في وقت تواجه فيه سورية تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الثقة بالرقابة العامة، وملاحقة ملفات الفساد المتراكمة عبر سنوات طويلة، يبرز الجهاز المركزي للرقابة المالية بوصفه إحدى الجهات المعنية بحماية المال العام ومراقبة كفاءة الإنفاق الحكومي.
في هذا الحوار مع" العربي الجديد"، يتحدث رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية في سورية محمد عمر قديد عن واقع الجهاز وخطط إعادة هيكلته وتحديث أدواته الرقابية، بما في ذلك التوسع في الأتمتة واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويكشف رؤيته لطبيعة الفساد الذي شهدته مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، وأولويات العمل الرقابي في المرحلة الحالية، وآليات التعامل مع ملفات الهدر والرشوة والتجاوزات المالية.
ويتناول الحوار دور الجهاز في مراقبة العقود والاستثمارات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار، وحدود صلاحياته في مساءلة المسؤولين، والعلاقة بين الرقابة المالية وتحسين الخدمات العامة، إضافة إلى رؤيته لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرة المؤسسات الرسمية على فرض المحاسبة وتعزيز الشفافية.
في البداية، تردد بين المواطنين خلال المرحلة الانتقالية أن" شيخاً" داخل مصرف سورية المركزي كان يتحكم بحاكم المصرف والسياسة المالية في سورية.
ما حقيقة هذا الحديث؟خلال المرحلة الانتقالية كان هناك فراغ كبير في مؤسسات الدولة، وكان لا بد من سد العديد من الثغرات، وكانت ثغرة إدارة المال من أكبر التحديات لأن المال هو عصب الدولة، ولذلك كان يجب أن تكون هناك إدارة صحيحة للمال العام مع المحافظة عليه وصونه.
وبحكم أن مصرف سورية المركزي هو المركز الرئيسي لحركة الحسابات في سورية، كان لا بد من وجود إشراف مباشر على هذه الملفات.
وخلال الفترة التي كانت فيها ميساء صابرين تتولى منصب حاكم مصرف سورية المركزي بالتكليف، كان لي دور واضح في الإشراف والمشاركة في صناعة القرار، لأن المرحلة كانت تتطلب وجود شخصيات ذات صفة اعتبارية تتخذ قرارات تتعلق بتجميد بعض الحسابات، وإدارة حركة السوق، وإدارة المال العام والخزينة.
لكن القرار لم يكن يصدر باسمي الشخصي، بل كنت جزءاً من عملية صنع القرار بما يتوافق مع القانون، وبالتعاون مع لجنة إدارة مصرف سورية المركزي برئاسة ميساء صابرين، حيث كنت أقدم تصوري لكيفية إدارة المال العام خلال تلك المرحلة.
ومع صدور التكليف الحكومي لعبد القادر حصرية لتولي إدارة مصرف سورية المركزي، تحولت مهمتي إلى الإشراف والمتابعة وتسهيل التنسيق مع بقية الجهات، واستمررت بتخصيص ساعات محددة لمتابعة العمل في المصرف إلى حين تكليفي رئيساً للجهاز المركزي للرقابة المالية.
ما أولوياتكم منذ تسلمكم رئاسة الجهاز المركزي للرقابة المالية، وكيف تقيّمون واقع الجهاز اليوم من حيث الكوادر والإمكانات والاستقلالية؟اليوم الأول كان تركيزنا على إعادة تفعيل الجهاز تفعيلاً حقيقياً لأنه كان في زمن النظام السابق شبه مجمد لعدة اعتبارات، وكان لديه شبه ازدواجية بين الجهاز والهيئة لتمويه بعض الملفات، فكان من أولوياتنا أن نحدد بالضبط المهام المنوطة بالجهاز المركزي، لأنه في النهاية ما يهمنا هو النتائج، لأن الناس يترقبون النتائج بغض النظر عما يحدث داخل الجهاز.
وفي ما يخص موضوع الكوادر، بدأنا بتنقيح الفساد الذي ينخر الأجهزة بكل الجهات العامة، والجهاز المركزي جزء من هذه الجهات العامة، فمثلما هناك فساد في أي مكان، ممكن أن يكون هناك فساد في الجهاز المركزي، لذلك عملنا على غربلة العاملين في الجهاز، وقد أخرج عدد كبير من المفتشين الذين استُغني عنهم، وبعضهم أُحيلوا على القضاء، وهم الآن موقوفون.
كذلك هناك بعض المفتشين أُعيد تفعيلهم، ووضعنا خطة حتى نرفع من وعيهم ويتبنوا الفكر الذي نحن نعمل فيه.
خطتنا الآن أن نركز على الموارد البشرية ونستثمر فيها في ما يخص موضوع الرقابة، ومن ضمن الخطة أحدثنا معهداً كان موجوداً سابقاً في ما يخص موضوع الرقابة على المال، ونحاول قدر المستطاع رفع وعي الموجودين ونخرج مفتشين جدداً يتميزون بالسمات التي نطمح إليها بالاستقلالية والحيادية، وأن يؤدوا مهامهم بكل شفافية وفاعلية ليكونوا فعلاً على قدر المسؤولية لحماية المال العام.
نطاق عمل الجهاز الفني هو المال والجهاز المركزي للرقابة المالية، والرقابة المالية لها تفسيرات أخرى، فليست الرقابة المالية فقط من مهام الجهاز المركزي، بل تقييم الأداء وتحليل الكفاية، فالرقابة مبنية على الكفاية ويندرج تحتها الكثير من المهام، ومن أهم الأهداف التي نسعى لتحقيقها أن نوضح بالضبط مهام الجهاز المركزي لوجود بعض الخلط بين الجهاز المركزي والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.
فنحن لا نتدخل في الأمور الإدارية، وعندنا موضوع تقييم الأداء، وأولاً الرقابة المالية والتدقيق المالي، وأيضاً موضوع الرقابة على الأداء والرقابة على الامتثال، أي هل هذه الأموال صُرفت بالشكل القانوني، فهذا من مهام الجهاز، وكذلك موضوع الكفاية، وهل هذه الأموال حققت الأهداف التي أُقرَّت وصُرف المال عليها، فهذا أيضاً من مهام الجهاز.
أما الرقابة السابقة والآنية واللاحقة، فهي موجودة بالقانون، لكن إذا أردت أن أراقب السابق، يجب عليّ أن أشارك في إعداد الخطة، وأن أراقب في الآني واللاحق، فيصبح هناك خلط لأنني سأدخل في الإقرار والتنفيذ وأراقب على نفسي، لذلك يجب أن نفصل المهام بحيث نحقق التكامل والشفافية أمام المواطن.
أما على صعيد الجهات العامة بشكل كامل ودون استثناء، فإن الجهاز يملك الحق والصلاحية بالدخول عليها، كذلك فإن له صلاحية بالدخول على الجهات التي تمولها الدولة أو تشارك بها بنسبة 25%، ونحن بصدد تغيير هذا الرقم حتى نحمي المال العام.
أما في ما يخص الجهات الخاصة، فالجهاز المركزي ليس له الحق بالدخول عليها إلا عندما يتعلق الأمر بالشأن العام، فإذا كان أصل القضية يخص المال العام ووجدت حركة فساد شاركت فيها جهة خاصة، فله الحق بالدخول.
هل هناك خطة لإعادة هيكلة الجهاز وتحديث آليات العمل، بما في ذلك التحول الرقمي واستخدام التكنولوجيا الحديثة؟من ضمن خطتنا إعادة هيكلة الجهاز المركزي لأنه لا يمكن أن نبقى على الأسلوب السابق نفسه، فعند فتح أي قضية عندنا نرى ورقيات على أرض الطاولة، أي إن هناك تأخيراً في الوقت، كذلك فإنني لاحظت مع بعض المفتشين أحياناً أنه يحدث خلل في خلاصة التقرير، وغالباً يكون السبب كثرة المعلومات.
كذلك توجد لدينا عدة إدارات، ومن جهة إلى جهة لكي يصل إلى الخلاصة يكون العمل تقليدياً واضحاً جداً، بالإضافة إلى أننا دخلنا على حالة تنظيم وهيكلة للدولة بشكل كامل، وأنت تكافح حالة فساد متراكمة، فحجم البيانات كبير جداً.
فذهبنا إلى الأتمتة في الفترة الماضية بتجربة البرنامج لأشياء تخص التحقيق والقطاع الاقتصادي والإداري والتأشيرة على سقوط العاملين، فكل خيار له نظامه الخاص، ووصلنا إلى مراحل ممتازة، والغاية أن نحاول قدر المستطاع أن نكسب الوقت ونستخدم نوعاً ما التكنولوجيا.
وموضوع معالجة البيانات من طريق الذكاء الاصطناعي الذي سيُستخدَم أسرع بكثير من مقارنة البيانات من طريق القوى البشرية، وحتى مقارنتها بمعايير دولية أو بالقانون أو أنظمة الجهاز المركزي والأنظمة المعمول بها لجميع الجهات.
واستخدام التكنولوجيا سيحقق لنا نقلة نوعية بالجهاز المركزي، بالإضافة إلى أننا سنقلل من الفساد بشكل كبير جداً بتقليل العنصر البشري، وذهبنا باتجاه الأتمتة بحيث يكون موجوداً أكثر من توقيع إلكتروني يمر على أكثر من شخص لنستطيع تحقيق ما نسعى إليه.
والرقابة الآنية سيكون لها علاقة مع وزارة المالية ومع الجهات العامة، لأن الرقابة مبنية على خطة الإنفاق العام في ما يخص النفقات وعلى خطة الوزارة في ما يخص الإيرادات، فتكون رقابتنا على تحقيق الأهداف في ما يخص النفقات والإيرادات، وهل تحققت بطريقة قانونية وصحيحة دون شوائب، بالإضافة إلى موضوع تقييم الأداء، وهنا يظهر موضع الانحراف ويحتاج إلى تعديل، وهذا كله ضمن الخطة.
كيف تصفون مستوى الفساد المالي والإداري في المؤسسات العامة اليوم، وما أكثر المخالفات والتجاوزات التي يرصدها الجهاز؟الفساد في الجهات العامة ليس بالمستوى نفسه، لكننا نتحدث عن زمن النظام، لأن بعد التحرير لا يوجد لدينا التحليل الكافي، فنحن بصفتنا جهازاً مركزياً عملنا يكون لاحقاً للتقييم.
أما بالنسبة إلى السنوات الماضية، فالفساد متغير من جهة إلى جهة، وكان الفساد الكبير في القطاع المالي بحسب اللوبي الذي كان يعمل مع النظام، كذلك فإن القطاع المصرفي أيضاً مشاكله كبيرة وكثيرة جداً، وبعده معظم الإدارات الاقتصادية فيها مشاكل كبيرة أيضاً.
وتتفاوت هذه الحالات لأن الوحدات الإدارية ليست على السوية نفسها، وهنا يأتي الفساد حسب كل وحدة وميزانيتها، فكلما كانت ميزانيتها أكبر كان حجم الفساد أكبر.
ونحن هنا نتحدث عن فساد مركب اشتركت فيه جميع عناصر الجهات التي كانت موجودة في الدولة، وبهذه التشاركية أصبح هناك فقدان واضح جداً لموضوع الرقابة، وهنا يبدأ الفساد بالظهور بشكل كبير جداً، خصوصاً إذا كانت أجهزة الرقابة نفسها جزءاً من عملية الفساد، وهي كانت موجودة وبكثرة.
وكانت طبيعة الفساد معظمها في الوحدات الاقتصادية والملفات التي فيها نشاط مالي كبير جداً، مثل عقود الإنشاءات والنفط والثروة الباطنية للدولة، ففيها ملفات فساد كبيرة، وكذلك المشتريات والمستوردات للدولة فيها مشاكل كبيرة، وعقود الشراكات أيضاً فيها مشاكل وفساد كبير جداً.
قمنا بإحصائيات وأرقام لحجم الفساد، ولدينا أولوية للعمل، الذي له أثر بحسب خطوط الأثر المالي على الدولة.
فإذا فتحنا ملفات صغيرة عددها كبير، لذلك يرتكز عملنا حالياً على شقين: بناء الجهاز المركزي من الداخل حتى لا نضيع وقتنا لأننا نعمل من أجل المستقبل، وبالوقت نفسه فتح الملفات التي لها أثر كبير على الدولة.
الرشوة باتت من أكثر الشكاوى المتداولة بين المواطنين في بعض الدوائر العامة، كيف يتعامل الجهاز مع هذه الظاهرة، وهل رصدتم ارتفاعاً فيها؟الجهاز يعمل على تنقيح الفساد داخل الجهات العامة، بما فيها الجهاز نفسه، ولذلك جرت غربلة العاملين، واستُغني عن عدد كبير من المفتشين، وأُحيل بعضهم على القضاء، وهم الآن موقوفون، وأعيد تفعيل بعض المفتشين الآخرين مع وضع خطة لرفع مستوى وعيهم وترسيخ مبادئ الاستقلالية والحيادية والشفافية.
استخدامنا الأتمتة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتوقيع الإلكتروني سيمثل نقلة نوعية، وسيسهم في تقليل الفساد بشكل كبير جداً من خلال تقليل تدخل العنصر البشري في الإجراءات، وهو ما يسعى الجهاز لتحقيقه ضمن خطة إعادة الهيكلة والتطوير.
كم عدد القضايا التي أحالها الجهاز على القضاء خلال الفترة الأخيرة، وما طبيعة هذه الملفات؟في ما يخص العاملين داخل الجهاز، عملنا على غربلة العاملين فيه، وقد أخرج عدد كبير من المفتشين، وبعضهم موقوفون الآن.
أما في ما يتعلق بالقضايا عموماً، فقد بلغ عدد قضايا التحقيق 156 قضية، إضافة إلى 50 قضية منجزة، وصدر 605 قرارات بالحجز الاحتياطي.
ولدينا أيضاً العديد من القضايا التي تتمتع بحساسية كبيرة، فالقضايا المنتهية يمكننا تزويدكم بها، لكن القضايا التي لم تنتهِ، ولسرية العمل، نتحفظ عليها حتى نعطيها حقها بشكل كامل، والقضايا الكبيرة لم تُحسم بعد لأنه يتدخل فيها عدة جهات، وهنا يأتي دور التنسيق بين لجنة الكسب غير المشروع والجهاز المركزي للرقابة المالية، بالإضافة إلى بعض الجهات، وعلى رأسها وزارة الداخلية.
هل توجد حالياً ملفات فساد كبيرة أو حساسة قيد المتابعة والتحقيق؟لدينا العديد من القضايا التي لها حساسية كبيرة، فالقضايا المنتهية يمكننا تزويدكم بها، لكن القضايا التي لم تنتهِ، ولسرية العمل، نتحفظ عليها حتى نعطيها حقها بشكل كبير، والقضايا الكبيرة لم تُحسم بعد لأنه يتدخل بها عدة جهات، ويأتي دور التنسيق بين لجنة الكسب غير المشروع والجهاز المركزي للرقابة المالية، بالإضافة إلى بعض الجهات، وعلى رأسها وزارة الداخلية.
كذلك فإننا قمنا بإحصائيات وأرقام لحجم الفساد، ولدينا أولوية للعمل على الملفات التي لها أثر مالي كبير على الدولة، لذلك فتحنا هذه الملفات بالتوازي مع العمل على بناء الجهاز المركزي من الداخل.
لماذا يشعر المواطن أن الفساد ما زال مستمراً رغم وجود أجهزة رقابية متعددة، وكيف يمكن استعادة الثقة بعمل المؤسسات الرقابية؟هناك خلط بين مهام الجهاز المركزي والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لذلك نسعى لتوضيح مهام الجهاز وتحقيق التكامل والشفافية أمام المواطن.
ونحن نعمل على إعادة بناء الجهاز من الداخل، ورفع كفاءة الموارد البشرية، واستخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وتقليل تدخل العنصر البشري، بما يحقق حماية المال العام ويعزز الثقة بعمل الجهاز.
هل يمتلك الجهاز صلاحية مساءلة كبار المسؤولين والوزراء والمديرين العامين دون استثناء، وهل توجد عوائق أو تدخلات تحدّ من وصوله إلى بعض الملفات؟أي جهة عامة هي تحت رقابة الجهاز المركزي للرقابة المالية، بالإضافة إلى أي جهة شريكة مع الدولة أو تمولها الدولة.
وفي ما يخص المسؤولين، لا يوجد أحد خارج القانون، والجميع خاضع للرقابة المالية، بما أن الأمر يتعلق بحماية المال العام، ولا يُستثنى أحد.
لكن توجد تراتبية في النظام في ما يتعلق بموضوع المساءلة، فحتى مستوى معين تكون المساءلة مباشرة من الجهاز المركزي، أما في مستويات أوسع، فتكون من طريق اللجنة الرئاسية، وهنا يأتي دورنا عندما يتعلق الأمر بالوزارات.
وليس معنى ذلك أن الجهاز المركزي لا يتدخل، فهناك فرق بين فتح ملف أو قضية تخص أحد الوزراء حمايةً للمال العام، وبين أن يترأس الجهاز المركزي محاسبة أو استجواب أي وزير، إذ يكون لذلك صفة اعتبارية من خلال جهة مشكلة من الرئاسة يُستجوب عبرها بعض الشخصيات في الدولة.
وبشكل عام لا يوجد أحد مستثنى من موضوع الرقابة في ما يخص المال العام، كذلك فإن الوصول إلى جميع الأفراد والجهات العامة كمؤسسات يتم دون استثناء.
هل ستُفتح ملفات لمسؤولين سابقين أو حاليين يُشتبه بتورطهم في هدر المال العام، وهل يمكن ذكر أمثلة؟ليس من صلاحيات الجهاز ذكر أي اسم من أسماء المسؤولين السابقين أو الحاليين المفتوحة ملفاتهم أو التشهير بهم كأجهزة رقابية قبل الانتهاء من قضيتهم.
وفي ما يخص المسؤولين الحاليين، لم تُكشَف حالات فساد حالياً، وكما قلنا فإن عمل الجهاز هو عمل لاحق، وبالتالي قد يكشف قضايا فساد حالية في المستقبل.
كما تحدثنا، فإن سنة 2025 كانت حالة استثنائية، وشهدت بعض القرارات الارتجالية لبعض الإخوة المسؤولين، لكنها كانت تصب في المصلحة العامة لكونها حالة استثنائية.
وقد عُرض أكثر من قضية باعتبارها تخالف القانون، وكُشف عنها بشكل كامل، وعُقد عدد من الجلسات بحيث توضحت الأمور، وجرت قوننة معظم القضايا التي كانت في بداية التحرير، وحتى الآن لم يُكشَف عن مسؤولين حاليين.
ما أبرز أوجه الهدر في الإنفاق العام التي كشفها الجهاز خلال الفترة الماضية، وهل لديكم تقديرات لحجم الأموال المهدورة خلال السنوات الماضية؟الفساد الأكبر كان في القطاع المالي، كذلك فإن القطاع المصرفي أيضاً مشاكله كبيرة وكثيرة جداً، وبعده معظم الإدارات الاقتصادية فيها مشاكل كبيرة.
وكانت طبيعة الفساد في القطاعات الاقتصادية التي فيها تحركات مالية كبيرة، وقد قمنا بإحصائيات وأرقام لحجم الفساد ولدينا أولوية للعمل على الملفات التي لها أثر مالي كبير على الدولة.
أما في ما يخص تقديرات حجم الفساد في السنوات السابقة، فمن الصعب جداً أن يكون هناك تقدير دقيق، لأن الفساد كان تراكمياً وعلى سنوات طويلة، بالإضافة إلى أن المنظومة كلها كانت فساداً.
وعندما نأخذ أي إحصائية يجب أن تكون لدينا إحصائيات صحيحة، وبخاصة أننا نتحدث عن فترة الثورة.
وربما في الأيام القادمة نبدأ المقارنة بين حجم الإنتاج قبل الثورة وسنوات ما بعد الثورة وبعد التعافي، مع احتساب التضخم، ليظهر لدينا حجم الفساد بشكل تقريبي من خلال الفرق بين الإنتاج الإجمالي لسورية والإنتاج الحالي، وحجم الصرف للدولة على قتل الأبرياء وكم كان يُصرف على الخدمات وغيرها، لكنني لا أتوقع الوصول إلى تقديرات قبل عام 2030.
كيف تراقبون القطاعات الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين مثل الكهرباء والمحروقات والخبز والخدمات الأساسية؟بخطة عمل الجهاز بدأنا نذهب باتجاه الخطة المبنية على المخاطر، وجزء من المخاطر هو الأثر على المواطن، لأنه بمجرد أن يظهر أثر على المال العام فإنه يؤثر بالاقتصاد بشكل كامل.
ومن الأولويات لدينا في الجهاز المركزي هذه القطاعات، مثل وزارة الطاقة التي يندرج تحتها العديد من الوحدات الإدارية التي لها علاقة بالكهرباء والمحروقات والمياه، ونحن نتحدث على مستوى الدولة في جميع المحافظات، وهناك بعثات تفتيشية قوية جداً، بالإضافة إلى الخدمات التي لها علاقة بالاتصالات.
ويوجد لدينا خطة أولويات، فعندما نصل إلى مراحل متابعة قوية وحثيثة ونظهر أن هناك فعلاً رقابة على المال العام، نكون قد حققنا شيئاً من حماية المال العام، وبدأ توزيع الإنفاق بالشكل الصحيح، فتزداد الخدمة تلقائياً وترتفع جودتها، وهذا يمسّ المواطن مباشرةً، وهو ما نطمح إليه.
كيف يمكن لعمل الجهاز الرقابي أن ينعكس مباشرةً على تحسين حياة المواطن اليومية؟بمجرد أن يظهر أثر على المال العام، فإنه يؤثر في الاقتصاد بشكل كامل، ولذلك تتركز أولويات الجهاز على القطاعات التي تمسّ حياة المواطنين مباشرة.
وعندما نصل إلى مراحل متابعة قوية وحثيثة، ونثبت وجود رقابة فعلية على المال العام، نكون قد حققنا حماية لهذا المال، ويبدأ توزيع الإنفاق بالشكل الصحيح، فتزداد الخدمات وترتفع جودتها تلقائياً، وهذا ينعكس مباشرةً على المواطن.
فموضوع الرقابة وحماية المال العام جزء لا يتجزأ من حماية الاقتصاد الوطني، وحماية الاقتصاد الوطني منفعة لكل مواطن سوري.
مع الحديث عن إعادة الإعمار والاستثمارات الجديدة، ما دور الجهاز في مراقبة العقود الكبرى والمناقصات؟إن موضوع إعادة الإعمار ستشهد فيه سورية توقيع عقود كثيرة متفاوتة، طويلة وقصيرة ومتوسطة، وهنا يأتي دور الجهاز في بلورة مهامه بعد التنفيذ.
أما كتابة العقود ودراسة العقود وإبرامها، فلها جهات مختصة، ويوجد قانون في كل جهة.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الاستثمار في الصحة أو النفط أو التربية، فإننا جزء لا يتجزأ من الرقابة على الامتثال، أي التحقق مما إذا كانت هذه العقود صحيحة وتسير وفق القوانين، بالإضافة إلى موضوع الدراسات والجدوى من أي عقد.
وبعد ذلك كله يأتي دور الجهاز المركزي بعد التنفيذ.
فالقانون، بحسب المادة العشرين، يسمح لنا بأن يُعرض العقد على الجهاز المركزي قبل إقراره، وأن نكون في أثناء التنفيذ، وكذلك بعد التنفيذ، لكن يوجد بيننا اتفاقية لتوزيع المهام، بحيث تكون العقود مبرمة من طريق الجهات المختصة، ويوجد نوع من الإشراف للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ومدى التزامها بالقوانين.
وأنا أرى ألا يدخل الجهاز قبل التنفيذ، بل يأتي دورنا بعد التنفيذ حتى لا نكون جزءاً من صنع القرار، ونبقى جهة حيادية بين المصلحة العامة، وهي الشعب، والجهة المنفذة، لأن أي دخول في صنع القرار يجعلنا طرفاً فيه، فكيف يمكن لي أن أفرض رقابة على نفسي؟ وفي بعض المشاريع الطويلة يكون لنا عمل آني، ونحن حرصاء جداً على تحقيق المعايير الدولية وأن نكون شفافين إلى أبعد الحدود.
كيف يمكن طمأنة المستثمرين المحليين والخارجيين إلى وجود بيئة مالية شفافة وخاضعة للمحاسبة؟أي مستثمر يقلل من المخاطر عندما يذهب إلى بيئة واضحة وشفافة، وبالتأكيد فإن المستثمر يكون له النصيب الأكبر من هذه البيئة، ونحن نطمح إلى أن نكون جزءاً لا يتجزأ من إيجاد بيئة مناسبة للمستثمرين الداخلين إلى سورية، من خلال إظهار الرقابة والشفافية الواضحة في القطاع العام.
فالمستثمر عندما يدخل ويبرم عقوداً مع الجهات العامة ويعلم أن هذه الجهات خاضعة لرقابة مالية صحيحة وواضحة وشفافة، فإنه يشعر بالارتياح، لأن حقبة الفساد انتهت، وأي مشكلة يمكن معالجتها بوجود الرقابة، وهذا ما نسعى لتحقيقه بأسرع وقت ممكن، بأن نضمن الرقابة المالية لجميع القطاعات العامة في الدولة ونكون ملاذاً آمناً للمستثمر.
وهذا منصوص عليه بالقانون، وسنوضحه من خلال دخول شركات التدقيق العالمية، حيث توجد مذكرات تفاهم، وإن نصّ إحداث أي مؤسسة أو وحدة اقتصادية على دخول شركة تدقيق خارجية، فسيكون التنسيق عالياً جداً بين الجهاز المركزي وهذه الشركات، وبالتالي نكون قد أعطينا المستثمر أقصى حدود الشفافية، ويكون مرتاحاً.
كذلك فإن القانون يمنحنا الحق بالتعاقد مع الخبرات التي نحتاجها، وهنا يجب التفريق بين حاجة الجهاز وحاجة المستثمر، فالمستثمر قد تكون لديه ثقة أكبر بشركات تدقيق خارجية، ولذلك يجب أن يكمل بعضنا البعض، وأن يكون منصوصاً في أي شراكة على خضوعها لشركة تدقيق خارجية بالتنسيق مع الجهاز المركزي.
وعندها تصدر التقارير من الشركات ليحصل المستثمرون على أعلى درجة من الشفافية والأداء الفني، ثم يأتي دور الجهاز النهائي بالتأشير على جميع هذه التقارير لاعتمادها، فنكون قد حققنا نوعين من الرقابة: رقابة من طريق شركة تدقيق خارجية تمنح المستثمر اطمئناناً كاملاً، والتأشير النهائي من الجهاز المركزي لحماية المال العام.
لماذا لا تُنشر نتائج أعمال الجهاز وتقاريره للرأي العام بصورة دورية وأكثر شفافية؟في ما يخص موضوع النشر، نحن ننشر ما هو قابل للنشر، لأن بعض المعلومات تبقى سرية من أجل استمرارية العمل في القضايا.
ولدينا برامج عن خطتنا، فنحن ننشر تقريراً مرئياً كل أسبوع، أي قضية كل أسبوع، بالإضافة إلى بعض التقارير المكتوبة التي ننشرها أيضاً على معرفات الجهاز.
كذلك فإننا تبنينا في الأيام القادمة برنامجاً وثائقياً للبث حول القضايا، وطموحنا في النهاية أن تُنشر تقارير الجهاز النهائية وأعمال الجهاز بالكامل على الموقع، وأن يكون عملنا واضحاً جداً لكل الناس، للسوريين خصوصاً وللعالم عموماً.
ما الرسالة التي توجهونها للمواطنين الذين فقدوا الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية على محاربة الفساد وتحقيق المحاسبة؟ما يهمنا في النهاية هو النتائج، لأن الناس تترقب النتائج بغض النظر عما يحدث داخل الجهاز، ونحن نعمل على بناء جهاز رقابي يقوم على الاستقلالية والحيادية والشفافية، ويحمي المال العام من خلال تطوير الكوادر، وإعادة الهيكلة، واستخدام التكنولوجيا والأتمتة، وفتح الملفات ذات الأثر الكبير على الدولة.
كذلك فإن هدفنا أن نحقق رقابة مالية صحيحة وواضحة وشفافة، وأن نكون جزءاً من حماية الاقتصاد الوطني، لأن حماية المال العام وحماية الاقتصاد الوطني منفعة لكل مواطن سوري.
وطموحنا بالنهاية أن تكون تقارير الجهاز النهائية وأعماله بالكامل منشورة، وأن يكون عملنا واضحاً جداً لكل الناس، للسوريين خصوصاً، وللعالم عموماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك