رواية" جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" (نوفل، بيروت، 2025) للكاتب السوداني زياد مبارك، رواية تاريخية، المغول في بغداد، على مشارفها وبعد ذلك فيها، الخليفة العباسي وجنده القليلون بعد انهيار الخلافة، الإسماعيلية والمماليك والصليبيون.
هذا هو فضاء الرواية، وبالطبع هناك فظائع المغول ومكائد القادة ونزاعات خلفاء جنكيزخان ولعبة السلطة.
لا شك في أن كل ذلك من التاريخ، لا شك في أن زياد مبارك يبني على التاريخ الحقيقي، بل هو حتى في شطحاته الروائية، في تأليفه الخيالي يبقى في جوّه.
بل يمكن القول إن روح التاريخ حاضر في أكثر مواقف الرواية ومواضعها خيالاً.
يمكن القول إن الروائي استطاع، وهو يبني من التاريخ، أن يحلق به، في حين يبقى فيه.
نحن هنا أمام الدولة المغولية بأركانها حكامها وجيشها وخاناتها، نحن عند التاريخ ونبقى هناك، حتى في ما يتخطّاه في ما هو رواية فحسب.
التاريخ هنا حاضر بروحه، هو المادة الأولى التي تخرج منها الرواية، إنه يبقى ماثلاً في تضاعيفها، لكن التاريخ ليس وثيقة فحسب، ليس فقط أخباراً ومتواليات زمنية، إنه أيضاً حياة كاملة، وهو في الوقت نفسه لغة وثقافة وخيال.
إنه في" جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" موجود مناخاً ولغةً، بل موجود في القدرة على الابتكار منه، على اللعب به والبناء عليه، على حفظه إيقاعاً وجواً، والخيال بل الاختراع والخلق إنطلاقاً منه.
رواية زياد مبارك مع بقائها في التاريخ، هي روايةٌ أكثر ما تكون الرواية، بل إن للتاريخ هنا وجهاً فانتازيّاً، لا يني يفاجىء ولا يني يذهب بعيداً.
الرواية هنا لا تخون التاريخ، لكنها أيضاً هي الرواية الحديثة بكل معنى الكلمة، رواية ما بعد كافكا وبروست وفوكنر.
أي إننا حين نتعرف على الشخصيتين الرئيسيتين، علاء الدين صاحب الديوان وحسن الإسماعيلي القديم، نجد أنفسنا أمام شخصيتين، لهما من الصفات ما يجعلهما فوق التاريخ، أي ما يجعلهما، بالدرجة الأولى، بطلين روائيين يتخطيان الوثيقة التاريخية وزمنها.
الرواية هنا هي العُمدة لا التاريخ وإن بقي التاريخ إطارها وأرضيتها.
رواية تاريخية عُمدتها التخييل وإن بقي التاريخ إطارهاعلاء الدين صاحب الديوان حاكم باسم المغول في العراق، لكنه ليس مغولياً، إنه من أسرة تمرّست بالدواوين وأخوه شمس الدين وزير في ديوان الخان.
لكن علاء الدين في الحقبة المغولية لا يمتّ إليها رغم كونه حاكماً من أسرة متمرّسة بالحكم.
ليس سياسياً إلا بالوراثة، إنه في الدولة بدون أن يكون فيها، بل هو ناقد لها، إنه معارض داخلي.
هو إلى ذلك مثقف بل شاعر لا يطيق عسف المغول، ويُجري النهر إلى النجف ويهتم بإعمار الصحارى.
يعيش شبه عزلة، لكنه يصادق سجيناً من أصل إسماعيلي الأمر الذي فيه مخاطرة لا يبالي بأن يعرّض نفسه لها.
ليس علاء الدين، ولو حاكماً وفي العصر المغولي، سوى نوع من اللامنتمي.
هو في فرديته هذا الغريب ولو بصيغة قديمة.
إنه كما يقال عنه شاعر وينهي حياته كاتباً، ولا يبدو له رغم كل شيء طموح آخر.
علاء الدين لا ينفصل عن أخته، إنه من أسرة كتّاب لها محل في النمط السياسي، إنه ابن عصره بدون أن يكون مطابقاً له، بل هو غريب فيه وعنه، بطلٌ لكلّ الأزمنة.
أما الشخصية التي هي تركيب روائي بكل معنى الكلمة، فهي جوتيار الإسماعيلي القديم.
إسماعيليته هي المدخل لتعدد يكاد يكون سحرياً، بل هو بذلك شخصية فانتازية بالكامل.
إنه في الوقت نفسه المجرم والزارع، ليس بالمعنى المهني للكلمة فحسب، بل بمعنى محبّ الحشائش التي يستقطر منها أدوية شافية، أي بالمعنى الذي هو، هذه المرّة شعر الطبيعة.
في ذلك، فوق ما فيه من مسالمة، درجة من الصوفية، فيه على كلّ حال ما يعاكس الإجرام.
إنه المجرم الذي لا يزال يسمع في ضميره صيحة الصغيرة التي قُتل والداها، ويهمّ بقتل نفسه لولا أن ذلك لا يكفي توبة.
تتمحور حول علاء الدين صاحب الديوان وجوتيار الإسماعيليتنتهي الرواية بنكبة الأسرة الجوينية، وطالما نُكبت الأُسر الحاكمة في التاريخ الإسلامي، لكن علاء الدين وهو يغادر يسكت عن السؤال: " هل استمر النهر يعمر الصحارى؟ ".
سؤال هو بالدرجة الأولى سؤال الدولة والحضارة والثقافة.
لقد جاء إلى السياسة من خارجها وعاشها شاعراً ومثقّفاً، كان بذلك نموذج نفسه، غريباً في زمنه وفي دولته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك