تتجه أنظار الأميركيين بشغف إلى ليلة الأحد 14 يونيو (حزيران) في البيت الأبيض الذي يستضيف للمرة الأولى في التاريخ حدثاً رياضياً ضخماً، هو بطولة الفنون القتالية المختلطة (يو أف سي فريدوم 250)، التي أعلنت الإدارة الأميركية أنها احتفال بالذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، التي تتوافق أيضاً مع الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس ترمب الـ80.
لكن هذا الحدث الرياضي الذي يتكلف 60 مليون دولار ويحضره 4300 من العسكريين وأعضاء الكونغرس والحكومة، يحمل رسائل سياسية وثقافية وشعبوية كثيرة للداخل والخارج أيضاً، ليس أقلها الاحتفاء بالروح القتالية الأميركية وإبراز القوة والهيمنة.
فما أهم الرسائل التي يحملها الحدث، وكيف استطاعت هذه الرياضة الاستحواذ على اهتمام أهم منصب سياسي في أميركا والعالم، ولماذا تثير جدلاً سياسياً وثقافياً في الولايات المتحدة؟يصف البيت الأبيض ليلة الأحد 14 يونيو بأنها تاريخية لأنها ستشهد أول فعالية رياضية احترافية تقام في البيت الأبيض الذي يستضيف في الحديقة الجنوبية بطولة الفنون القتالية المختلطة المعروفة اختصاراً باسم" يو أف سي"، وهي المنظمة الاحترافية الأولى في العالم لفنون القتال المختلطة (أم أم أي) حيث يتنافس 14 مقاتلاً من نخبة هذه الرياضة في نزالات متتالية على أرض القصر الرئاسي، مقدمين مزيجاً من الضربات واللكمات والاشتباك ضمن مجموعة متنوعة من فنون الدفاع عن النفس، بما في ذلك الملاكمة والمصارعة والجيو جيتسو (فن قتالي ياباني الأصل)، وفقاً لقواعد موحدة.
بالنسبة للرئيس دونالد ترمب فإنه سيشاهد" أعظم عرض على وجه الأرض" على حد وصفه برفقة نحو 4300 ضيف جرت دعوتهم لهذا الحدث، بينما يُتوقع أن يشاهده ما يصل إلى 85 ألفاً آخرين عبر شاشات عملاقة في ساحات مجاورة، للاستمتاع بنزال في قفص قتالي بالبيت الأبيض.
ومن فرط اهتمامه بهذا الحدث وسط انشغال إدارته بإحدى أخطر الأزمات الدولية في ولايته الثانية، شبّه ترمب الهيكل الذي شُيد وهو عبارة عن حلبة ثمانية الأضلاع بارتفاع 27 متراً ووزنه 600 طن، ببرج إيفل، وأطلق عليه اسم" المخلب" في إشارة إلى المركبات الفضائية ثلاثية الأرجل من فيلم" حرب العوالم" الذي أنتج في عام 2005، كذلك لمح إلى أنه قد لا يهدم أبداً.
يُقدم الحدث الذي أطلق عليه" بطولة يو أف سي 250"، وبكلفة قدرها 60 مليون دولار، على أنه احتفال وطني غير سياسي بمناسبة الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، واحتفاء بالروح القتالية الأميركية، حيث تخطط البطولة لبث فقرات تكرم الأبطال الوطنيين في ذكرى تأسيس الأمة.
غير أن هذا التاريخ لا يتزامن مع ذكرى تأسيس الدولة الذي يحل في الرابع من يوليو (تموز) وستنظم له احتفالية أخرى، ولا مع الذكرى الـ250 لرفع العلم الأميركي الذي يحل في عام 2027، كذلك جرى الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للجيش الأميركي في 2025، لكن تحت غطاء الاحتفال الوطني، يستخدم الحدث كعملية سياسية ومالية تصادف عيد ميلاد الرئيس الـ80، كما يشير معارضو الرئيس الذين يعتزمون في ذلك اليوم، تنظيم تظاهرات" لا للملوك" التي دأبوا عليها منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض.
وعلى رغم خسارة معارضي الرئيس دعوى قضائية استهدفت إلغاء الحفل بسبب مزاعم استغلال الأراضي العامة لتحقيق مكاسب شخصية، فإنهم لم يكفوا عن إثارة الجدل حول الحدث، وأشاروا إلى شبهات تربح نظراً لأن الحدث سيبث على منصة (بارامونت+) التي استحوذ ديفيد أليسون، نجل المؤسس المشارك لشركة" أوراكل"، وهو وثيقة الصلة بدونالد ترمب، على شركتها الأم في أغسطس (آب) 2025، كذلك استحوذ ترمب شخصياً على أسهم في مجموعة" تي كيه أو" القابضة، وهي الشركة الأم" لبطولة يو أف سي" والتي كان يروج لها لأشهر.
وبإقامة حلبة قتال فنون القتال المختلطة في أكثر الأماكن رمزية في الديمقراطية الأميركية، يرسم معارضوه صورة مفادها بأن دونالد ترمب يفعل أكثر من مجرد الاحتفال برياضة، بل يقدم رؤية للسلطة لا يخدم فيها رئيس الدولة الأمة، بل يجسدها، كبطل قوى مهيمن.
ومع ذلك، فإن مشهد المقاتلين المرتقب وهم يتبادلون اللكمات تحت نوافذ المكتب البيضاوي لن يكون مجرد عرض عابر، بل هو تتويج لتحالف دام ربع قرن بين دانا وايت الرئيس التنفيذي لاتحاد الفنون القتالية المختلطة والرئيس ترمب الذي ظل عاشقاً لهذه الرياضة منذ عقود، وهو ما يفسر لماذا تستحوذ هذه الرياضة العنيفة الآن على أهم منصب سياسي في أميركا والعالم، وكيف أصبحت الصداقة التي دامت بينهما على مدى 25 عاماً هي القوة الدافعة وراء هذا الحدث.
عندما اشترى وايت وشركاؤه في العمل اتحاد الفنون القتالية المتعثر مقابل مليوني دولار في عام 2001، كانت هذه الرياضة تواجه ردود فعل سياسية عنيفة، خصوصاً بعد أن وصف السيناتور الجمهوري جون ماكين قبل ذلك بخمسة أعوام فقط، فنون القتال المختلطة بأنها" مصارعة ديوك بشرية"، مما أدى إلى حظرها في 36 ولاية، ولهذا لم يرغب أي من أماكن إقامة الفعاليات في استضافة بطولات هذه الرياضة العنيفة التي لم يؤمنوا بها، ولم تعجبهم، وكانوا قلقين بشأن نوعية الجمهور الذي سيحضر مثل هذا الحدث.
ومع إغلاق الصالات الرياضية الرئيسة أبوابها أمامهم، يُنسب الفضل إلى دونالد ترمب في إنقاذ هذه الرياضة من خلال استضافة فعاليتين لها في كازينو ترمب تاج محل بأتلانتيك سيتي في عام 2001، لدرجة أنه مع الوقت أصبحت لدى ترمب أغنية دخول خاصة به للمغني كيد روك تُعزف كلما دخل حلبة القتال كمشاهد.
ومع تطبيق لوائح وقواعد صارمة واستخدام قفازات السلامة، تخلصت الرياضة في نهاية المطاف من وضعها غير القانوني، وبيعت الشركة التي تديرها مقابل 4 مليارات دولار في عام 2016، وقُدرت قيمتها بنحو 12 مليار دولار في عام 2023.
وفي المقابل، انضم وايت إلى ترمب في حملاته الرئاسية، وفي عام 2024، ربطه وايت أيضاً بشخصيات مؤثرة ومقدمي بودكاست مثل جو روغان، الذين يغطون فنون القتال المختلطة ومواضيع أخرى تهم جمهورهم ومعظمهم من الشباب، مما أسهم في زيادة شعبية ترمب بين الناخبين الشباب وساعده على الفوز في انتخابات 2024.
لكن بعد مرور أكثر من عام على ولاية ترمب الثانية، تراجعت هذه الشعبية، حيث انتقد روغان وغيره من مقدمي البودكاست الرئيس بشدة لبدء الحرب مع إيران، وأعرب روغان عن مخاوفه بشأن هذا الحدث ووصفه بأنه حيلة دعائية.
ومع ذلك، ستعرض" بطولة يو أف سي" قوتها الهائلة في أبهى صورها، في دلالة على تزايد شعبية هذه الرياضة وتأثيرها السياسي، مما يجعل البطولة احتفاء وتكريماً لكل من ترمب ووايت.
يرتبط ترمب ارتباطاً وثيقاً بعديد من الرياضات، بما في ذلك كرة القدم الأميركية والتنس والغولف والفنون القتالية المختلطة، ولهذا يتجسد جزء من صورته الشعبوية المفرطة في إظهار رجولته، والتي تهدف إلى استقطاب قاعدته الجماهيرية.
إذ تتجلى الأسس الأيديولوجية لصورة ترمب الرياضي بوضوح في حرصه على حضور الفعاليات الرياضية الكبرى، سياساته المتعلقة بالرياضة مثل رفضه مشاركة المتحولين جنسياً في الرياضات النسائية.
يتماشى هذا مع عديد من جوانب" بطولة يو أف سي" التي يشعر رئيسها التنفيذي بالارتياح لارتباطه بعالم الرجال، ومن الواضح أيضاً أن الحدث ليس خالياً من السياسة، فقد ادعى شون ستريكلاند، بطل" يو أف سي" الحالي الوحيد للرجال في الولايات المتحدة، أنه مُنع من المشاركة في هذه الفعالية بسبب موقفه من الحرب الإسرائيلية على غزة وملفات إبستين، كذلك انتقد خصوم ترمب السياسيون بطولة" يو أف سي فريدوم 250" لتكاليفها الباهظة، وتأثيرها على البيت الأبيض كموقع ذي أهمية ثقافية، ولأنها ستصرف الانتباه عن ذكرى إعلان الاستقلال.
ومع كثرة النقاشات الدائرة في المجال العام حول الرجولة ورياضات القتال والسياسة، سلط غياب النساء عن" بطولة القتال النهائي" الضوء على العلاقة المتوترة بين هذه الرياضة والرياضيات.
ففي عام 2011، صرح وايت بصورة مثيرة للجدل بأنه لن يوقع عقداً مع أي امرأة في" بطولة القتال النهائي".
ومع ذلك، برزت عديد من الرياضيات كنجمات لامعات في هذه الرياضة، بمن فيهن روندا راوزي وجوانا يدرزيتشيك وأماندا نونيس، الأمر الذي جعل البعض ينظر إلى الحدث على أنه" استعراض سياسي يعكس الصورة العدائية والذكورية المفرطة التي يقدمها ترمب للعالم"، كما تشير إيرين نيكولز الباحثة السياسية في جامعة غريفيث.
على رغم تشييد ملعب لرياضة التنس في البيت الأبيض منذ عام 1902، ووجود صالتين للبولينغ، وإضافة الرئيس باراك أوباما ملعباً لكرة السلة في عام 2009، إلا أنه لم يسبق أن استضاف البيت الأبيض، الواقع في 1600 شارع بنسلفانيا في قلب العاصمة الأميركية، حدثاً رياضياً احترافياً كبيراً، يعد بالغ الأهمية للرئيس ترمب لدرجة أنه، وفقاً لموقع" بوليتيكو"، جرى تعديل جدول قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى، لتجنب أي تعارض مع هذا الحدث الرياضي الاستثنائي الكبير الذي يخضع لرقابة مشددة، حيث من المقرر أن تمتلئ المدرجات بأفراد من القوات المسلحة الأميركية، الذين يُشترط عليهم استيفاء معايير صارمة للوزن والطول واللياقة البدنية ليتناسبوا مع قيمة الحدث ورسالته.
يدرك ترمب جيداً ما يرغب جمهوره من قاعدة" ماغا" لنجعل أميركا عظيمة مجدداً، التي أعادت انتخابه للبيت الأبيض في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فوفقاً لكاتبة سيرته غويندا بلير، يركز منظور الرئيس ترمب على ما تريد" ماغا" مشاهدته في هذا الحدث المناهض للنخبة والمناهض للطبقة العليا، فهو حدث استعراضي صارخ للقوة ونوع من الفخر والتباهي.
ولا يقتصر هذا الحدث على الصور فحسب، بل إنه يعكس أيضاً تحولات أعمق في الثقافة السياسية الأميركية، حيث أظهرت الأبحاث أن" بطولة القتال النهائي" أصبحت وسيلة قوية للتنشئة الاجتماعية للذكور، وتعزيز نموذج للذكورة يرتكز على التسلسل الهرمي الجسدي والمنافسة.
ففي عام 2024، صوت 55 في المئة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة لمصلحة ترمب، في استطلاع أجرته" سيركل" و" أسوشيتدبرس"، بزيادة 14 نقطة عما كان عليه في عام 2020، وكان التحول أكثر وضوحاً بين الشباب ذوي الأصول اللاتينية.
ويتناسب حدث 14 يونيو بصورة مباشرة مع هذا المنطق، من حيث تجميع الناخبين الذكور حول صورة القوة، في وقت تشير استطلاعات الرأي إلى تآكل دعم ترمب الذي وصل إلى أدنى مستوياته خلال الأسابيع الأخيرة في استطلاعات رأي متعددة، لكن الأمر الآن يتجاوز التكتيكات الانتخابية، فعلى عكس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الزعيم الشيشاني رمضان قديروف اللذين يستخدمان الفنون القتالية لتعزيز سلطتهما في إطار من" القومية الرياضية"، والعلامة التجارية للدولة، فإن" ترمب لا يدخل الساحة بنفسه، بل يستوردها إلى البيت الأبيض ليغطي نفسه بالقيم التي تمثلها الذكورة المحاربة والهيمنة الذكورية المفرطة"، كما يشير جيروم فيالا غودفروي المتخصص في الشؤون الأميركية بمعهد العلوم السياسية.
في هذا السياق، من المفيد تتبع تطور صورة الرئيس الأميركي البطل على مدار التاريخ، فمنذ عهد تأسيس الولايات المتحدة، ارتبط الرؤساء في كثير من الأحيان بنوع من البطولة، بدءاً من جورج واشنطن، الذي لم تستمد عظمته من القوة، بل من استعداده للتنازل عن السلطة بعد النصر، أما أبراهام لينكولن، فقد تجسدت بطولته عقب الحرب الأهلية الأميركية من خلال السلطة الأخلاقية لا القوة العسكرية.
وفي القرن الـ20، منذ عهد فرانكلين روزفلت إلى دوايت أيزنهاور، استمد الرئيس البطل شرعيته من فكرة الخدمة العامة للأميركيين وتحمله المعاناة والتضحية وتقديم مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية، حيث كان البطل موجوداً لخدمة هدف أسمى من ذاته.
غير أن هذا النموذج بدأ في التصدع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 حيث تحول الخطاب السياسي الأميركي تدريجاً في وصف البطل نحو مفهوم الصلابة والمرونة والرغبة في الهيمنة، إذ لم يعد ينتظر من البطل أن يخدم شعبه فحسب، بل كان من المتوقع أن ينتصر، وقد أشار الرئيس جورج دبليو بوش إلى هذا التحول أثناء هبوطه مرتدياً بدلة طيران على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، حيث ألقي خطابه الشهير" تم إنجاز المهمة" في ما يتعلق بالتدخل في العراق، في الأول من مايو (أيار) في عام 2003 حتى وإن كان ينظر إلى هذه العملية على أنها" مسرحية" إلى حد كبير.
أما الرئيس ترمب، فإن الملصق الذي أصدره البيت الأبيض للترويج لبطولة" يو أف سي" يشير إلى هذا التحول بعبارات مذهلة، حيث جرى استبدال شخصية العم سام التاريخية النحيلة والمتشددة التي أنشئت في عام 1917 في ملصقات التجنيد العسكري بتمثال ضخم مفتول العضلات، جرى تقديمه في رسم جمالي أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي تحت عنوان" أميركا بحاجة إلى بطل".
تعتمد هذه الصورة كثيراً على مثل القوة البدنية والسلطة الذكورية، إذ يستخدم علماء السياسة وعلماء النوع الاجتماعي مصطلح" الذكورة المهيمنة" لوصف المثل الثقافية لسلطة الذكور المرتبطة بالقوة والهيمنة والقدرة التنافسية.
قبل ذلك بأيام، نشر ترمب صورته الخاصة على أنه العم سام على منصة" تروث سوشيال" الخاصة به، ليكتمل بذلك التحول، إذ لم يعد ترمب البطل يمثل الأمة، بل يجسدها، وفي ثقافة الرياضات القتالية، البطل لا يهزم خصمه فحسب، بل يُخضعه أيضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك