تغيّرت أدوات التجسس كثيرًا عبر الزمن، من الرسائل المشفرة والكاميرات الصغيرة إلى الأقنعة والهويات المستعارة، لكن ثورة الذكاء الاصطناعي بدأت تنقل اللعبة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث صار بالإمكان بناء صورة شبه كاملة عن شخص ما من آثاره الرقمية، ثم البحث داخلها عن نقطة الضعف التي تقوده إلى التعاون أو تُسقطه في شباك الخداع.
حذّرت جونا مينديز، المخضرمة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والرئيسة السابقة لقسم التنكر في الوكالة، خلال مقابلة مع صحيفة" آسيا تايمز"، من أن أجهزة الاستخبارات في واشنطن تشعر بقلق حقيقي من تأثير الذكاء الاصطناعي على عملياتها، خاصة مع قدرته على جمع كمّ هائل من المعلومات عن فرد واحد بطريقة لم تكن متاحة بهذه السهولة من قبل.
وتمنح خلفية مينديز هذه التحذيرات وزنًا خاصًا، فهي قادت برنامج التنكر والهوية داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وخلال فترة إشرافها طُورت أقنعة متحركة شديدة الإقناع لدرجة أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب لم يكتشف أنها ترتدي أحدها خلال إحاطة في البيت الأبيض مطلع التسعينيات.
كما تحدثت عن تقنيات من زمن الحرب الباردة، بينها ما كان يُعرف بـ" التنكر أثناء الحركة"، حين يبدل ضابط مظهره وهو يسير لتفادي المراقبة، كما حدث في عملية بموسكو قرب كابل اتصالات نووية.
واليوم، يبدو أن القناع انتقل من الوجه إلى الشاشة، فالتنكر قد يظهر في صورة معدلة، أو صوت مصنوع، أو وثيقة مزورة، أو سيرة مهنية تبدو عادية على منصة توظيف، ومع الذكاء الاصطناعي لم يعد الخداع يحتاج دائمًا إلى مكياج طويل أو تدريب جسدي، بقدر ما يحتاج إلى هوية رقمية مقنعة تعرف كيف تكسب الثقة.
ورغم تغير الأدوات، ترى مينديز أن جوهر التجسس بقي مرتبطًا بالإنسان، فالمهمة الأساسية هي إقناع شخص بتقديم معلومات لا يمكن الوصول إليها عبر الأقمار الصناعية أو الاختراقات الإلكترونية، بينما يساعد الذكاء الاصطناعي في اختيار الهدف المناسب وفهم دوافعه بسرعة أكبر.
وتقول مينديز إن دوافع الخيانة في عالم الاستخبارات غالبًا ما تدور حول أربعة مداخل رئيسية، تبدأ بالمال حين يكون الشخص مستعدًا لبيع الأسرار مقابل مكافأة، وتمر بالأيديولوجيا حين يتعاون بدافع القناعة، ثم الابتزاز عبر معلومات شخصية يمكن استخدامها ضده، وصولًا إلى الغرور أو الشعور بالتهميش داخل المؤسسة، وهو مدخل قد يكون شديد التأثير لدى من يشعرون بأنهم لم يحصلوا على ما يستحقون من تقدير أو ترقية.
وتكمن خطورة الذكاء الاصطناعي هنا في قدرته على الرصد والفرز قبل لحظة الاقتراب من الهدف، فهو يستطيع جمع ما يتناثر عن الشخص في قواعد البيانات والمنصات الاجتماعية والسجلات المهنية والآثار الرقمية، ثم تحويلها إلى صورة أوسع عن حياته وعلاقاته ووضعه المالي وطبيعة عمله ومستوى وصوله إلى المعلومات، بما يساعد على تحديد ما إذا كان يستحق الاستهداف، وأي مدخل قد يكون أكثر تأثيرًا عليه.
وتقول مينديز إن هذا المسار كله يبدأ من" الثقة"، فنجاح العملية الاستخباراتية يتوقف على وجود دليل على الثقة أو على غيابها، فالعميل يحتاج إلى الوثوق بالمعلومة التي يحصل عليها وبالشخص الذي يقدمها، وفي المقابل يحتاج المصدر إلى أن يثق بمن يقترب منه قبل أن يغامر بالكلام أو التعاون.
ويورد تقرير" آسيا تايمز" مثالًا على هذا التحول، إذ نجح عنصر كوري شمالي في الحصول على وظيفة داخل شركة أمن سيبراني أميركية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لانتحال صفة عامل تقني أميركي، قبل أن يرصد نظام ذكاء اصطناعي داخل الشركة سلوكًا مريبًا خلال أول يوم عمل.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ أعلنت وزارة العدل الأميركية في يونيو/ حزيران 2025 إجراءات منسقة في 16 ولاية ضد شبكات قالت إن كوريا الشمالية تستخدمها لتوظيف عاملين تقنيين عن بعد داخل شركات أميركية بهويات مزيفة أو مسروقة.
وأظهرت وثائق المحكمة أن عاملين كوريين شماليين حصلوا على وظائف في أكثر من 100 شركة أميركية، ووصل بعضهم إلى بيانات حساسة وأكواد مصدر وتقنيات عسكرية خاضعة للرقابة، إضافة إلى سرقة عملات افتراضية بأكثر من 900 ألف دولار.
كما أشار التقرير إلى تحذير أصدره تحالف" العيون الخمس" من استخدام أجهزة استخبارات صينية لمنصات مهنية ومواقع توظيف، بينها" لينكد إن"، لاستهداف أشخاص يملكون وصولًا إلى معلومات حساسة، عبر واجهات تبدو مألوفة مثل مسؤولي توظيف أو مستشارين أو ممثلي مراكز أبحاث وشركات خاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك