انطلقت منافسات كأس العالم 2026 لكرة القدم التي تستضيفها أميركا وكندا والمكسيك بين الـ11 من يونيو (حزيران) الجاري والـ19 من يوليو (تموز) المقبل، بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى.
وتشهد النسخة الـ23 من كأس العالم حضوراً عربياً تاريخياً بمشاركة ثمانية منتخبات هي السعودية ومصر وقطر والمغرب وتونس والجزائر والعراق والأردن، وهو ما يمنح هذه المسابقة الدولية الأكبر في كرة القدم مزيداً من المتابعة والاهتمام في العالم العربي.
وقبل أسابيع من انطلاق النهائيات بدأ شيء ما في التغير داخل العواصم والمدن العربية، إذ لم يعد الأمر يتعلق بكرة القدم وحدها، ولا بالمنتخبات المتأهلة أو قوائم لاعبيها وتوقعات المتخصصين، بل بحالة جماعية تتسلل تدريجاً إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وربما تتشابه استعدادات الجماهير العربية لمتابعة مباريات كأس العالم إلى حد التطابق مع اختلافات بسيطة تتعلق ببعض القرارات الحكومية أو طبيعة الأعمال.
ونظراً إلى إقامة البطولة في الشق الآخر من الكرة الأرضية مما يعني انطلاق المباريات في مواقيت غير مألوفة، ففجأة أصبحت مواعيد المباريات جزءاً من جدول الأسرة، وتحولت أحاديث العمل إلى نقاشات حول التشكيلات والفرص، وبدأت المقاهي في إعادة ترتيب مساحاتها استعداداً لأمسيات مزدحمة، وامتلأت المتاجر بالعروض الخاصة بالشاشات وأجهزة الاستقبال والقمصان والأعلام.
مونديال 2026 في البيوت العربيةتبدأ الاستعدادات الحقيقية للمونديال داخل المنازل، فقبل صافرة البداية بوقت طويل، تنشغل الأسر بترتيب التفاصيل الصغيرة التي تجعل متابعة البطولة أكثر راحة ومتعة.
لكن قبل أيام من بداية المنافسات كانت التجهيزات الأساسية تجري على قدم وساق، وقال محمد السيد وهو مهندس مصري شغوف بمتابعة كرة القدم منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي" كان الشيء الأهم بالنسبة إلي هو تجديد اشتراك خدمة بث المباريات بالباقة المخصصة لكأس العالم"، وأضاف" عادة كنت أفضل متابعة عدد كبير من المباريات على المقهى مع أصدقائي لكن مواعيد هذه النسخة من البطولة ستجعل من الصعب متابعة المباريات خارج المنزل"، وأردف" بالطبع تطلب الأمر كلفة إضافية للاشتراك في باقة كأس العالم لكنها بطولة تستحق وتأتي كل أربعة أعوام".
وكانت النسخ الماضية من كأس العالم بخاصة التي شهدت مشاركات عربية تدفع البعض إلى إعادة تنظيم الحياة اليومية، فالعائلات تؤجل بعض المناسبات الاجتماعية أو تعيد ترتيبها وفق مواعيد اللقاءات المهمة، أما مع اختلاف التوقيت في البطولة الجارية فأصبح التحدي الأهم هو تغيير ساعات النوم لدى كثيرين.
وقال الصحافي الرياضي التونسي في قناة" الشرق بلومبيرغ" زياد عطية لـ" اندبندنت عربية"، " تبدو الاستعدادات في تونس لكأس العالم عادية جداً بالنسبة إلى الجمهور التونسي، إذ لا يلاحظ في الشوارع شعور عام بأن المنتخب التونسي مقبل على المشاركة في المونديال.
فاللافتات والأنشطة التحضيرية المرتبطة بالحدث تكاد تكون غائبة، ولا توجد تجمعات جماهيرية أو ترتيبات سفر خاصة باتجاه المدن المستضيفة للبطولة كما كان يحدث في بعض المناسبات السابقة"، وأضاف" لكن يظل اهتمام التونسيين بمتابعة المنتخب الوطني قائماً، إذ يحرص معظمهم على مشاهدة مباريات تونس من منازلهم، إلى جانب متابعة جزء منها في المقاهي".
وفسر التغيير في سلوك الجماهير قائلاً" يعود ذلك بالأساس إلى توقيت المباريات، الذي يكون إما متأخراً جداً ليلاً أو مبكراً للغاية، مما يجعل المشاهدة المنزلية الخيار الأكثر ملاءمة لكثير من الجماهير".
الشاشات العامة والمقاهي تتحول إلى مدرجات جماهيريةوإذا كانت المنازل تمثل الوجه العائلي للمونديال، فإن الشاشات العامة والتجمعات الجماهيرية والمقاهي تمثل وجهه الجماهيري الأكثر صخباً.
وقد ظهرت خلال الأيام الماضية إعلانات كثيرة عن مناطق للمشجعين توفر شاشات عملاقة لعرض المباريات سواء مجاناً في الساحات العامة كما في بعض المدن أو بتذاكر وباقات تجارية وأماكن لكبار الزوار.
ففي العاصمة السعودية الرياض تم الإعلان عن منطقة ضخمة للمشجعين في حي جاكس بالدرعية، تجمع بين الشاشات العملاقة والترفيه الحي وخيارات الطعام، إضافة إلى عدة أماكن أخرى متعددة النشاطات.
وفي العاصمة المصرية القاهرة أعلن المحافظ إبراهيم صابر عن تجهيز خمسة مواقع رئيسة تضم شاشات عرض عملاقة لاستقبال الجماهير طوال فترة المونديال، وستكون في منطقة الملاعب الرياضية أمام حي الأسمرات بالقطامية، ومركز شباب روض الفرج، وأرض البرنس بحي الساحل، وسوق العاشر بحي شرق مدينة نصر، ومركز شباب البساتين.
وفي الأردن أعلنت وزارة الشباب عن بث مباريات" النشامى" في مشاركته الأولى التاريخية بكأس العالم عبر شاشات عرض عملاقة موزعة على ثلاث مدن شبابية في الأقاليم الثلاثة، إضافة إلى بث كل مباريات البطولة في 60 مركزاً شبابياً في جميع محافظات المملكة.
وأكد عبادة معايعة وهو طبيب أردني ومتابع جيد لمسيرة المنتخب الوطني أن حال التأهب الجماهيري في البلاد بلغت ذروتها قبل انطلاق مباريات الفريق في كأس العالم.
وقال لـ" اندبندنت عربية"، " هذه مشاركة تاريخية لأنها الأولى في تاريخ الأردن، الآمال على الفريق الوطني كبيرة للغاية، نسعى إلى الوصول إلى أبعد نقطة ممكنة، ونتطلع للتأهل للدور التالي".
وربما تكون فرصة" النشامى" سانحة في الظهور المونديالي الأول، إذ أصبح التأهل للدور الثاني مضموناً لمنتخبين من كل مجموعة إضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات احتلت المركز الثالث في دور المجموعات.
وكانت رئاسة الوزراء الأردنية اتخذت قراراً بتأخير بدء ساعات العمل الرسمية في البلاد خلال الأيام التي تقام فيها مباريات المنتخب الوطني في كأس العالم، ليكون الموعد الرسمي لانطلاق ساعات الدوام في الـ10 صباحاً، خلال أيام الـ17 والـ23 والـ28 من يونيو الجاري.
وفي المغرب التي تستعد لمؤازرة أبطال أفريقيا في رحلتهم الاستثنائية في نهائيات كأس العالم بدأت مدن مغربية عدة في تجهيز مناطق جماهيرية عامة لمتابعة مباريات" أسود الأطلس".
وكان المنتخب المغربي قد بلغ نقطة غير مسبوقة في النسخة الماضية من المونديال بالوصول إلى المربع الذهبي، والآن يسعى الفريق إلى معادلة أو التفوق على إنجازه التاريخي.
وبعيداً من الشاشات العملاقة ومناطق المشجعين التي تتطلب جهداً في الوصول إليها من بعض المناطق البعيدة في المدن، بدأت كثير من المقاهي في إعداد خطط خاصة للاستفادة من الحدث، بإضافة شاشات جديدة، وتجهيز مساحات خارجية، والانتقال إلى باقات كأس العالم على رغم ارتفاع كلف المشاركة فيها.
ويعول أصحاب المقاهي على مباريات المنتخبات العربية ومباريات المنتخبات الكبرى في رفع عدد الحضور لتغطية الكلف الباهظة للتجهيزات، بخاصة أن مواعيد المباريات ستجعل من الصعب جذب نفس عدد الزبائن مقارنة بالمواعيد العادية للمباريات في كؤوس العالم السابقة التي أقيمت في أوروبا أو آسيا.
المنتخبات العربية وتأثيرها في المزاج العاموتختلف درجة الحماسة من دولة إلى أخرى وفق وجود منتخب وطني في البطولة من عدمه، لكن التجربة أثبتت أن نجاح أي منتخب عربي غالباً ما يتجاوز حدود بلده.
ففي الدول المشاركة مباشرة يرتبط المزاج العام بنتائج المنتخب بصورة واضحة، فالانتصار ينعكس تفاؤلاً وحماسة، بينما تتحول الخسارة إلى محور نقاشات واسعة في الشارع ووسائل الإعلام ومنصات التواصل.
وقد بدا ذلك جلياً في النسخ الأخيرة من البطولة، ففوز السعودية التاريخي على الأرجنتين في كأس العالم 2022 لم يكن حدثاً سعودياً وحسب، بل تحول إلى قصة عربية تابعتها الجماهير من المحيط إلى الخليج، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإنجاز التاريخي الذي حققه المغرب عندما أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم.
وتمنح هذه الذكريات الجماهير العربية سبباً إضافياً للتفاؤل مع كل نسخة جديدة، فحتى عندما تبدو الفوارق الفنية كبيرة، يبقى الاعتقاد قائماً بأن كرة القدم قادرة دائماً على إنتاج المفاجآت.
ولهذا السبب تصبح نتائج المنتخبات العربية جزءاً من النقاش اليومي في أماكن العمل والجامعات والمقاهي، وتتجاوز أهميتها الجانب الرياضي إلى أبعاد تتعلق بالفخر والهوية والانتماء.
وقال خالد سيد وهو موظف في إحدى شركات الاتصالات في مصر" أنا مشجع كبير لكرة القدم واعتدت متابعة مباريات كأس العالم في آخر أربع نسخ، لكن مواعيد البطولة الحالية لا تتناسب مع مواعيد عملي"، وأضاف" هذه المرة لن أتابع معظم المباريات وسأكتفي بمشاهدة الملخصات أو الأهداف عبر الإنترنت، لكن بالطبع سأحرص على مشاهدة مباريات المنتخب المصري في مواعيدها حتى لو تسبب ذلك في تقليل ساعات نومي".
اقتصاد المونديال.
موسم إنفاق استثنائيوبعيداً من المدرجات والشاشات، تمثل كأس العالم موسماً اقتصادياً مهماً لقطاعات كثيرة.
فمع اقتراب مباريات المنتخبات العربية في البطولة ترتفع مبيعات أجهزة التلفزيون والشاشات الذكية وأدوات الاستقبال المختلفة، كذلك تشهد المطاعم والمقاهي فترات انتعاش ملحوظة نتيجة الإقبال الجماهيري المتزايد.
وتستفيد قطاعات أخرى من الحدث أيضاً، مثل تجارة الأعلام والقمصان الرياضية والأكسسوارات المرتبطة بالمنتخبات واللاعبين، وتزداد الحملات الإعلانية بصورة كبيرة، إذ تسعى الشركات إلى استغلال الاهتمام الجماهيري الهائل بالبطولة لتسويق منتجاتها وخدماتها.
وتتحول كأس العالم بالنسبة إلى كثير من العلامات التجارية إلى فرصة نادرة للوصول إلى جمهور واسع ومتنوع خلال فترة زمنية قصيرة.
لكن كما يوجد مستفيدون، هناك أيضاً قطاعات قد تتأثر سلباً نتيجة تغير أنماط الاستهلاك أو تراجع الإقبال على بعض الأنشطة الترفيهية الأخرى خلال فترة البطولة.
النزعة الاستهلاكية تحت المجهرومع كل نسخة جديدة من كأس العالم يعود سؤال قديم هو: إلى أي مدى أصبحت متابعة كرة القدم مرتبطة بالاستهلاك؟فكثير من الأسر تجد نفسها أمام سلسلة من النفقات الإضافية، بدءاً من الاشتراكات الرياضية، مروراً بشراء الأجهزة الجديدة، وصولاً إلى الإنفاق على المطاعم والتجمعات الخاصة.
وتؤدي الحملات التسويقية دوراً أساساً في تعزيز هذه النزعة، فالشركات تدرك أن المشجع يعيش حالاً عاطفية خاصة خلال البطولة، وتحاول الاستفادة منها عبر عروض ترويجية تربط بين الاستهلاك والانتماء الرياضي.
وفي بعض الأحيان تتحول الحماسة الجماهيرية إلى ضغط اجتماعي غير مباشر يدفع الأفراد إلى إنفاق أكثر مما كانوا يخططون له.
وهنا يظهر الفارق بين الاستهلاك المرتبط بالحاجة الفعلية، مثل تحديث جهاز قديم أو المشاركة في خدمة مشاهدة، وبين الإنفاق الذي تحركه الحماسة والرغبة في المشاركة في الأجواء العامة مهما كانت الكلفة.
كيف غيرت التكنولوجيا تجربة المونديال؟وربما لم يتغير أي جانب من جوانب متابعة كأس العالم بقدر ما تغيرت التكنولوجيا نفسها.
فبعدما كان التلفزيون التقليدي الوسيلة الوحيدة تقريباً لمشاهدة المباريات، أصبحت الخيارات اليوم متعددة بصورة غير مسبوقة، يمكن للمشجع أن يتابع المباراة عبر الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الحاسوب أو الشاشة الذكية أينما كان.
وغيرت المنصات الرقمية طبيعة التفاعل مع البطولة، فالمشجع لم يعد متلقياً وحسب، بل أصبح منتجاً للمحتوى أيضاً، يعلق ويحلل وينشر الصور ومقاطع الفيديو ويشارك في النقاشات الحية أثناء المباراة.
وظهر دور جديد للمؤثرين وصناع المحتوى الرياضي الذين باتوا يشاركون في تشكيل النقاش العام حول البطولة، بل يؤثرون أحياناً في اتجاهات الرأي الجماهيري بقدر ما تفعل وسائل الإعلام التقليدية.
وهكذا أصبحت تجربة كأس العالم أكثر تفاعلية وفورية واتصالاً من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك