مع دخول الحرب عامها الرابع، يواجه السودان أخطار تزايد حدة الأمراض والأوبئة الفتاكة وبخاصة في ظل انهيار القطاع الصحي وحلول فصل الخريف، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة ممثلة في وزارتي الصحة الاتحادية والولائية، إلى جانب المنظمات المهتمة بالشأن الإنساني.
في مسعى إلى تعزيز قدرات القطاع الصحي وحماية السودانيين من خطر الأوبئة الفتاكة، أعلنت وزارة الصحة إجازة خطة بأكثر من 139 مليون دولار لمكافحة أمراض الملاريا والدرن وفيروس نقص المناعة (الإيدز) على نحو أفضل وخفض معدلاتها، إضافة إلى توسيع نطاق الخدمات العلاجية لمواكبة عودة الملايين من مناطق النزوح واللجوء.
ووفق الإحصاءات الرسمية، فقد أصبحت الملاريا منتشرة بصورة كبيرة في ولايات البلاد كافة، وهي المسبب الأول للوفيات والتردد إلى المستشفيات والمراكز الصحية المختلفة، إذ يموت بسببها سودانيان تقريباً كل يوم غالبيتهم من الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل، بينما تجاوز عدد الإصابات 3 ملايين إصابة كل عام.
وبحسب إحصاءات وزارة الصحة في عام 2024، فإن عدد المصابين بفيروس نقص المناعة (الإيدز) بلغ 48 ألف حالة، يتلقى 8.
607 مريض العلاج، وسُجلت 2.
300 حالة وفاة بسبب المرض.
في السياق يقول وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم إن" مكافحة الملاريا تمثل أولوية قصوى ضمن الخطة الوطنية"، مشيراً إلى أن" إعداد المقترح جاء بمشاركة واسعة من منظمات المجتمع المدني والصندوق القومي للإمدادات الطبية، وكذلك منظمات الأمم المتحدة، إضافة إلى خبراء سودانيين من داخل البلاد وخارجها، إذ تمت مناقشة الأولويات الصحية لضمان استجابة شاملة وفعالة".
وأضاف إبراهيم أن الدعم العالمي سيستمر في تعزيز جهود البلاد لمكافحة هذه الأمراض، وأثنى على الفريق الفني الذي عمل على صياغة المقترح، مشيداً بتفانيه في ضمان استمرارية الدعم ومواصلة الجهود لمواجهة التحديات الصحية.
وأوضح أن" المقترح يتضمن ترتيبات تشغيلية واضحة لتسهيل التنفيذ بما يتناسب مع حاجات السودان، مع التركيز على تقوية النظام الصحي وتطوير قدراته لمواجهة أمراض الملاريا والدرن وفيروس نقص المناعة (الإيدز)"، لافتاً إلى أن" المنحة توفر أدوية الأمراض الثلاثة لولايات السودان كافة".
على الصعيد ذاته، يشير الطبيب المتخصص في أمراض المناطق الحارة مرتضى عادل إلى أن" خطة وزارة الصحة تأتي في توقيت مثالي، خصوصاً مع حلول فصل الخريف الذي يسجل فيه السودان أعلى معدلات انتشار للملاريا ووفيات مرتفعة، فضلاً عن تفشي مرض الدرن الذي يعرف طبياً بـ’السل‘ وبخاصة في معسكرات الإيواء بولايات دارفور وكردفان، ومن ثم فإن وجود موازنة كبيرة يسهم في تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، علاوة على توفير الأدوية والرعاية الصحية".
ونبه عادل إلى وجود تحديات عدة ترتبط بعلاج الملاريا والدرن وفيروس نقص المناعة (الإيدز)، منها مواكبة الإصابات في مناطق النزاع المسلح وآليات مكافحة الأمراض الثلاثة، وتوصيل الأدوية والمستلزمات الطبية إلى تلك المناطق.
وشدد على ضرورة التنسيق مع المنظمات الدولية مثل" أطباء بلا حدود" ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ’يونيسف‘ لحل هذه الأزمة، مع أهمية معرفة وإحصاء عدد مرضى الإيدز في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، واتخاذ إجراءات عاجلة واعتماد بروتوكول صحي لمعالجة الأزمات".
في السياق ذاته، رأى المتخصص في الوبائيات مختار جبارة أن" الحكومة ممثلة في وزارة الصحة الاتحادية لديها الإمكانات لتأهيل وإعمار المستشفيات ومراكز الرعاية والعلاج للمتعايشين مع فيروس نقص المناعة (الإيدز)، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، لكن هناك ارتفاعاً كبيراً ومتصاعداً في أسعار الأدوية مع استمرار الحرب وحدة الفقر وسط المواطنين، الذين لم يعد بمقدورهم تحمل كلفة الفحوص الطبية والعلاج".
وأشار إلى أن" الملاريا والدرن باتا مرضين شبه جماعيين، إذ عندما يصيبان أحد أفراد العائلة تنتقل عدواهما بسرعة وسط أفراد الأسرة الآخرين الذين يتشاركون الغرفة نفسها والبيت ذاته ومراكز الإيواء أيضاً، لذا تصبح كلفة العلاج لأفراد الأسرة مضاعفة".
وبحسب جبارة فإن كلفة علاج الفرد الواحد تصل إلى 220 ألف جنيه سوداني (50 دولاراً أميركياً بسعر السوق الموازية)، وهو مبلغ كبير يفوق طاقة كثير من الأسر السودانية التي استهلكت الحرب معظم مدخراتها ودمرت مصادر دخلها.
على نحو متصل، أكد مدير البرنامج القومي لمكافحة الإيدز في السودان مازن مبارك، أن" الحرب أثرت سلباً في البرنامج، الذي يملك 252 مركزاً بالولايات الآمنة، إلى جانب 24 مركز رعاية و44 مركزاً لخدمات الحوامل.
وعلى رغم هذه التحديات، نجحت وزارة الصحة في التعاون مع المنظمات لتوسيع خدمات العلاج في ولايتي البحر الأحمر والشمالية، ليصل عدد المراكز الفعالة إلى 12 مركزاً".
وأعلن" التزام البرنامج بالعمل مع المؤسسات الحكومية والمنظمات والشركاء والمتعايشين مع المرض لتسريع الجهود نحو سودان خال من الإيدز".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وشدد مبارك على أهمية ضمان وصول الخدمات لجميع المتعايشين، ومكافحة الوصمة والتمييز، وكذلك تعزيز النظم الصحية وحشد الموارد المحلية والدولية لضمان استجابة قوية ومستدامة.
وأقر بأن" الطريق لا يزال طويلاً نحو إنهاء الإيدز بسبب استمرار الوصمة والتمييز وعدم المساواة بين الجنسين"، مؤكداً أن" هذه التحديات تبطئ التقدم وتستدعي جهوداً مضاعفة".
على صعيد متصل، يرى الطبيب المتخصص في الأمراض الصدرية هاشم الريح أنه، وعلى رغم بوادر تعافي القطاع الصحي في السودان بعد عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم، تظل الملاريا والدرن أحد أكبر المهددات للصحة العامة وأكثرها فتكاً بالمواطنين، وبخاصة شرائح الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، إلى جانب النازحين في معسكرات الإيواء، مما يستدعي تركيز الجهود خلال المرحلة الراهنة على مكافحة النواقل والإجراءات التحوطية والوقائية الأخرى، والمضي بحملات تطعيم الأطفال.
ويكشف الريح أن الملاريا والدرن من الأمراض المستوطنة التي تتسبب بمشكلة صحية كبيرة في السودان وتشكل هاجساً مؤرقاً للسلطات عامة ووزارة الصحة تحديداً، والتصدي لها مكلف مادياً ويشمل مراحل عدة تبدأ بمكافحة الناقل وسط المجتمعات وداخل المساكن وحتى التعامل مع الحالات العلاجية في المستشفيات، ولذلك ظلت الدولة تصرف كثيراً من الأموال سعياً إلى الوصول لمستوى من السيطرة لتقليل الوفيات والإصابات والمضاعفات الأخرى المرتبطة بالملاريا والدرن.
وأعرب المتخصص في الأمراض الصدرية عن أمله في أن تحقق خطة وزارة الصحة السودانية لمكافحة الأوبئة النجاح المأمول، وتسهم في تقليل الإصابات بصورة كبيرة، فضلاً عن تقليل الوفيات والحالات الحرجة والدخول إلى المستشفيات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك