مع انطلاق أولى مباريات بطولة كأس العالم في العاصمة مكسيكو، يجد المرء نفسه مدفوعاً إلى إجراء مقارنة مباشرة مع النسخة السابقة التي احتضنتها قطر عام 2022.
لا تقف هذه المقارنة عند حدود المستطيل الأخضر ولا عند انحناءات معبودة الجماهير المستديرة، بل تتجاوزها لتكشف، مرّة أخرى، حجم الازدواجية الفجّة في الخطاب الإعلامي الأوروبي، والذي تحكمه انتقائية فاقعة تحاول فرض نموذجها الثقافي، وكأنّه المنتج الإنساني الوحيد والجدير بالتطبيق، بغض النظر عن التنوّع الحضاري لدى بقية شعوب الأرض.
بصرف النظر عن الاحتفاليّة الأخّاذة التي شهدناها في المكسيك، تتوزّع منافسات البطولة الحالية عبر مساحات شاسعة تمتد بين ثلاث دول كبرى، الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وسيفرض هذا التشتت الجغرافي تحدّياتٍ لوجستيةٍ معقدةٍ على المنتخبات والمشجعين على حد سواء؛ حيث ستضطر الوفود لقطع آلاف الأميال، واجتياز مناطق زمنية متعددة، والتعامل مع تعقيدات إجراءات السفر والتأشيرات الأميركية الصارمة، ناهيك عن الارتفاع الجنوني في أسعار التذاكر والإقامة والخدمات العامة التي تحكمها اعتبارات ارتفاع متوسط الدخل الأميركي والقدرة الكبيرة على الإنفاق، مقارنة ببقية الشعوب التي لا تمتلك القدرات نفسها.
في المقابل، قدّمت نسخة قطر 2022 نموذجاً غير مسبوق في حسن الإدارة والتنظيم، وساعدها في هذا المساحة الصغيرة للبلاد.
لقد تمكّن المشجعون والوفود من التنقل بين الملاعب بيسر وسلاسة بالاعتماد على شبكة مواصلات عامة مجانية ومتطوّرة، مع توفير تسهيلات وخدمات بأسعار مدروسة راعت التنوّع الطبقي لعشاق اللعبة.
كان بإمكان المشجّعين، نظريّاً على الأقل، متابعة جميع المباريات، فقد كانت التوقيتات محسوبة بدقة بحيث يستمتع الحضور بكل لحظة عاشوها في رحاب المستضيفين.
كانت بطولة استثنائية بامتياز، وضعت راحة المشجع وكرامته في صدارة أولوياتها، ما أعطى صورة بهيّة عن ثقافة الخليج العربي وكرم ضيافته وحسن الاستقبال.
كانت المُخرجات رسالة قويّة كسرت احتكار الغرب النمطي كل ما هو ناجح وأنيق ويستحق الاحترام.
صمت أوروبي، وتحديداً ألماني، تجاه الإجراءات الأمنية والسيادية المتشدّدة التي تفرضها السلطات الأميركيةأعادت نسخة قطر 2022 تعريف مفهوم" الضيافة" في المحافل الرياضية الكبرى، فقد رفعت الدوحة شعار الحفاوة والترحيب بالجميع من دون تمييز، وسخّرت بنية تحتية ومسارات دبلوماسية، وخصوصاً في المطارات، لتسهيل دخول الوفود والجماهير عبر" بطاقة هيا" التي ألغت تعقيدات التأشيرات التقليدية.
لم تكن المسألة مجرّد إدارة لوجستية، بل كانت انعكاساً لثقافة الكرم العربي الأصيل، حيث حظي كل مشارك باستقبال دافئ يعزّز قيم التقارب بين الشعوب، وهو ما يفتقده المشجع اليوم في كواليس المطارات الأميركية التي تتعامل مع الزائر باعتباره" ملفاً أمنياً" قبل أن يكون ضيفاً رياضياً.
لعل الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه في المونديال الحالي الصمت الأوروبي، وتحديداً الألماني، تجاه الإجراءات الأمنية والسيادية المتشدّدة التي تفرضها السلطات الأميركية.
لم نشهد أي حملات إعلامية غربية تندد بفرض قوانين بعينها، أو تشتكي من تقييد حركة الوفود والمشجعين تحت ذرائع الأمن القومي الأميركي.
يصطدم المشاركون بالبيروقراطية الأميركية العتيدة؛ حيث تحكم مطاراتها إجراءات أمنية صارمة، وتدابير ارتياب وتدقيق معقدة في تأشيرات الدخول والوثائق، والتعامل الجاف الذي تفرضه اعتبارات الخوف من المهاجرين في بلدٍ قائم على الهجرة منذ نشأته! يجرّد هذا الأسلوب البطولة من روحها الاحتفالية، ويحوّل رحلة الرياضيين والمشجعين إلى تجربة بيروقراطية شاقة ومرهقة نفسياً وجسدياً، ولنا في ما فرضته السلطات الأميركية على وفد المنتخب الإيراني من إجراءات، وعلى رفض إدخال حكم دولي صومالي، أكبر مثال على هذا التعامل السيئ.
رغم هذا، لم نسمع من الأوروبيين شيئاً يذكر في هذا الخصوص.
المقارنة بين مونديالي 2026 وقطر 2022 تسقط ورقة توتٍ عن ادّعاءات" العالمية" والنزاهة الإنسانية التي يتبجح بها الغربيكشف هذا الصمت عورات الحملة الشرسة والـتنمّر الممنهج الذي مارسته الماكينات الإعلامية والسياسية الأوروبية ضد قطر عام 2022.
حينها، تحوّلت المنصّات الغربية إلى محاكم تفتيش ثقافية، وحاولت البعثات الأوروبية فرض معاييرها الثقافية والاجتماعية غصباً على مجتمع محافظ، كما حصل في ما يتعلق بمنع شرب الكحول في الملاعب ورفض ترويج قيم مجتمع الميم.
جعل الأوروبيون من هذه المسائل شمّاعة للنيْل من الهوية العربية والإسلامية، بينما يبتلعون ألسنتهم اليوم احتراماً لسيادة واشنطن وقوانينها، في تجسيد حي لعقدة النقص والتبعية، وعقيدة الاستعلاء تجاه المشرق.
تتكامل لوحة النفاق الغربي عند النظر إلى الملف الحقوقي.
يُقام المونديال اليوم على أراضٍ تشهد سلطات إنفاذ القانون فيها، وباعتراف تقارير دولية وأميركية، ممارسات عنصرية هيكلية وممنهجة بحقّ المهاجرين والأقليات، إلى جانب منظومة احتجاز قاسية عند الحدود واستهداف عنيف لغير البيض.
ورغم هذا، لم يجرؤ الاتحاد الأوروبي أو أي دولة فيه ولا أي وسيلة إعلامية غربية على المطالبة بسحب البطولة أو مقاطعتها، أو حتى رفع شارات الاحتجاج.
هذا التغاضي المتعمد يعيد التذكير بكيفية تضخيم قضية العمّال الأجانب في قطر؛ حيث جرى استغلال هذا الملف الإنساني وتسييسه واختلاق الأرقام وتزييف الحقائق حوله بغرض الإساءة للدولة العربية المستضيفة.
تغافل الغرب عن كل الإصلاحات التشريعية والقانونية الهيكلية التي أقرتها قطر بشهادة منظمة العمل الدولية، وأصروا على استخدام الملف ورقة ضغط سياسي وثقافي.
اليوم، يثبت المشهد أن حقوق الإنسان في العرف الأوروبي ليست مبدأً ثابتاً، بل هي أداة سياسية تُشهر في وجه دول الجنوب وتُخفى تماماً عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى المهيمنة.
المقارنة بين مونديالي 2026 وقطر 2022 تسقط ورقة توتٍ عن ادّعاءات" العالمية" والنزاهة الإنسانية التي يتبجح بها الغرب.
لقد أثبتت قطر أن الكفاءة والتمسّك بالهوية واحترام الآخر يمكن أن يقدّما النسخة الأجمل في تاريخ كأس العالم، بينما يثبت المونديال الحالي أن المعايير الغربية مرنة ومطاطة؛ تشتد وتتغول بدافع الاستعلاء الثقافي، وتلين وتصمت بدافع المصلحة والخنوع السياسي.
مع ذلك كلّه، يبقى أن نتمنّى للفرق المشاركة وللجمهور المتابع أمتع الأوقات في أجواء المونديال الراهن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك