مع اقتراب التوصل إلى اتفاق مؤقت أو مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفع صوت المعارضين داخل القاعدة المؤيدة للثورة الإيرانية إلى مستوى غير مسبوق، وبلغ الأمر حد تنظيم تجمعات احتجاجية وإطلاق شعارات حادة ضد المفاوضين، بينهم رئيس الوفد المفاوض المحافظ محمد باقر قاليباف.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات بشأن طبيعة هذا الانقسام ودوافع هذا الرفض وأسباب تشدد المعارضين في مواجهة الاتفاق.
وعلى خلاف ما جرى خلال إبرام الاتفاق النووي عام 2015، حين تمحور الانقسام أساساً بين الإصلاحيين و" المعتدلين" (أبناء مدرسة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني) من جهة والمحافظين من جهة أخرى، لم تعد معارضة الاتفاق مع الولايات المتحدة اليوم نتاج هذه الثنائية التقليدية، بل باتت تعكس انقساماً واضحاً داخل المعسكر المحافظ أو الأصولي نفسه.
ويعود ذلك، إلى أن المحافظين هذه المرة هم في صلب المفاوضات، ويتحمل قاليباف مسؤولية مباشرة فيها، لا حكومة الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان.
وتقول أوساط إيرانية إن بزشكيان" دفع بقدر من الحنكة"، المحافظين وقاليباف إلى صلب هذا المسار لتسهيل الوصول إلى اتفاق ولمنع تحميله وحكومته وحده تبعاته لاحقاً بما يساعد على تثبيت أي تفاهم محتمل وتجاوز المرحلة.
ويعد معظم النشطاء والنواب الذين أعلنوا مواقف رافضة للاتفاق من المقربين إلى تيار" جبهة الصمود" المحافظ، القريب من أمين المجلس الأعلى السابق للأمن القومي سعيد جليلي.
قال رئيس التحرير السابق لصحيفة" فريختغان" المحافظة مسعود فروغي في حديث مع" العربي الجديد"، إن المعارضين للاتفاق لا يمكن تصنيفهم بالضرورة ضمن التيار الأصولي، مضيفاً أنهم يرون أن الوقت غير مناسب لتقديم أي تنازل بشأن مضيق هرمز، ويعتقدون بضرورة ممارسة مزيد من الضغط على الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر أخرى على الأقل.
وأوضح أن جوهر الانتقادات يقوم على ضرورة الحفاظ على مضيق هرمز والمواد النووية باعتبارهما الأصلين الاستراتيجيين وذلك بعدما أن أظهرت واشنطن" اهتماماً كبيراً" بالملفين.
وفي المقابل، يرى مؤيدو المفاوضات، بحسب فروغي، أن إيران قادرة مراراً وتكراراً على فتح المضيق أو إغلاقه، وأن القرار في ذلك بيدها.
وأضاف فروغي أنه بينما يعتقد المنتقدون أن بإمكان إيران انتزاع تنازلات أكبر عبر مواصلة الضغط، يقول مؤيدو التفاوض، ومعظمهم داخل الحكومة والمحافظين المقربين من قاليباف، إن المنطق يقتضي تجنب أضرار أكبر بالبلاد ومحاولة تحقيق المكاسب عبر التفاوض.
كما أن الحكومة الإيرانية ترى من جهتها أنه لا ينبغي إبقاء البلاد في أجواء الحرب إذا كان بالامكان التقاط الأنفاس.
وأضاف أن الطرفين، المؤيد والمعارض للاتفاق، يظهران في تصريحاتهم العلنية وفي النقاشات الخاصة إدراكاً لاحتمال عودة الحرب.
من جهتها، قالت صحيفة" نوبنياد" الأصولية في عددها الصادر اليوم الأحد، إن الانتقادات الموجهة إلى التفاهم المتداول تتركز على الفجوة بين البنود التي نشرتها وسائل إعلام قريبة من الحكومة وبين الشروط الاستراتيجية التي طُرحت بعد بدء وقف إطلاق النار الموقت.
وأشارت إلى أن الشروط العشرة للمجلس الأعلى للأمن القومي، والتي حظيت بمصادقة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، تتضمن الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية على مضيق هرمز، وإنهاء الحرب ضد جميع مكونات محور المقاومة، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، والحصول على تعويضات كاملة، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وإلغاء قرارات مجلس الأمن، والإفراج الكامل عن الأصول المجمدة، إلى جانب إقرار هذه البنود ضمن قرار ملزم في مجلس الأمن.
لكن الصحيفة المحافظة قالت إن النصوص المنشورة للاتفاق لا تتضمن انسحاب القوات الأميركية، ولا تقدم ضمانات لرفع كامل العقوبات أو تعهدات واضحة بشأن التعويضات والقرارات الدولية.
وأضافت أنه رغم تأكيد عدم التخلي عن إدارة مضيق هرمز، فإن عودة الأوضاع تدريجياً إلى ما كانت عليه قبل الحرب تبقى بعيداً عن المطالب الاستراتيجية الإيرانية بعد المواجهة الأخيرة.
كما حذرت من أن الدخول في مفاوضات لمدة ستين يوماً من دون تثبيت نهائي للإنجازات النووية سيفتح الباب أمام جولة جديدة من الحروب.
ولفتت" نوبنياد" أيضاً إلى تراجع المخزونات النفطية العالمية وتحذيرات مؤسسات مالية من احتمال ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية إذا استمر الاضطراب في مضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تخفيف الضغط في أسواق الطاقة، فيما أُرجئت مطالب إيران، مثل رفع العقوبات والتعويضات والإفراج عن الأصول المجمدة، إلى مهلة ستين يوماً.
وفي موازاة ذلك، ثمة وجهة نظر شائعة داخل إيران وخارجها تقول إن القرار النهائي محصور بيد المرشد الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي، وإن المفاوضين لا يملكون صلاحية التقرير.
وانطلاقاً من هذا التصور، يرى البعض أن التوصل إلى أي اتفاق يعني بالضرورة حصوله على موافقة القيادة والمؤسسات العليا، بما يسقط مبررات الاعتراض على فريق التفاوض.
غير أن الإعلامي الإيراني مسعود فروغي يؤكد أن بنية النظام السياسي في إيران، لا تقوم على أن يتخذ شخص واحد القرار فيما يكتفي الآخرون بالتنفيذ.
وأوضح أن الاستراتيجيات الكبرى والسياسات الأساسية يضعها المرشد الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي، لكن التجربة السياسية أظهرت أن القائمين على التنفيذ يؤثرون كثيراً في النتائج، لأن هناك دائماً مسافة بين رسم السياسات العامة للمفاوضات والخطوط الحمراء وبين ما يجري تطبيقه عملياً.
وأضاف أن الاتفاق النووي الموقّع عام 2015 بين إيران والولايات المتحدة شكّل مثالاً واضحاً على ذلك، إذ قُدّم حينها على أنه إنهاء للعقوبات، لكن النتائج اللاحقة أظهرت خلاف ذلك.
كما رأى أن الموقف المشروط الذي اتخذه المرشد الإيراني علي خامنئي تجاه المفاوضات من خلال شروطه التسعة يؤكد أن إشراف القيادة ومتابعتها للملف لا يعنيان فرض قبول مطلق بالنتائج على الجميع، مشدداً على ضرورة الفصل بين إشراف القيادة وبين تفاصيل ما يتوصل إليه المفاوضون.
بدوره، قال السياسي الإيراني المحافظ حسين كنعاني مقدم، في حديث إلى" العربي الجديد"، إن إعلان الحرب والسلام يندرج، وفق المادة 110 من الدستور الإيراني، ضمن صلاحيات المرشد الإيراني، وإن القيادة تتخذ قراراتها في هذا الشأن عبر الأدوات التابعة لها، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي والمجلس الأعلى للدفاع ومقار قيادة القوات المسلحة، ولذلك يجب أن يستند أي طرح يصدر عن هيئة التفاوض أو وزارة الخارجية أو غيرهما إلى توجيهات القيادة.
وأضاف كنعاني مقدم أن تاريخ إيران بعد الثورة شهد مواقف مؤيدة ومعارضة حيال القضايا الدولية والاتفاقات والعقود الدولية، مشيراً إلى أن الأمر نفسه حدث في ما يتعلق بالقرار 598 لمجلس الأمن لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية، حين حسم مؤسس الجمهورية آية الله الخميني الجدل وأنهى الملف وتحمّل مسؤوليته.
وأوضح أن النقاش المطروح حالياً يتعلق بجانبين: أولهما بنود الاتفاق، إذ تثار بشأنها اعتراضات، وبعضها" في محله" وينبغي للمفاوضين أن يأخذوه في الاعتبار.
أما الجانب الثاني فيتصل بحسب كنعاني مقدم بمبدأ التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بهدف إنهاء الحرب في المنطقة وبلوغ سلام دائم يتمتع بضمانات تنفيذية ودولية، ويحول دون تنصل الأميركيين من التزاماتهم.
وأكد أنه إذا لم تتوافر هذه الضمانات فلن ينجح أي اتفاق.
من جهته، قال المحلل الإيراني أحمد زيد آبادي لـ" العربي الجديد"، إن الاتفاق" ترياق منقذ" وليس" كأس سم" يُدافع عنه بخجل، بل خطوة ينبغي الفخر بها لحماية الدولة من تهديدات وجودية.
وأضاف أن هذا التفاهم يمثل انتصاراً للشجاعة والواقعية على الوهم، مؤكداً أن تأخيره كان سيقود المنطقة إلى هاوية تقضي على أمن الأجيال القادمة.
وخلص إلى أن دخول البلاد هذه المرحلة الجديدة يتطلب إحساساً عميقاً بالمسؤولية وتجاوزاً للمصالح الشخصية والفئوية.
كما قال الخبير الإيراني حميد آصفي لـ" العربي الجديد"، إن تنظيم تجمعات متفرقة رفضاً للاتفاق المرتقب مع الولايات المتحدة لا يعكس مجرد إبداء موقف، بل يعبر عن بداية عملية" إعادة توازن داخل السلطة"، حيث يسعى مركز القرار إلى ترتيب المشهد السياسي الداخلي قبل إبرام أي اتفاق محتمل.
وأضاف آصفي أن الشعارات المتشددة ضد فريق التفاوض والتشكيك في المؤسسات الرسمية والمجلس الأعلى للأمن القومي تعبّر عن شعور هذا التيار المتشدد بابتعاد مركز الثقل السياسي عن روايته المفضلة، موضحاً أنه كلما تراجعت القدرة على التأثير الفعلي ارتفع" صوت الضجيج" بوصفه بديلاً عن النفوذ الحقيقي.
ورأى أن الدعوات الصادرة عن أعلى مستويات النظام للحفاظ على الوحدة الوطنية، وانتقادات الإعلام المحافظ لهذه التجمعات، تشير إلى بدء ما يمكن تسميته" العزل السياسي للمتطرفين".
وأضاف أن هؤلاء يواجهون اليوم" مأزقاً سياسياً"، فهم بين خيارين: الاستمرار في المعارضة وخسارة مكانتهم داخل هيكلية القرار، أو القبول بالتسوية والاضطرار إلى تغيير أدبياتهم التاريخية، وهو ما يضعهم، بحسب وصفه، في حالة" إفلاس روائي".
وخلص آصفي إلى أن التعامل مع هذا الرفض يجري عبر" الاحتواء الذكي"، أي تقليص المنصات وإعادة تعريف الخطوط الحمراء، بما يحول المعارضة للاتفاق من قوة مؤثرة إلى صوت هامشي.
وأضاف أن التجمعات الحالية تمثل المحاولات الأخيرة لتيار يسعى إلى التشبث بموقعه، لكن في بنية السلطة الإيرانية تظل القرارات النهائية هي العامل الحاسم الذي يتجاوز دائماً أعلى الأصوات المعارضة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك