ترجمة: علاء الدين أبو زينةأوري يهوداي – (أوريجنز) عدد أيار (مايو) 2026في نيسان (أبريل) 1936، أدت سلسلة من الاشتباكات العربية-اليهودية إلى إضراب عربي عام، والذي تطور إلى ثورة مسلحة ضد حكومة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية في فلسطين.
وعلى الرغم من أن البريطانيين تمكنوا من قمع الثورة بحلول العام 1939، فإنها تركت أثرًا عميقًا في تطور الصراع الصهيوني-العربي.
اضافة اعلانيحيل المؤرخون بداية" الثورة الفلسطينية الكبرى"، كما أصبحت تُعرف لاحقًا، إلى حادثة قُتل فيها يهوديان على يد عرف فلسطينيين بالقرب من مدينة طولكرم في 15 نيسان (أبريل) 1936، أعقبها رد انتقامي يهودي ضد فلسطينيين، توسع ليشمل أعمال شغب في يافا وتل أبيب.
لكن للثورة جذورًا أعمق من ذلك.
فقد عارض الفلسطينيون الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ بداياته في ظل الحكم العثماني في العام 1882.
وبعد الحرب العالمية الأولى، بدأت بريطانيا حكم فلسطين بموجب تفويض انتداب صادر عن" عصبة الأمم"، تضمنت شروطه تنفيذ" وعد بلفور" الذي صدر في العام 1917، وأيدت فيه بريطانيا إقامة" وطن قومي" للشعب اليهودي في فلسطين.
وخلال فترة الانتداب، اشتدت المعارضة الفلسطينية، خاصة على خلفية تزايد الهجرة اليهودية.
وكان معظم المهاجرين اليهود يأتون من أوروبا الشرقية.
وبينما كان بعضهم مدفوعًا بالأيديولوجيا الصهيونية، كانت الغالبية تبحث عن ملاذ في ما اعتبرته الوطن التاريخي اليهودي هربًا من الاضطهاد المعادي لليهود والصعوبات الاقتصادية.
وأدى صعود النازية إلى موجة متزايدة من الهجرة اليهودية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، لترتفع نسبة اليهود في فلسطين من أقل من 10 بالمائة في العام 1882 إلى 28 بالمائة بحلول العام 1936.
كما أنشأت الحركة الصهيونية مستوطنات ومؤسسات جديدة عززت مشروع الوطن القومي اليهودي (الييشوف)، على الرغم من المعارضة الفلسطينية.
وقد أُقيمت هذه المستوطنات على أراضٍ اشتراها الصهاينة من مُلاك عرب كانوا يقيمون في فلسطين أو في بلدان عربية مجاورة.
وكان لهذه الصفقات أثر مدمر على المجتمع الفلسطيني، حيث كثيرًا ما ترتب عليها اقتلاع الفلاحين الفلسطينيين من الأراضي التي كانوا يزرعونها.
وأدى الضيق الذي شعرت به آلاف العائلات الفلسطينية الفلاحية التي اقتُلعت من أراضيها، مقترنًا بالإحباط من فشل القيادة التقليدية في وقف المشروع الصهيوني، إلى اندلاع انتفاضة شعبية قادها ناشطون وطنيون من جيل أصغر سنًا.
وفي 25 نيسان (أبريل) 1936، وضعت الأحزاب السياسية الفلسطينية خلافاتها جانبًا مؤقتًا، وأنشأت هيئة تنسيقية أُطلق عليها اسم" اللجنة العربية العليا"، برئاسة الحاج أمين الحسيني، المفتي الأكبر للقدس.
وأعلنت" اللجنة" إضرابًا عامًا، وطالبت بوقف الهجرة اليهودية وشراء اليهود للأراضي، وإنشاء حكومة وطنية مستقلة.
عندما رفض البريطانيون هذه المطالب، شن الثوار الفلسطينيون هجمات عنيفة على أهداف بريطانية ويهودية، بما في ذلك أهداف مدنية.
وسرعان ما امتدت الثورة إلى الأرياف، حيث رسخت مجموعات الثوار وجودها عن طريق إنشاء أنظمة عسكرية وإدارية خاصة بها، وفرض الضرائب على الفلاحين، واستهداف أشخاص محليين اتُّهموا بالتعاون مع الأعداء.
وبعد عدة أشهر من اندلاع الثورة، شكّلت السلطات البريطانية لجنة ملكية برئاسة اللورد بيل للتحقيق في أسباب الاضطرابات.
وفي تموز (يوليو) 1937 نشرت اللجنة استنتاجاتها.
وكتبت أن نظام الانتداب أصبح غير قابل للاستمرار، وأوصت بتقسيم فلسطين.
وبموجب الاقتراح، تُقام دولة يهودية على مساحة تعادل 17 بالمائة من البلاد، بينما يُخصص ما تبقى لإقامة دولة عربية تتحد مع شرق الأردن تحت حكم الأمير عبد الله.
وتبقى القدس، بما فيها الأماكن المقدسة وبعض المناطق الأخرى، تحت الانتداب البريطاني.
كما اقترحت الخطة" نقل" نحو 200 ألف عربي من المناطق المخصصة للدولة اليهودية إلى المناطق العربية، ونقل نحو 1.
000 يهودي من المناطق العربية إلى المناطق اليهودية.
وقد عارضت القيادة الصهيونية الحدود المقترحة، لكنها قبلت بمبدأ التقسيم نفسه، بينما رفضت القيادة الفلسطينية الخطة برمتها.
بعد ذلك تصاعدت الثورة وبلغت ذروتها في خريف العام 1938، عندما تمكن الثوار الفلسطينيون من السيطرة على أجزاء كبيرة من المناطق الحضرية والريفية في فلسطين.
ورد البريطانيون بإرسال عشرين ألف جندي إلى فلسطين، واستخدموا إجراءات قمعية صارمة ضد الثوار، شملت هدم المنازل وتنفيذ أحكام بالإعدام بحقهم.
كما حظروا" اللجنة العربية العليا"، واعتقلوا الناشطين فيها ونفوهم، وشنوا حملات لتجريد الفلسطينيين من السلاح.
وبحلول صيف العام 1939 كانت الثورة قد أُخمدت، بعد أن خلفت نحو 5.
000 قتيل عربي، و415 قتيلًا يهوديًا، 100 قتيل بريطاني.
يُنظر إلى الإضراب العام الذي استمر ستة أشهر، والذي شكّل الشرارة الأولى للثورة، باعتباره تعبيرًا قويًا عن الوحدة الوطنية الفلسطينية ورفض الحكم الأجنبي.
ومع ذلك، كانت نتائج الثورة في معظمها سلبية بالنسبة للفلسطينيين.
فقد وجه القمع البريطاني الوحشي ضربة قاسية للحركة الوطنية الفلسطينية.
وبينما شكل إنشاء" اللجنة العربية العليا" علامة على الوحدة الوطنية، فإن مسار الثورة كشف، مع مرور الوقت، عن انقسامات داخلية قديمة وجديدة بين القوى السياسية والاجتماعية والعائلات القيادية البارزة.
نشبت صراعات مريرة بين أنصار راغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس السابق الذي أيد التوصل إلى تسوية مع البريطانيين، وبين أنصار المفتي الأكثر نفوذًا، الحاج أمين الحسيني، الذي عارض أي تسوية معهم.
وأفضت هذه الصراعات إلى المئات من عمليات الاغتيال التي ارتكب فيها فلسطينيون أعمال عنف ضد فلسطينيين آخرين.
وفي حين تركت الثورة المجتمع الفلسطيني ضعيفًا ومنقسمًا، فقد استفاد منها في بعض النواحي مجتمع" الييشوف" اليهودي، الأكثر تنظيمًا ووحدة.
فقد دفع الإضراب العام الييشوف إلى تطوير اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذات، كما أدى العنف الفلسطيني إلى قيام تعاون عسكري بين السلطات البريطانية والجماعات الصهيونية المسلحة، التي تبنت أساليب هجومية شملت أيضًا شن هجمات ضد مدنيين فلسطينيين.
لكن الثورة كانت لها نتائج سلبية بالنسبة لليهود أيضًا.
في أيار (مايو) 1939 أصدرت بريطانيا ما عُرف باسم" الكتاب الأبيض"، الذي فرض قيودًا على المشروع الصهيوني بهدف تخفيف العداء العربي لبريطانيا في الشرق الأوسط، في ظل اقتراب الحرب مع ألمانيا.
وقيّد" الكتاب الأبيض" شراء اليهود للأراضي -والأهم من ذلك أنه فرض سقفًا للهجرة اليهودية لا يتجاوز 75 ألف مهاجر خلال السنوات الخمس التالية، وهو ما حدّ بشدة من عدد اليهود الذين كان بإمكانهم اللجوء إلى فلسطين خلال سنوات المحرقة (الهولوكوست).
في نهاية المطاف، أحالت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة.
وفي 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 اعتمدت الأمم المتحدة قرارًا يقضي بتقسيم فلسطين.
ومرة أخرى، قبلت الحركة الصهيونية التقسيم بينما رفضه العرب، الأمر الذي أشعل موجة من العنف قادت إلى الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1948.
غادر البريطانيون فلسطين في خضم الحرب في أيار (مايو) 1948.
وبعد ذلك مباشرة أعلنت القيادة الصهيونية قيام دولة إسرائيل.
وبحلول أوائل العام 1949 كان الجيش الإسرائيلي حديث التأسيس قد هزم الفلسطينيين وعددًا من الجيوش العربية.
وفي تلك الحرب، طُرد نحو 700 ألف فلسطيني من ديارهم على يد القوات اليهودية، أو فروا منها، في ما أصبح يُعرف لاحقًا باسم" النكبة".
وكان أحد الأسباب المهمة للهزيمة الفلسطينية عام 1948 هو الأثر المدمر الذي خلفته ثورة 1936–1939.
مرّ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بتحولات عديدة ومأساوية خلال التسعين عامًا التي أعقبت الثورة، وما تزال بعض سماتها ذات صلة حتى اليوم.
ويمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى الأبعاد العالمية للصراع ودور القوى الأجنبية فيه، أو إلى العلاقات المعقدة بين العنف والسياسة، وبين الوحدة الوطنية والانقسام.
وبالإضافة إلى ذلك، كانت" لجنة بيل" أول جهة تطرح فكرة" حل الدولتين"، التي ما تزال موضع نقاش حتى اليوم.
كما أن" اللجنة" عرّفت الصراع، بصورة لافتة، بأنه صراع بين" حق وحق"، معبرةً بذلك عن فكرة أن لكلا الطرفين مطالب مشروعة بالأرض.
*أوري يهوداي Ori Yehudai: مؤرخ إسرائيلي وأستاذ مشارك للتاريخ وحامل كرسي شوتنشتاين لدراسات إسرائيل في جامعة ولاية أوهايو.
حصل على درجة البكالوريوس من جامعة تل أبيب والدكتوراه من جامعة شيكاغو، وتتركز أبحاثه على التاريخ اليهودي الحديث، والصهيونية، ودولة إسرائيل، والهجرة والتهجير، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
وهو مؤلف كتاب" مغادرة صهيون: هجرة اليهود من فلسطين وإسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية" Leaving Zion: Jewish Emigration from Palestine and Israel after World War II الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج في العام 2020، الذي تناول هجرة اليهود من فلسطين وإسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية.
كما شغل مناصب بحثية وتدريسية في جامعات ومراكز أكاديمية عدة في أميركا الشمالية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The 1936–1939 Arab Revolt in Palestine.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك