من ألطف ما وقعتُ عليه، وأنا أتهيأ لكتابة هذا المقال، خلاصة ختمتُ بها مقالاً آخر نشرتُه في صيف 1991 باسم مستعار (أحمد الصافي)، في مجلة" على الأقل"، بعنوان" أيّ منتدى لأيّ يسار؟ "، وفيه: " غير أن ما يثير الانتباه حقّاً هو أن بروز الاهتمام بالعمل الشرعي، من المنظور اليساري، يتواقت مرة أخرى مع آفاق مرحلة انتخابية متوقعة.
فهل يجوز أن نرى في ذلك تطلّعاً رسميّاً، لا يكون إلا في مثل هذه المناسبات، للتصالح النهائي مع الواقع السائد؟ وهل ستكون المطالبة بمزيد من الديمقراطية، في هذا الإطار، مدخلاً للتفاعل إيجابيّاً مع متطلبات الوجود في دائرة التعدّدية السياسية المقبولة؟ ".
خلاصة فيها قضيتان وموضوعات متفاوتة تتعلق بفئة من اليسار (يعتبر حركته سبعينيّة جديدة) وبعمله السياسي في المجال الشرعي، وبالتعددية السياسية في" المجال الشرعي" المزدحمة بكثرة الأطراف والتطلعات (التمنيات)، وبالانتخابات التشريعية (مجلس النواب) التي تتقرّر، منذ 1976 في المعدل العام، إذا لم تؤجل أو تُلغ، كل خمس سنوات.
القضيتان، اليسار (الجديد)، والانتخابات التشريعية، مطروحتان تماماً كما طُرحتا قبل أزيد من أربعين سنة، أي منذ قرّرت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في 1984 أن تخوض غمارها في ضوء التوجه الإصلاحي الذي اقترحته للاستفادة المُرَكّبة من تبعات الهزيمة التي أحاقت بتجربتها اليسارية (منظمة 23 مارس) في السابق، ومن" الهامش الديمقراطي" الذي أوجده" المسلسل الديمقراطي" الذي كان يترجم، في تلك المرحلة، نوعاً من الانفتاح السياسي على قوى المعارضة (التقدمية والوطنية) بعد أن أقرّه النظام الحاكم للتخفيف من حدّة الاستبداد ومظاهر التحكم المطلق، وربما أيضاً لتبرير عجزه البنيوي في معالجة الأزمات الاقتصادية المتوالية التي كادت أن تتسبّب، كما قال الحسن الثاني، في أزمته القلبية.
أضيف إلى هذا التحليل، بغية استكمال جوانب الموضوع، قضية" الوحدة"، أو وحدة النضال والعمل بين بعض أطراف اليسار (الجديد)، التي طُرِحَت مجدّداً، وربما باستعجال، بحكم تأخّر الإعداد في علاقة بالزمن الانتخابي، والمتعلقة بالتحضير للانتخابات في سبتمبر/ أيلول المقبل.
لم يوفق اليسار في الوصول إلى البرلمان، من خلال المشاركة في الانتخابات السابقة على امتداد أربعين سنة أو يزيد، إلا بعشرة نواب (بينهم امرأتان)أهم ما أود التعليق عليه، علاقة هذا اليسار (الجديد) بالمجال الشرعي من زاوية الأسلوب السياسي المعارض الذي يعلنه من خارج المؤسسات القائمة على" التوافق الشرعي"، للقول تحديداً: هذا اليسار لم يوفق في الوصول إلى البرلمان، من خلال المشاركة في الانتخابات السابقة على امتداد أربعين سنة أو يزيد، إلا بعشرة نواب (بينهم امرأتان)، ولم يتحقق له أن يشكل فريقاً برلمانيّاً معتبراً بسبب النقص العددي المطلوب، أو المفروض، لتكوين الفريق، وإن الحصيلة العامة، على مستوى التشريع والخطابة والاقتراح إلخ، ليس لها أي سِجِلّ مذكور في العمل البرلماني، ولا في لجانه المختلفة نفسها.
ولم يكن هذا أيضاً بسبب طبيعة الصوت المُعارض ومحدوديته، ومحدودية التأثير السياسي الذي يمكن أن يُصَوِّتَ الموقف، أو المطلب، أو أي شكل من المعارضة السياسية تحت قبة البرلمان، لأن التأثير في الصراع الاجتماعي، كما أفترض، لا يمكن أن يُنجَز من داخل المؤسسة التشريعية، والاستجابة لحقائق المعارضة الفعلية لن تتحقق، في أي أفق كان، إصلاحاً أو تغييراً، إلا من داخل الصراع الاجتماعي، وبقواه المناضلة المصطفة إلى جانب المحكومين بالتشريعات الظالمة الصادرة عن البرلمانات السابقة خضوعاً لاختيارات النظام الحاكم وتصوراته الدستورية التحكمية.
يمكن لمستنتجٍ من هذا، اعتباراً للمدة ولطبيعة الانتخابات التشريعية المتحكّم فيها من الجهاز التنفيذي، أن يدرك، على وجه السلب، أن اليسار (الجديد) ليس له أي مستقبل انتخابي ضمن المجال الشرعي القائم على التوافق (الملكية التنفيذية، الصحراء، السوق والاختيار الليبرالي الرأسمالي، إلخ) لأنه لا يمثل أية قوة اجتماعية مؤثرة في الصراع القائم على صعيد المجتمع، وفي أهمّ (وأخصّ) بنياته الأساسية الضامنة للاستقرار وللتطور.
وترتبط حقيقة هذه الوضعية بجملة من العناصر الفكرية النابعة من وجود حركة اليسار في البلاد وحجمه، وفي مقدمتها أنه يسار مفتَّت، لم يبلور لعمله مفهوماً قويماً للوحدة تكون مرجعاً واضحاً وصريحاً لتوجهه واختياراته، وكذا لتطوير أدائه وتلحيم صفوفه و" التوحّد" مع غيره من المجموعات ذات الاختيار المماثل.
أي إنه ظل سجين البنية الأيديولوجية نفسها التي لم تغيرها، ولو تغييراً جزئياً، مجريات التطور التي شهدتها البلاد، وشهدها العالم من حولنا (فرنسا 1968، الصين، فيتنام، اليمن الجنوبي، فلسطين، ظفار.
)، مع أنها كانت جوهرياً من عوامل التأثير الغالبة بحكم النماذج العقدية" الجاهزة" الحاملة مشاريع التغيير والثورة، وأن تشكل اليسار (الجديد)، فضلاً عن مراجعه الفكرية والأيديولوجية والتنظيمية وسواها، كان ممسوساً ومحكوماً بها.
يسار مفتَّت، لم يبلور لعمله مفهوماً قويماً للوحدة تكون مرجعاً واضحاً وصريحاً لتوجهه واختياراتهالعنصر البارز الذي يتأسّس على هذا هو المتعلق بمفهوم الوحدة، التي غالباً ما يفلح اليسار (الجديد) في التعبير عنها علانية، وفي المطالبة وإقناع الغير بها، ولكنه يضمر في المقابل، لضعف إيمانه اليقيني، أو للعراقيل التي يمكن أن تشوش على جوها ذاتياً وموضوعياً، وفي أحيانٍ كثيرة بتعلات تنظيمية يحبكها المتنفذون في قيادته، للوقوف ضدّها وعرقلة تنفيذها.
وأبرز دليل على هذا أن اليسار (الجديد) لا يعرض مفهوم الوحدة والدخول جزئياً في بناء الإرادات التي تُسَوِّغُها إلا بالمناسبة، أي كلما أقبلت فترة الانتخابات التشريعية، أو شَعر قوَّاده ومناضلوه بقوة استحكام العزلة المنذرة بالتشظّي والفشل التام.
وفي أحيان أخرى، بغير ذلك من الاعتبارات التي لها علاقة بمتطلبات النضال (المفهوم كأسلوب تنسيق) في بعض القطاعات أو الساحات السياسية، ولكنه، في المجمل، لا يقوم بهذا إلا من أجل التعبير الإعلامي عن نوع من الحضور السياسي، وغالباً أيضاً ما ينقضه بدوافع وميولات ذاتية وفئوية خاصة.
واعتقادي أنني أتكلم هنا عن قاعدة تشكلت، في الوعي والأفهام، مع ظهور اليسار (الجديد)، ثم انفجرت بين منظّماته منذ النشأة الأولى عقب" عَفوية" خروجه المستقل إلى الوجود من رحم الحركة الطلابية المتوثبة في أوائل السبعينيات.
ومن هذه الزاوية، كما استخلص، عُدَّت المشاركة في العملية الانتخابية باستمرار، وخصوصاً من أشرس مناضليه الراديكاليين، تصالحاً مع الوضع القائم، وتبريراً لأطروحة" الوعي الديمقراطي" التي تُعَلّل المشاركة بوصفها رافداً للنضال على واجهة أخرى، وأسلوباً عمليّاً متاحاً يرمي إلى" ترشيد" الاختيارات الرأسمالية وإصلاح البنيات القائمة.
ألم يتحجّج أولئك، بلغة مِطْوَاعة يسيل حزنها كمداً على الذات الثورية، بأولوية الأطروحة الثورية الكلاسيكية الداعية إلى تغيير النظام بالكفاح المسلح أصلاً، أو الانقلاب عليه بالقوة العسكرية الوطنية؟لا يؤمن اليسار الجديد، لاعتقاداته الدوغمائية القبلية، بالوحدة طريقاً، لأنه يراها مدعاة للاختلاف وسلباً للتحكم القائم على" المركزية الديمقراطية"أرى من الوارد الإقرار أيضاً بأن" المجال الشرعي"، بحكم الطبيعة التوافقية التي ينسجها بين المتوافقين في مختلف المجالات وعلى صعيد البنيات، لا يقبل إلا بأسلوبه النابع من الموالاة والقائم على التبعية والارتباط العضوي البراغماتي بالمصلحة وما شاكل هذا، ومعناه أيضاً أنه يرفض العمل النضالي ذا المنزع الراديكالي، ولو استند طَوعاً إلى المفهوم الديمقراطي الليبرالي، لأنه قائم على المعارضة، وعلى الاختيار المختلف، أو الجذري، في رسم التوجهات السياسية التي تحكم تلك المعارضة في نضالها الديمقراطي ضد الأوضاع القائمة.
واعتقادي أيضاً أنه يرفض، بقوة أكبر، أن يكون العمل في برلمانه ومؤسّساته، من خلال الانتخابات التشريعية أو الجماعية، نابعاً من تصوّرات وأهداف يسارية، جديدة أو قديمة، لا يهم، تتوخّى التغيير الشامل الذي تنشده الفئات الشعبية العريضة من المحرومين والمُسْتَغَلّين.
وفي العمق من هذا أن" العملية الانتخابية" المعتمدة في الانتخابات، كما فسّرتها تيري كارل Terry Karl، باعتبارها محاولة يقوم بها النظام الاستبدادي للتخلي عن نموذجه التحكمي والقبول بالانتقال نحو الديمقراطية، بصرف النظر عن الدوافع، ثورية أو انقلابية، لا تكون، في جوانب أساسية منها، وخصوصاً في المراحل الانتقالية، إلا بالاعتماد على مقوّمات أساسية نابعة من القوانين التنظيمية التي تُسَنّ للبرلمان ولمجالس الجماعات، وكذا على القوانين المنظّمة للأحزاب، وقوانين اللوائح والمراسيم التطبيقية والقواعد المصاحبة، إلخ.
من الناحية الموضوعية، هناك استحالتان تقومان في وجه اليسار الجديد فتمنعانه من التطور في الاتجاه الموضوعي الحامل للأشواق الاجتماعية الموضوعية والبراغماتية معاً: أنه لا يؤمن، لاعتقاداته الدوغمائية القبلية، بالوحدة طريقاً، لأنه يراها مدعاة للاختلاف وسلباً للتحكم القائم على" المركزية الديمقراطية".
وللاستحالة الثانية علاقة بالرفض الأيديولوجي للاختيار البرلماني طريقاً لبناء الديمقراطية والاستفادة من نظامها لتحقيق المكاسب والخيرات التي يتطلع إليها الشعب.
أما أزمة الوجود فمستحكمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك