انتقل إلى أولمبيك مرسيليا وسط توقعات كبيرة، لكنه واجه صعوبات مرتبطة بالإصابات وعدم الاستقرار الفني وتعدد التغييرات على مستوى الجهاز التدريبي.
وبعد ذلك، منحه انتقاله على سبيل الإعارة إلى باناثينايكوس اليوناني فرصة استعادة نسق المباريات والاستمرارية، قبل أن يستعيد بريقه مع جيرونا الإسباني.
هذا الانتعاش أعاد اسمه إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، لدرجة ربطه مؤخرا بعدد من الأندية الكبرى، من بينها مانشستر سيتي.
ورغم ما قد يعيشه أحيانا من تعقيدات على مستوى مسيرته مع الأندية، فإن مكانته داخل المنتخب المغربي لا تزال ثابتة.
فأوناحي ليس مجرد لاعب وسط موهوب، بل أحد أبرز رموز الجيل الذي نقل كرة القدم المغربية إلى مستوى جديد في مونديال قطر، وأسهم في إدخال أسود الأطلس مرحلة مختلفة من تاريخهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك