فرانس 24 - مونديال 2026: أنشيلوتي "لا تفوز بكأس العالم بناء على مباراتك الأولى" وكالة سبوتنيك - كوريا الديمقراطية: وضعنا كدولة نووية أمر محسوم ولا رجعة فيه الكوير - البرازيل تنجو بنقطة أمام المغرب، و قطر تخطف أول نقطة في كأس العالم من سويسرا🤩 التلفزيون العربي - تعادلان بطعم الفوز.. بداية مثيرة للعرب في مونديال 2026 قناة الغد - استشهاد طفل بنيران الاحتلال في خان يونس الجزيرة نت - عميد المغاربة وعلى أعتاب زعامة أفريقيا.. أشرف حكيمي يتخطى زياش ويدخل تاريخ المونديال فرانس 24 - مونديال 2026: ديباي جاهز لخوض مباراة هولندا الأولى العربية نت - سويسرا تصوت اليوم على تسقيف عدد السكان عند 10 ملايين نسمة روسيا اليوم - للمرة الـ16.. أسطورة البلياردو الروسية تواصل الهيمنة بلقب عالمي جديد قناة التليفزيون العربي - كيف تفاعلت الجماهير المغربية في نيوجيرسي مع تعادل أسود الأطلس أمام المنتخب البرازيل؟
عامة

صفّارة في وجه العنصريّة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

ثمة مشهدٌ يستحق أن يُدرَس في كليات الفلسفة قبل كليات الرياضة: حَكَمٌ يحمل في جيبه تأشيرة أميركية سارية المفعول، ويحمل في سيرته لقب أفضل حكم أفريقي لعام 2025، ويحمل في حقيبته صفّارةً اختارته لها أعرق م...

ثمة مشهدٌ يستحق أن يُدرَس في كليات الفلسفة قبل كليات الرياضة: حَكَمٌ يحمل في جيبه تأشيرة أميركية سارية المفعول، ويحمل في سيرته لقب أفضل حكم أفريقي لعام 2025، ويحمل في حقيبته صفّارةً اختارته لها أعرق مؤسّسة كروية في العالم لإدارة أهمّ مباريات الكوكب، يقف أمام موظف جمارك في مطار ميامي، فيُعاد من حيث أتى كأنه بضاعة مغشوشة، لأن اسمه عمر، ولأنّه يحمل جواز سفر صومالياً، فيما تُقام على أرض البلاد التي يقصدها احتفالية تُسمّى كأس العالم، أي كأس الجميع، كأس الكوكب، كأس الإنسان بما هو إنسان لا بما هو جواز سفر.

هنا تحديداً يبدأ التناقض الفكري الذي لا يمكن تبريره، إلاّ بذلك" اللا منطق" القديم المتجدّد الذي يقول إنّ ثمة بشراً من الدرجة الأولى وبشراً من الدرجة العاشرة، وإن الرياضة حين تدّعي أنها تتجاوز الحدود إنما تعني حدود الأمتار على أرض الملعب، لا حدود المطارات، حيث تستأنف الهويات ويُعاد فرز البشر وفق خرائط الخوف لا خرائط الجدارة.

لم تختر" فيفا" عمر أرتان اعتماداً على مصدر جواز سفره، بل بنت خيارها على كفاءة عينيه اللتين تريان اللعبة، وساقيه اللتين تطاردان الكرة، وعقله الذي يفصل بين الصواب والخطأ في ثوانٍ معدودة.

غير أن الولايات المتحدة التي تستضيف هذا الاحتفال الكوني، اختارت أن ترى فيه شيئاً آخر لم تفصح عنه بوضوح.

اكتفت بتلك العبارة الضبابية المثيرة للتأمل: " مرتبط بأشخاصٍ يُشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية".

جملة تستحق أن تُحلَّل لغوياً وفلسفياً، إذ تُبنى على ثلاث درجات من التشكيك المتراكم، المبني على الاشتباه.

أي إننا أمام تهمةٍ هوائيّةٍ معلقة في الهواء، كانت كافية لتبرير إهانة حَكَمٍ مشهودٍ له بالكفاءة.

هذا تحديداً ما وصفه كافكا في" المحاكمة" حين اعتُقل جوزيف ك من دون أن يعرف جريمته.

والفارق الوحيد أن بطل كافكا كان أوروبياً ولم يُرحَّل من مطار، بل ظل يتنقل بحرية داخل المدينة التي تُحاكمه، بينما لم يُمنح أرتان حتى حق الدخول إلى المحاكمة.

ونحن هنا أمام تطوّر لافت في تقنيات الإقصاء، إذ لم تعد المؤسّسة في حاجة إلى محاكم ولا إلى أدلة ولا حتى إلى اتهام صريح.

يكفي أن تكون صوماليّاً في مطار أميركي عام 2026 لتقرّر خوارزميةٌ ما أنك خطرٌ محتمل.

السؤال هنا عن طبيعة الخوف حين يتحوّل إلى سياسة، فالخوف الإنساني الأصيل انفعالٌ له ما يبرّره، أما الخوف المؤسّسي الذي يتشكل في منظومات بيروقراطية وقوانين استثنائية وقوائم مراقبة فهو شيء آخر تماماً.

إنّه تلك الآليات الخفية التي تُدير الجسد البشري وتُصنّفه وتُقرر مصيره قبل أن يُدان أو يُبرَّأ، قبل أن ينطق أو يصمت.

الأغرب في هذه الحادثة ذلك التواطؤ الرياضي الجماعي الذي يسارع إلى الصخب حين يلوح لاعبٌ ما بيده أو يرفع شعاراً على قميصه أو يستظهر بهويّة روسيّة، لكنه يدير وجهه حين يُرَحّل حَكَم بلا جريمة.

ما يثبت أن المعيار الحقيقي ليس القيم بل المصالح، وأن الخطاب الحقوقي في الرياضة زينةٌ تُخلع حين يصبح ثمنها السياسيّ باهظاً.

غير أن الحكاية لم تنتهِ بالترحيل، بل انتهت بما هو أشد إيلاماً للمنطق الأميركي: لم يتراجع الاتحادُ الأوروبي، وريث القارّة التي اخترعت مفهوم العرق المتفوّق، عن مدّ يده لأرتان، وتكليفه بإدارة كأس السوبر الأوروبي في سالزبورغ، المدينة التي وُلد فيها موزار.

لكأن التاريخ يمارس سخريته العميقة بهدوء، إذ تتقدّم أوروبا خطوة نحو ما تدّعيه، وتتأخر أميركا خطوة نحو ما تنكره.

يستحق تبادل الأدوار هنا بعض التأمّل.

لا تسير الإنسانية في خط مستقيم، بل في دوائر متداخلة من التقدّم والتراجع.

وفي النهاية، ربما كانت الحادثة بأكملها درساً مفادُه بأن الصفارة التي يحملها أرتان في يده أصدق بكثير من الخطابات التي يطلقها الساسة.

تصرخ هذه الصفارة في وجه العنصريّة، وفي وجه الجميع في آنٍ: " توقفوا".

وهو ما لا يريده من يملكون الحدود ويُديرون المطارات ويقرّرون من يستحق أن يدخل إلى كأس العالم ومن يستحقّ أن يبقى خارجها.

لكأنّ الكأس في النهاية ليست للعالم، بل لعالَمٍ بعينه، يتقلّص كل يوم، ويزداد خوفاً من صوت صفّارة يحملها رجل ذو بشرة سمراء واسم مختلف.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك