عندما يكون التفكير بإرساء إطار استراتيجي يرسخ التعاون المؤسسي بين المؤسسات المعنية بالصناعة المصرفية الإسلامية، ليغطي بعض الجوانب الفقهية والقانونية التي لا ما تزال بحاجة للمزيد من الجهد لإغنائها ودعم مسيرتها، فإننا نتأكد أن الدور الذي سيتاح لهذه الصناعة كلاعب مهم في الصناعة المالية العالمية، هو دور مهم ومحوري في الأيام المقبلة، وأن هذه الصناعة تسير بالاتجاه الصحيح لتصل لأهدافها التي حددتها الشريعة الإسلامية والالتزام بأحكامها، وما يعزز وجهة نظرنا هذه هو الخطوة الاستراتيجة التي تمت على هامش القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي، الذي عقد في إسطنبول /تركيا في مطلع الشهر الحالي، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية (CIBAFI)، ومركز التحكيم لمنظمة التعاون الإسلامي (OIC-AC)، بهدف تعزيز الوعي بآليات تسوية المنازعات البديلة والوقاية منها، بما يساهم في تحسين كفاءة إدارة النزاعات وتعزيز اليقين القانوني، والثقة المؤسسية، ومما لا شك فيه أن مثل هذه الاتفاقيات ستكون عامل استقرار وحسن كفاءة وأداء لمؤسسات الصناعة المصرفية الإسلامية، وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات التي قد تواجهها وتضعها أيضا في مصاف المؤسسات المالية العالمية التي تسعى إلى ترسيخ مبدأ الحوكمة والشفافية في أدائها.
وفي هذا الخصوص تؤكد جميع الأطراف في هذه الاتفاقية كما ورد في البيان الخاص بها أن “تطوير ونشر ثقافة تسوية المنازعات البديلة، والانتقال من المعالجة اللاحقة للنزاعات إلى ممارسات وقائية واستباقية، يعدان عنصرين محوريين في تعزيز الثقة المؤسسية، وتقليل المخاطر القانونية، ودعم بيئة استثمارية جاذبة ومحفّزة للنمو المستدام في القطاع المالي الإسلامي.
وبهذا التعاون مع مركز التحكيم التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، نهدف إلى توحيد الجهود وتكامل الخبرات لدعم الأطر القانونية والمؤسسية، وتمكين المؤسسات المالية الإسلامية من تبني أفضل الممارسات الدولية في إدارة وتسوية النزاعات، ”علما أن تسوية المنازعات الفعالة تعتبر عنصراً جوهرياً في فقه المعاملات الإسلامية، وأن تسوية المنازعات تعمل على تعزيز مكانة ومتانة الصناعة المصرفية الإسلامية على المستوى العالمي.
اضافة اعلانإن المؤسسات المالية الإسلامية وطبيعة أدواتها ومنتجاتها المالية التي تعتمد على العقود، تتعرض كغيرها من المؤسسات المالية التجارية من حيث طبيعة العقود أو الاتفاقات التجارية للمنازعات من جانب قانوني، ولكن ما يميز الصناعة المصرفية الإسلامية أنها تخضع كذلك لقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يستوجب التناسق بين المعايير القانونية والمعايير الشرعية عند النظر في تسوية النزاعات في العقود أو الاتفاقيات، بما يعزز ثقة المتعاملين مع هذه المؤسسات.
وما يعزز فعالية هذه الاتفاقيات في حسم النزاعات هو موضوع الشفافية كذلك، حيث تعتبر الشفافية من العناصر المهمة التي تضمن الإفصاح الكامل عن الشروط التي يجب أن يتضمنها العقد والتكلفة التي تترتب على ذلك.
وهنا، يمكن أن تدخل لدينا آليات التحكيم البديلة لحل أي خلافات بما ينسجم وأحكام الشريعة الإسلامية، والأطر القانوية كذلك، مثل التحكيم الشرعي من قبل محكمين على معرفة واسعة وتامة بقواعد الشريعة الإسلامية، وعلى دراية تامة بالمذاهب الفقهية في الإسلام، أو اعتماد آلية الوساطة التي عادة، تسعى إلى الحلول الودية مع الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية وحفظ العلاقات الودية بين الأطراف، وديمومة نزاهة وثقة صناعة المالية الإسلامية والمتعاملين معها بشكل عام.
واليوم، ونحن نشاهد هذا التوسع السريع للصناعة المصرفية الإسلامية على مستوى العالم، فلا بد ومن المنطقي أن يرافق ذلك تطور لحجم النزاعات المالية في العقود المختلفة التي تتبناها هذه الصناعة، فهنا يتوجب علينا متابعة هذا التطور من خلال تهيئة الكادر البشري الذي يدير عملية حسم النزاعات وتسويتها وفق أسس مهنية وشرعية وقانونية، تحفظ للصناعة المالية الإسلامية مكانتها، وتعزز الثقة بمنتجاتها المالية.
* باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك