تشهد حركة القطارات بين المدن الباكستانية، تحديداً بين إقليم بلوشستان وباقي الأقاليم، اضطرابات مستمرة تنعكس مباشرة على حياة آلاف المواطنين الذين يعتمدون على القطار وسيلة رئيسية للتنقل والعمل وزيارة العائلات، بينما تواجه البلاد موجة أعمال عنف شرسة.
وضاعف الهجوم الانتحاري الذي شنته جماعة تابعة لـ" جيش تحرير بلوشستان" الانفصالي على قطار كان يقل عسكريين في 24 مايو/ أيار الماضي، المخاوف الأمنية، ودفع السلطات إلى تعليق بعض الرحلات، في حين بات عدد الرحلات أقل في السنوات الأخيرة، بعدما تعرضت خطوط للسكك الحديدية في بعض مناطق بلوشستان لهجمات متكررة، ما جعل هذا القطاع الحيوي يعمل في أجواء من التهديد الدائم.
وإقليم بلوشستان من بين الأفقر في باكستان، ويخوض فيه الانفصاليون صراعاً منذ إنشاء الدولة.
والعام الماضي اختطف تنظيم" جيش تحرير بلوشستان" قطاراً كان يقلّ مئات من أفراد قوات الأمن وعائلاتهم، ما أسفر عن مقتل 20 راكباً وجندياً على الأقل خلال عملية عسكرية استمرت أياماً لإنهاء الأزمة وتحرير الرهائن.
ومن بين الشرائح المختلفة التي تعاني من تعثر حركة القطارات طلاب الجامعات في إقليم بلوشستان، كما تعاني شريحة العمال من خسارة أيام عمل بسبب تأخر الرحلات، أو عدم توفر مقاعد كافية في وسائل النقل البديلة.
ويكرر أهالي بلوشستان أن إعادة الثقة بحركة القطارات لا يتعلق فقط بتأمين وسيلة النقل، بل يرتبط أيضاً بإعادة شعور المواطنين بالأمان والاستقرار، وربط الإقليم بأنحاء البلاد في شكل طبيعي وآمن.
يقول الناشط الاجتماعي أرشيد حسين لـ" العربي الجديد": " يعمل كثيرون من أبناء إقليم بلوشستان في المدن الكبرى بسبب ضعف الفرص المحلية، خصوصاً من أفراد الطبقة الفقيرة والمتوسطة، ويعتبرون القطار الوسيلة الأكثر ملاءمة على صعيد التكلفة، بعدما أصبحت أسعار تذاكر الحافلات والطائرات تفوق قدرتهم.
في ظل توقف رحلات القطارات أو إرجائها يضطر كثيرون إلى تأجيل سفرهم أو إلغاء زياراتهم العائلية".
يتابع حسين: " لا تنحصر الأزمة في الجانب المادي، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية، إذ يجد المرضى والطلاب صعوبات في الوصول إلى المدن التي تضم المستشفيات والجامعات، كما أن عائلات كثيرة اعتادت التنقل في المناسبات الدينية والأعياد باتت عاجزة عن السفر بسبب ارتفاع تكاليف النقل، أو المخاوف الأمنية المرتبطة بالطرق البرية".
بدوره، يشير الناشط زين الإسلام إلى أن تعثر حركة القطارات معضلة كبيرة للمواطنين، خصوصاً أن الطرق الرئيسة بين المدن المختلفة غير آمنة.
ويقول لـ" العربي الجديد": " قبل ست سنوات كان عدد القطارات التي كانت تنقل المواطنين بين إقليم بلوشستان والأقاليم الأخرى ستة قطارات يومياً، والآن هناك قطار واحد فقط، ويتأخر دائماً بسبب الأوضاع الأمنية.
الجماعات المسلحة تسعى من خلال استهداف البنى التحتية للنقل إلى إظهار ضعف سيطرة الدولة وإرباك الحياة العامة".
وفي شأن الحلول المتوفرة، يعتبر المحلل الأمني شفاعت علي خان أن" الهجمات على القطارات أو خطوط السكك الحديدية تحمل رسائل سياسية وأمنية أكثر من كونها عمليات عسكرية تقليدية، لأنها تؤثر مباشرة على حياة الناس وتثير حالة من الخوف وعدم الاستقرار".
ويؤكد لـ" العربي الجديد": " يخلق استهداف وسائل النقل العامة عزلة بين بلوشستان وباقي أنحاء البلاد، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد المحلي وثقة المستثمرين وحركة التجارة والتنقل".
ويوضح علي خان: " السلطات الباكستانية تواجه تحديات كبيرة في تأمين خطوط السكك الحديدية الممتدة عبر مناطق جبلية وصحراوية واسعة، في حين تستغل الجماعات المسلحة الطبيعة الجغرافية لبعض المناطق لتنفيذ هجمات مباغتة، والحل لا ينحصر في الإجراءات العسكرية، بل يحتاج إلى خطط تنموية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة في بلوشستان، لأن استمرار الشعور بالتهميش يعقّد المشهد الأمني".
ويرى أن" تعليق حركة القطارات أو تقليصها قد يكون إجراءً مؤقتاً لأسباب أمنية، لكنه يحمل آثاراً سلبية بعيدة المدى على المواطنين، خصوصاً أن القطارات تعتبر الوسيلة الأرخص والأكثر استخداماً لدى مختلف الطبقات التي تدفع ثمن التوترات الأمنية، سواء من خلال تعطل السفر أو ارتفاع تكاليف النقل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك