بقلم المحامية شيرين كم نقشكلما تقدمتُ في العمر ازددتُ حذراً من الأحكام المطلقة فالحياة معلمٌ صارم وكل تجربة جديدة تجعل الإنسان أكثر تواضعاً أمام اتساع الواقع وتعقيداته.
لهذا لم أعد أُعجب كثيراً بالكتب التي تدّعي امتلاك الإجابات النهائية، ولا بالنظريات التي تفسر العالم من نافذة واحدة، ولا بالأفكار التي تتعامل مع الإنسان وكأنه معادلة رياضية يمكن اختزالها في بضعة أسطر فالإنسان أكثر تعقيداً من ذلك والحياة أكثر ثراءً من أن تُقرأ من زاوية واحدة.
وربما لهذا السبب أجد نفسي أعود إلى سورة البقرة كل يوم ليس باعتبارها نصاً أبحث فيه عن السكينة فحسب، ولا باعتبارها جزءاً من ممارستي الدينية اليومية فقط، بل لأنني كلما ازددت خبرة بالحياة ازددت دهشة من قدرتها على ملامسة تفاصيلها….
كمحامية، أمضيت سنوات طويلة أتابع نزاعات كان يمكن ألا تقع لو أدرك الناس قيمة الوضوح قبل الخلاف، وقيمة التوثيق قبل الإنكار، وقيمة العدالة قبل الخصومة.
وكأم وجدة، رأيت كيف تُبنى النفوس الصغيرة قبل أن تُبنى البيوت الكبيرة، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تترك أثراً يمتد لعقود.
وكإنسانة، تعلمت أن أكثر معارك الحياة لا تدور في المحاكم ولا في الأسواق ولا في المكاتب، بل في ذلك المكان الصامت داخل النفس حيث تتصارع الرغبات مع المبادئ، والخوف مع الإيمان، والمصلحة مع الضمير وكلما اتسعت دوائر التجربة، وجدت أن سورة البقرة تمر من هناك… من الأسرة حين تتحدث عن المودة والمسؤولية و من الاقتصاد حين تتحدث عن المال بوصفه أداة عمران لا أداة استغلال و من القانون حين تجعل الحقوق أوضح من أن تُترك للأهواء و من التربية حين تبني الإنسان قبل أن تكلفه بالمهمات و من النفس البشرية بكل ما فيها من ضعف وطموح وتردد وشجاعة.
القارئ القانوني قد يتوقف عند أهمية التوثيق وحماية الحقوق ومنع النزاعات، والقارئ الاجتماعي قد يلتفت إلى بناء الأسرة والتكافل والمسؤولية المشتركة، والقارئ الإنساني قد يجد فيها حديثاً عميقاً عن الصبر والأمل ومواجهة تقلبات الحياةوالأمر المثير للدهشة أن السورة لا تقدم هذه القضايا على شكل فصول منفصلة، كما تفعل الكتب الحديثة إنها تتعامل مع الإنسان بوصفه كلاً واحداً فالشخص نفسه الذي يحتاج إلى الإيمان يحتاج إلى النظام والذي يحتاج إلى الرحمة يحتاج إلى العدالة والذي يحتاج إلى الحرية يحتاج أيضاً إلى المسؤولية وهنا تكمن عبقرية الرؤية.
فالخلل في حياة الأفراد والمجتمعات لا ينشأ غالباً من غياب القيم، بل من فصل القيم عن بعضها حين تنفصل الحرية عن المسؤولية و القوة عن الأخلاق والحقوق عن الواجبات و المادة عن المعنى.
وبعد سنوات طويلة من القراءة والعمل والتجربة، لا أجد في سورة البقرة مجرد نص يعالج جانباً من جوانب الحياة، بل أجد رؤية متكاملة لطبيعة الإنسان نفسه, رؤية تدرك أن الإنسان كائن روحي وعقلي واجتماعي واقتصادي وأخلاقي في الوقت ذاته وأن أي محاولة لفهمه من خلال بُعد واحد فقط ستبقى ناقصة مهما بلغت من الذكاء.
سأبوح لكم أحبتي بسرٍّ لمسته بين ثنايا هذه السورة… فبعد كل ما فيها من بناءٍ للعقل والضمير، ومن حديثٍ عن الإنسان والحياة، ومن رسمٍ لمعالم العدل والمسؤولية، لا تنتهي عند القوة، ولا عند المعرفة، ولا عند شعور الإنسان أنه امتلك الحقيقة كاملة.
بل تنتهي عند الإنسان نفسه…عند ذلك الكائن الذي، مهما اتسعت معارفه، وتراكمت خبراته، واشتدت قدرته على الفهم والتحليل، يبقى محتاجاً إلى الرحمة.
ولهذا جاءت خاتمتها دعاءً لا إعلاناً، وابتهالاً لا استعراضاً:﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك