حمى الله تونس من" جائحة" تتسع رقعتها شيئاً فشيئاً.
فكلما ألمّت بأمة أدخلتها في نفق مظلم، وألقت بها في فتنٍ لا تبقي ولا تذر.
عنوان هذه الجائحة الحقد وخطاب الكراهية البغيض الذي يقسم التونسيين بين ملائكة وشياطين، ويحوّل المختلف إلى خطر داهم، يجب التخلص منه بكل الوسائل، بما فيها اللجوء إلى العنفين، المادي والمعنوي، والاستئساد بالدولة والاحتماء بأجهزتها.
يصاب المتصفح لمنصات التواصل الاجتماعي بالذهول، وهو يقرأ ويشاهد ويستمع لما يصدر عن جزء ليس بسيطاً من التونسيين والتونسيات.
يكفي أن يكون موقفك مخالفاً للسلطة أو لطرف سياسي وأيديولوجي، أو متناقضاً مع معتقدات شائعة، حتى ينهال عليك الغوغاء، وتتلقفك الألسن الحاقدة، فلا تسمع سوى التهديد والوعيد، ويقذفونك بمفردات تقطر حقداً وقلة أدب كأن بينك وبينهم ثأراً قديماً.
بسبب هذه" الجائحة" وغيرها من عوامل، فسدت السياسة، وتسطّح الوعي، واغتصبت اللغة التي جرى تفقيرها، وتهاوت القيم، وتفشّى الكذب والنفاق، وأصبح الصابرون على الاختلاف عملة نادرة، فضاع في هذه الأجواء الملوثة كل ما هو جميل وراقٍ، وهمش أصحاب النيات الحسنة والحالمين لأفكار ينشد أصحابها الإصلاح.
وهو ما مهّد لاقتحام منزل المؤرّخ ووزير الثقافة السابق عزالدين باش شاوش، وحرمانه قارورة الأوكسجين، وأخذه عنوة من سريره الطبي بحفاظاته بحكم كونه قد قارب الـ90 عاماً، ولم يعد قادراً على الوقوف والمشي، وذلك للتحقيق معه في شبهةٍ تعود وقائعها إلى سنة 2011 بعد الثورة مباشرة.
في هذه الأجواء المشحونة، كان لافتاً للنظر الرسالة التي وجهها السجين السياسي عبد الحميد الجلاصي إلى السجين السياسي راشد الغنوشي بمناسبة بلوغه الـ84 عاماً.
والطريف أن الأول استقال من حركة النهضة بسبب خلاف عميق حول المنهج والخطة السياسية، لكن هذا لم يمنعه من التشديد على أن" الجداول لا تتنكّر لمنابعها".
وبقطع النظر عن فحوى الرسالة، هناك إشارة ذات مغزى عميق، حين أكد صاحب الرسالة أنه" يميّز بين دائرة العلاقات الإنسانية وأحرص فيها على المحافظة على العِشرة والمودّة وعلى إنزال النّاس منازلهم، ودائرة الاجتهاد السّياسي، وهي بطبعها دائرة الاختلاف والتّباين الذي يجب ألا يفسد للودّ قضية".
في مقابل هذا السلوك الحضاري، نظّمت هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ندوة صحافية قبل أيام، خصّصتها للأحكام التي صدرت في قضية الجهاز السري.
ورغم أن الأغلبية الواسعة من الأطراف السياسية والمراقبين وعموم المثقفين، بمن فيهم يساريون، امتعضوا من هذه الأحكام الغريبة في تفاصيلها وفي حيثياتها، جاء خطاب الهيئة مشحوناً اختلط فيه الأيديولوجي والحزبي، من دون التوقف عند السياق العام الذي أضفى شكوكاً قويةً بشأن دوافع القضية وملابساتها، ما دفع رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى وصف ما جرى بأنه" حكم سخيف وانتقامي بالسجن المؤبد على زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي بتهم لا أساس لها من الصحة".
تدفع هذه المؤشرات الحمراء المتتالية بقوة نحو التساؤل بشأن السيناريو الذي يدفع إليه التونسيون.
ما يُخشى أن يستمر تآكل الرصيد المتبقي عند التونسيين من صبرهم على بعضهم إلى أن يصل إلى الدرجة الصفر.
عندها ينتقل خطاب الإقصاء إلى مستوى آخر من التعامل، ويصبح التعايش بينهم صعباً أو مستحيلاً.
وهو وضع يجب عدم بلوغه، لأنه قرين بالعزلة القاتلة التي تفتح المجال إلى العنف، ومنه إلى اندلاع نوع من أنواع الحرب الأهلية.
فتجارب المجتمعات الأخرى التي مرّت في ظروف مشابهة شاهدة على ذلك.
ليس المجال هنا مجالاً للمبالغة والتهويل.
هذا خطاب اقتضته المؤشّرات المتتالية بسرعة، وهو من باب التحذير والنصيحة.
فتونس عرفت في الغالب باعتدال أهلها، واشتُهرت منذ القديم بمحطات تاريخية اتسمت بالتسامح الديني والتعايش بين مختلف الأعراق والمكونات.
لكن عندما يكثر التنمر، ويصبح الإقصاء خطاباً شائعاً، على العقلاء أن يرفعوا أصواتهم لإشعار الجميع بأنهم يقفون على حافة الهاوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك