تاريخ مصر، سِجلُّ الإنسان، ومرآة أمجاد البشر، وصَرحُ الحضارة بأسمَى معانيها، هذا السجلُّ ناصع البياض، ربط اسم مصر بشعبها منذ العصور التاريخية، ورفع من شأن هذا الاسم، تاريخيا وجغرافيا ودينيا ونفسيا، واعتبره اسما راسخا، لم ينشأ لمجرد ظروف سياسية، أو يمكن تغييره فى ظروف سياسية مغايرة، فهو أقدم اسم لأقدم بلد على كوكب الأرض، اسم حملته مصر الفرعونية، ومصر القبطية ومصر الإسلامية، ومصر الحديثة، ومصر المعاصرة، على مدار آلاف السنين.
مصر - وفق سجل التاريخ الإنسانى - أول «أمة» فى التاريخ نَمَتْ فيها عناصر «الأمة» بمفهومها الكامل الصحيح، وأول قوة سياسية منظمة عرفها التاريخ القديم، وأطول دولة، عمرًا، حافظت على وحدتها القومية، فلم يحدث - طوال 6 آلاف عاما من الحكم المنظم - أن انفرط عقد وحدتها، أو شهدت انفصال أقاليمها، إلا فى حالات لا تذكر، بفعل احتلال أجنبى مثل حكم الهكسوس، حين انفردوا بالدلتا، وسرعان ما أعادت وحدتها بعد ثورة «أحمس» الذى واصل مسيرة أبيه وشقيقه.
سِجلّ التاريخ، يؤكد أن مصر ظلت شامخة، موحدة المشيمة، تتحدى المعتدين، وتمتص الحضارات وتضيف إليها، أى تؤثر ولا تتأثر، كما تمتص مطامع الغزاة حتى تنتصر عليهم بالصبر والعزيمة، والكفاح والمقاومة.
مصر، عراقة التاريخ الرابض فى الصخور وعلى ضفاف النيل، فى الأهرامات والمعابد والمقابر والتماثيل والمسلات والهياكل، ويظل هذا التاريخ دليلا على عراقة المصريين وقدراتهم وتطورهم وجدارتهم، ومن ثم استحقوا أن يتصدروا تاريخ الدنيا، ويتحولوا إلى نغم حلو فى فم الدهر.
انطلاقا من هذه الحقائق المثبتة على جبين الدهر، فإن ألاعيب الأفروسنتريك، وغيرهم فى تشويه التاريخ وتحريفه، مجرد أوهام، أيضا المغالطات التاريخية غير المؤسسة، يجب تصحيحها، باعتبارها شوائب تلطخ الحقائق، ومنها المغالطة التاريخية بأن الإسكندر الأكبر هو صاحب فكرة تأسيس وبناء الإسكندرية.
هناك مصادر تقول أن الإسكندر الأكبر، صاحب فكرة تأسيس الإسكندرية الهليستنية، سنة 331 قبل الميلاد، ثم غادر مصر سريعا، بينما المصريون هم الذين قاموا بعمليات البناء وتمدد العمران الضخم، كما أن المنطقة لم تكن أرضا خالية، وإنما كانت عبارة عن مستوطنة مصرية أقدم تعرف باسم «راقودة» أو «رخاكوتيس».
للأسف الشديد وطوال ألفى عام، ترسخ فى الوعى العام سردية أن الإسكندر الأكبر هو الذى بنى مدينة الإسكندرية، ودُشنت هذه العبارة فى المناهج المدرسية، والمنتديات والبرامج والخطابات الثقافية، حتى صارت أشبه بالحقيقة غير القابلة للنقاش، دون تفكير أو بذل أى جهد يذكر للعودة إلى المصادر والوثائق التاريخية والشواهد الأثرية، للتحقق من هذه المعلومة.
المصادر التاريخية الموثوقة، ومنها دائرة المعارف البريطانية، تكشف أن الإسكندر الأكبر لم يبنِ مدينة الإسكندرية، ربما كان أشار إلى إعادة تخطيط المدينة، ولم يُشرف على مرحلة البناء، كونه غادر مصر سريعا، وهنا لا بد من طرح السؤال، كيف لقائد لم يمض فى مصر وقتا طويلا، أن يبنى مدينة كاملة؟الحقيقة أن المؤرخين يجمعون على أن تنفيذ المشروع العمرانى للإسكندرية تم على يد المصريين، وأن البطالمة توسعوا فى التخطيط والتمدد العمرانى وتحويلها لعاصمة محورية، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن الإسكندرية كانت موجودة قبل دخول الإسكندر نفسه بمئات السنين.
المصادر الأثرية والتاريخية تؤكد أن الإسكندرية كانت مستوطنة مصرية كبيرة تحمل اسم «راقودة» أو «رخاكوتيس».
وتبرز دائرة المعارف البريطانية، أن تاريخ هذه المستوطنة، يعود للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، أى قبل وصول الإسكندر الأكبر بأكثر من ألف عام.
الأبحاث والدراسات الجيولوجية والأثرية الحديثة، والتى أجريت فى ميناء الإسكندرية الشرقى كشفت دلائل مؤكدة على وجود نشاط بشرى وتجارى وعمرانى سابق لعصر الإسكندر الأكبر بفترة زمنية طويلة، بجانب أن الأبحاث المنشورة حول الإسكندرية قبل الإسكندر الأكبر، تؤكد أن «راقودة» لم تكن اسما عابرا على الخريطة، بل كانت مستوطنة مصرية كبيرة ومهمة، ولعبت دورا جوهريا فى مراقبة الساحل وتأمينه، وشاركت فى نشاط التجارة البحرية عبر المتوسط.
هذه الأبحاث تغير جذريا الصورة النمطية التى تصور الإسكندر الأكبر وكأنه وصل إلى أرض خاوية خالية من النشاط البشرى، فقرر إنشاء مدينة من العدم، عكس الحقائق التاريخية الكاشفة بأن الإسكندرية قبل الإسكندر كانت موقعا معلوما ومأهولا بالسكان ويمارسون كل أنواع الأنشطة التجارية والأمنية.
الإنجاز المهم للإسكندر الأكبر أنه أعاد المخطط العمرانى للإسكندرية، واستثمار موقعها الجغرافى، كونه مهما لوقوعها بين البحر الأبيض المتوسط، وبحيرة كينج مريوط، والمحمية بجزيرة فاروس الشهيرة، بجانب أنه موقع مثالى لإنشاء ميناء ضخم يربط بين مصر واليونان، وتحديث شبكات التجارة الدولية.
وقد شهدت الإسكندرية تطورا فى العمران، فى عصر بطليموس الأول، وتحولت إلى عاصمة مهمة، وشيدت القصور والأحياء الملكية وتدشين الموانئ، ثم والأهم تأسيس مكتبة الإسكندرية الشهيرة، ومنارة فاروس التى أضحت إحدى عجائب الدنيا السبع فى العالم القديم، وجمعيها بُنيت بأياد مصرية.
لذلك فإن القول بأن الإسكندر الأكبر قد بنى الإسكندرية، يحتاج إلى قدر من التدقيق، فالأصح تاريخيا أن المصريين كانوا فى هذه المنطقة، يمارسون نشاط الصيد والتجارة والتأمين، وأن ما فعله البطالمة أنهم أعادوا تخطيط المدينة وتوسيعها عمرانيا، وحتى عمليات البناء والتوسيعة كان بأياد مصرية خالصة، من عمال ومهندسين وحرفيين، ومع مرور السنين صارت الإسكندرية مركزا للعلم والفلسفة والسياسة والتجارة، وهو ما أعطى للمدينة زخما كبيرا، وشهرة مدوية، غطى على اسمها القديم «راقودة».
وهكذا، ووفق المصادر الموثوقة، فإن الاسكندر لم يخلق المدينة من العدم، وإنما نثر بذرة تطوير المدينة، فوق أرض مصرية خصبة، لتكبر وتنمو وتتمدد بأياد مصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك