تشير القراءات السياسية الحالية إلى أن مذكرة التفاهم الناشئة بين الولايات المتحدة وإيران، والمتوقع توقيعها خلال الأيام القليلة المقبلة، لا تمثل نهاية المطاف في مسار الصراع الإقليمي.
وتحمل الصفقة فرصة غير متوقعة، إذ يوفر هذا الاتفاق شريان حياة اقتصاديًا لنظام طهران على المدى القصير، مع وجود احتمالات مرتفعة بأن يؤدي إلى جولات إضافية من المواجهات العسكرية مع طهران ووكلائها في المنطقة.
في المقابل، قد يمهد الاتفاق الذي يعزل إسرائيل سياسيًا، الطريق فعليًا لإبرام تسوية في لبنان، وربما يقود على المدى البعيد إلى سقوط النظام الإيراني.
لا يعد التوقيع المرتقب للمذكرة نهاية لملف الصراع، إذ ستتبعه مفاوضات تفصيلية من المفترض أن تستمر لمدة 60 يومًا، وتُظهر التجارب التاريخية، كمفاوضات الاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما التي استمرت لأكثر من عام ونصف، أن المباحثات قد تتجاوز السقف الزمني المحدد لها بكثير، وفقًا لـ يديعوت أحرونوت.
ويظهر إطار التفاهمات الحالي أن هذا التوجه يبدو ظاهريًا مفيدًا للنظام الإيراني، بينما يحمل أبعادًا سيئة لإسرائيل، وإلى حد ما للرئيس الأميركي دونالد ترمب والولايات المتحدة، وذلك لأن الاتفاق يتيح تدفق مصادر الدخل للإيرانيين، مما يسمح للنظام تدريجيًا بالاستجابة للمصاعب الاقتصادية الكبيرة التي يواجهها المواطنون، وبالتالي تعزيز قدرة النظام على البقاء.
تُعد الموارد المالية التي سيحصل عليها النظام الإيراني تدريجيًا، سواء خلال شهرين من المفاوضات أو في المراحل اللاحقة، ستتيح له استعادة مشروعه النووي وبرنامجه لتطوير الصواريخ الباليستية.
وتشكل الإمدادات المالية الثغرة الأكبر في الاتفاق الناشئ من منظور إسرائيلي، بافتراض أن مسألة خفض أو إزالة اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من الأراضي الإيرانية ستُحل بطريقة ما، وهو أمر لم تتضح آليات تنفيذه بعد، وسط حالة من الارتباك التام تسود واشنطن وطهران بسبب الانقسامات الداخلية الإيرانية وعدم وضوح تفاصيل بنود الموافقة لدى الجانب الأميركي.
يتجلى الجانب الأبرز للاتفاق في إبعاد إسرائيل تمامًا عن مسار المفاوضات، مما يجعل تأثيرها في مجريات الأحداث شبه منعدم، في ظل تحرك الرئيس الأميركي وفقًا للمصالح السياسية البحتة للولايات المتحدة.
ولم تسفر المحادثات المتكررة بين نتنياهو وترمب سوى عن تأثير هامشي، ليتكرر سيناريو عهد أوباما مجددًا مع رئيس يُصنف بأنه الأقرب لنتنياهو، وسط مؤشرات على انزعاج الإدارة الأميركية من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
من جهة أخرى، نجحت إيران في ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية عظمى من خلال استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي والاقتصاد العالمي المعتمد على طاقة الخليج العربي.
ومنح الدعم الأميركي للاتفاق، إيران فرصة لإعادة تعزيز نفوذ وكلائها في لبنان واليمن، مع مطالبة طهران بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان لفرض حزب الله والحوثيين كلاعبين أساسيين في الملاحة والسياسة الإقليمية.
بحسب تقرير صحيفة يديعوت أحرونوت، يحمل وقف الحرب فرصة لتفجير الأوضاع الداخلية في إيران على المدى البعيد، إذ يعاني المجتمع الإيراني من ضائقة اقتصادية واجتماعية حادة ونقص في المياه والأدوية، وانعدام ثقة واسع بالحكومة، ورغم التفاف الشعب حول النظام أثناء القصف، فإن توقف العمليات العسكرية واستمرار النهج المتطرف للنظام مع بطء رفع العقوبات سيزيد من احتمالات خروج المواطنين إلى الشوارع لإسقاط السلطة.
ويواجه النظام الإيراني انقسامات داخلية حادة بين تيار يرغب في تحسين الأوضاع المعيشية وتيار يفضل استعراض شعارات الجهاد، مما يجعله أمام مواجهة حتمية مع مصيره الداخلي خلال عام إلى 3 أعوام، بشرط أن يربط ترمب تدفق الدعم المالي بالتقدم التدريجي في الأداء الإيراني.
في لبنان، يتيح وقف الحرب فرصة استراتيجية لإسرائيل، إذ إن الوضع الميداني الذي حققه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان يفرض خيارين: إما احتلال عسكري واسع كما حدث عام 1982، أو قيادة تحركات سياسية واقتصادية معقدة، مما يؤدي إلى عزل حزب الله وحرمانه من شرعيته وسلاحه عبر وسائل غير عسكرية.
وتشكل السيطرة الإسرائيلية على النبطية ومرتفعات بوفورت وعبور نهر الليطاني أوراق ضغط بالغة الأهمية، حيث دمر الجيش الإسرائيلي شبكات أنفاق ضخمة، يزعم الاحتلال أنها كانت تُستخدم لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدًا عن رصد سلاح الجو، فضلاً عن إمكانية استغلال ملف أكثر من مليون نازح لبناني للضغط على القيادة السياسية لحزب الله.
بحسب التقرير، تظل احتمالية خوض جولات مواجهة عسكرية قادمة بين إسرائيل وإيران ووكلائها قائمة وبقوة، نظرًا لأن الحروب في القرن الحادي والعشرين ضد «الجماعات الجهادية» هي عمليات ممتدة لا تنتهي باستسلام كامل، بل بجولات متعاقبة يفصل بينها فترات تعافٍ للمتطرفين.
ولكن الضرر الذي ألحقته العمليات الأميركية الإسرائيلية على أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية والمنشآت النووية والصاروخية، سيجعل طهران عاجزة عن الرد السريع أو اقتحام المجال النووي قبل عام أو أكثر لحين ترميم دفاعاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك