كشفت تفاصيل جديدة من وراء الكواليس عن الدور الضاغط الذي مارسه قائد الحرس الثوري الإيراني لاستئناف الهجوم على إسرائيل، وهو الأول منذ وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان الماضي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي هو من مارس ضغوطًا شديدة لإطلاق صواريخ على إسرائيل، ردًا على هجوم الجيش الإسرائيلي على بيروت الأسبوع الماضي.
ونقلت الصحيفة الأميركية عن مصادر عربية وإيرانية قولها إن وحيدي دعا، في الخفاء، إلى شن ضربة قوية ضد إسرائيل في أعقاب التطورات في بيروت.
وأشارت المصادر إلى أن أصواتًا أكثر اعتدالًا في القيادة الإيرانية كانت ترغب في تأجيل الضربات خشية تعريض اتفاق مع الولايات المتحدة للخطر، وهو ما كان من شأنه دعم الاقتصاد الإيراني.
وبحسب الصحيفة، فقد أظهر قرار إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل لأول مرة منذ أشهر حجم النفوذ الذي يتمتع به قائد الحرس الثوري الإيراني.
كما أشارت إلى أن وحيدي نجح في حسم النقاش، وأقنع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بدعم الضربات، ما أدى إلى اندلاع أول تبادل لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل.
وبرز وحيدي كشخصية مؤثرة في إيران، إذ يتبنى موقفًا متشددًا على طاولة المفاوضات مع واشنطن.
وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب والوسطاء، يوم السبت، إلى أنهم على وشك التوصل إلى اتفاق مبدئي مع طهران، مع إمكانية توقيعه في أقرب وقت يوم الأحد، إلا أن إيران اعترضت على التوقيت.
وفي إيران، يمثل الحرس الثوري ومن يرتبطون به العقبة الأكبر أمام التوصل إلى اتفاق.
وأعلن الوسطاء أنهم على وشك التوصل إلى اتفاق يشمل فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي، مع تأجيل القضايا الشائكة، مثل البرنامج النووي الإيراني وتحرير الأصول المجمدة، إلى وقت لاحق.
وصرح ترمب، يوم الخميس، بأن الجانبين باتا قريبين بما يكفي لتجنب المزيد من الضربات.
لكن إيران حذرت من أنها لم توقع بعد على مسودة الاتفاق، ويُنظر إلى وحيدي بوصفه الصوت الأكثر نفوذًا بين المتشددين الذين يدفعون طهران إلى التمسك بمطالبها.
وعلى مدى شهور، دخل وحيدي، القائد الغامض الذي قُتل سلفه في اليوم الأول من الحرب، في صراع مع شخصيات سياسية أكثر بروزًا في القيادة الإيرانية، وكان في كل مرة هو الطرف المنتصر.
ويصرّ الرجل البالغ من العمر 67 عامًا، والذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات لدوره في الإشراف على حملة قمع احتجاجات حقوق المرأة عام 2022، وهو مطلوب لدى الإنتربول بتهمة تنفيذ هجوم مميت استهدف يهودًا في الأرجنتين، على أن إيران يجب أن تعيد ترسيخ الردع العسكري لتعزيز نفوذها على طاولة المفاوضات.
ويقول وسطاء مشاركون في المحادثات إن منصب وحيدي على رأس أقوى قوة عسكرية في النظام يعني أن وجهة نظره باتت تؤثر في موقف إيران خلال المفاوضات لإنهاء الحرب.
وتتولى قواته مسؤولية فرض السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو أبرز ورقة ضغط يمتلكها النظام في المفاوضات.
وطوال فترة الحرب، تجاهل وحيدي مرارًا قرارات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والرئيس مسعود بيزشكيان، وفقًا لمسؤولين عرب وإيرانيين وأوروبيين.
وقد سعى كلاهما إلى إبرام اتفاق تمهيدي سريع مع الولايات المتحدة لتجنب انهيار اقتصادي تحت وطأة الحصار الأميركي المفروض على قطاع النفط الإيراني.
وعلى النقيض، أولى وحيدي الأولوية لإعادة ترسيخ قدرة إيران على الردع، والدفاع عن حزب الله، الجماعة اللبنانية المسلحة المدعومة من طهران.
وبحسب وسطاء عرب، فإن وحيدي هو من ربط القتال في لبنان بالحرب مع إيران، وطرح اتفاقًا مع الولايات المتحدة مشروطًا بإنهاء إسرائيل صراعها مع حزب الله.
كما ضغط على المفاوضين لحماية مخزون إيران من الصواريخ، وضمان الوصول إلى أموالها المجمدة.
وأكد الوسطاء أنه يرى ضرورة عدم تقييد استخدام هذه الأموال في الإنفاق العسكري.
لم يرد الحرس الثوري على طلب التعليق.
كان وحيدي عضوًا مؤسسًا في الحرس الثوري بعد الثورة عام 1979، وتولّى قيادة فرعه الاستخباراتي عام 1982، وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
وساهم في تأسيس فيلق القدس، وهي وحدة نخبة تابعة للحرس الثوري، متخصصة في تدريب الميليشيات الأجنبية لمهاجمة أعداء إيران، وترقّى ليصبح أول قائد لها عام 1988.
وبصفته قائدًا لتلك القوة في التسعينيات، ساعد في تطوير حزب الله ليصبح القوة العسكرية المهيمنة في لبنان.
وأصدرت الأرجنتين، عبر الإنتربول، مذكرة توقيف بحق وحيدي عام 2007، متهمةً إياه بالمساعدة في تدبير تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، والذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا وإصابة المئات.
وقد نفت طهران مرارًا وتكرارًا تورط وحيدي أو أي مسؤول إيراني آخر في الهجوم.
وشغل وحيدي مناصب عدة أكسبته معرفة واسعة بأجهزة الدفاع والأمن الإيرانية، بما في ذلك منصب وزير الدفاع ووزير الداخلية ونائب قائد في الحرس الثوري.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فقد لعب، بصفته وزيرًا للدفاع عام 2009، دورًا محوريًا في عمليات شراء المعدات اللازمة لبرامج إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة والنووية، ما دفعها إلى فرض عقوبات عليه في العام التالي.
وفي عام 2022، وبصفته وزيرًا للداخلية، أشرف على حملة قمع دموية للاحتجاجات التي اندلعت على خلفية مقتل مهسا أميني، الشابة البالغة من العمر 22 عامًا، التي توفيت أثناء احتجازها لدى الشرطة بعد اتهامها بانتهاك قواعد اللباس.
على الرغم من توليه مناصب مختلفة في النظام، فإن وحيدي لا يملك خبرة واسعة كقائد عسكري في زمن الحرب، بحسب سعيد غولكار، الخبير في أجهزة الأمن الإيرانية والأستاذ بجامعة تينيسي في تشاتانوغا.
وأضاف أن معظم خبرته كانت في مجال الاستخبارات.
وقال غولكار: «هذا أمر غير مسبوق تقريبًا بالنسبة لشخص في هذا المنصب»، مضيفًا أن صعوده جاء نتيجة مقتل قادة أكثر كفاءة وأقل إثارة للجدل في الحروب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد توليه قيادة الحرس الثوري، الذي يضم نحو 200 ألف عنصر، سارع وحيدي إلى فرض سيطرته.
ومن الأمثلة المبكرة على ذلك تصريح الرئيس مسعود بيزشكيان، وهو سياسي معتدل، بأن طهران ستوقف ضرباتها على جيرانها في الخليج، وهو ما نفاه الحرس الثوري على الفور.
وقدم وحيدي إلى المجلس الأعلى للأمن القومي ما وصفه بأنه «دليل يوضح كيف ساعدت دول الخليج في شن ضربات على إيران»، وذلك وفقًا لوسطاء عرب، بعضهم تلقى إحاطات من مفاوضين إيرانيين، فيما تحدث آخرون إلى وحيدي مباشرة.
وقد استمر هذا النمط في الظهور، إذ أصدرت أحيانًا الحرس الثوري وشخصيات أكثر اعتدالًا في إيران رسائل متناقضة.
وفي 18 أبريل/نيسان، عندما صرّح عباس عراقجي، كبير الدبلوماسيين الإيرانيين، بأن مضيق هرمز مفتوح، أفاد مسؤولون عرب بأن الحرس الثوري أبلغ الوسطاء بعكس ذلك.
وبعد ذلك بوقت قصير، رفضت وسائل إعلام تابعة للحرس الثوري تصريحات عراقجي، ووصفتها بأنها غير دقيقة أو ناقصة، فيما استمرت الهجمات في المضيق.
ورأت صحيفة وول ستريت جورنال أنه رغم نفوذ وحيدي في طهران، فإنه يواجه وضعًا خطيرًا، إذ أسفرت الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية عن مقتل عدد من قادة الحرس الثوري، من بينهم سلفه الجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس، الذي قُتل في غارة أمر بها دونالد ترمب خلال ولايته الأولى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك