مسودة التفاهم بين رغبة السيطرة على هرمز وإنقاذ ترمب سياسيابينما يبتلع الإعلام الدولي طعم التفاؤل حول مذكرة التفاهم للمفاوضات، يبدو أن لا أحد يريد رؤية حقيقة أننا لسنا أمام انفراجة دبلوماسية، بل أمام عملية خداع متبادل وكسر إرادات بين واشنطن وطهران.
خاصة أن تحذير دونالد ترمب الأخير بأنه لن يعطي إيران أي إعفاءات ولا أموالا ما لم تتنازل نوويا، ليس سوى استهلاك انتخابي للداخل الأمريكي.
لأنه، باختصار، ترمب يعلم تماما أن طهران لن تتنازل، وإيران تعلم أن ترمب يبيع الوهم للناخب الأمريكي.
وما يحدث على السطح من تراشق إعلامي هو محاولة للتحكم في أسواق النفط.
أما من يتابع تراجع مؤشر خام برنت من 97 إلى 87 دولارا، فيدرك تلك الحقيقة كاملة.
إن اعتماد هذا التنسيق قد يشرعن الرسوم الإيرانية قانونيا، بل وقد تتعمد إيران، في المقابل، فرض خدمات أخرى مثل الإرشاد البحري الإلزامي، أو تطهير الممرات المائيةتحايل إيران على القانون الدوليمع الإعلان عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، لا يزال المسار التفاوضي متعثرا ومرهونا بموافقة الرئيس ترمب على شروط إيران المتمثلة في الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وتضمين حقها في التخصيب وبقاء المواد المخصبة لديها، وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، خصوصا أن إيران استغلت بذكاء ثغرة قانونية تاريخية في القانون الدولي لشرعنة سيادتها على المضيق.
فقد وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لكنها لم تصدق عليها حتى الآن، وفقا لما أعلنه مبعوثها الدائم في الأمم المتحدة، إيراوني، نقلا عن وكالة مهر شبه الرسمية وموقع فرارو المقرب من التيار الإصلاحي.
ولذلك فهي ليست ملزمة ببنودها التي تفرض المرور العابر في المضايق الدولية.
لكنها، بالتوازي، تنادي حاليا في المحافل الدولية باتفاقية جنيف لعام 1958، التي تمنحها حق الإشراف على مياهها الإقليمية بناء على مفهوم المرور البريء.
وليس هذا فحسب، بل إنها تتحايل على المادة 26 من اتفاقية 1982، التي تنص على جواز تحصيل رسوم عبور فقط مقابل خدمات محددة مقدمة للسفينة.
زد على ذلك أنه، ومن خلال صياغة وزارة الخارجية الإيرانية لمصطلح" العبور الآمن للسفن" في خطاباتها عند الحديث عن مضيق هرمز، فهي تمهد الطريق للتلاعب القانوني عبر استغلال عدم تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة، وتمسكها باتفاقية جنيف، بهدف توسيع مفهوم ذلك العبور باعتبار أن العبور الآمن أحد الخدمات التي توفرها إيران.
وبالتالي، فإن اعتماد هذا التنسيق قد يشرعن الرسوم الإيرانية قانونيا، بل وقد تتعمد إيران، في المقابل، فرض خدمات أخرى مثل الإرشاد البحري الإلزامي، أو تطهير الممرات المائية، أو تأمين السلامة البيئية ومكافحة التلوث.
وعليه، ستجبر أي سفينة تعبر المضيق على دفع رسوم تحت غطاء أنها تكاليف خدمات وصيانة للممر المائي، وهو ما قد يحوله إلى ما يشبه قناة السويس المصرية ولكن برؤية إيرانية.
ومن أجل هذا، لا تزال إيران حتى هذه اللحظة متمسكة بتحديد آليات عبور المضيق وفق شروطها وترتيباتها الأمنية.
واللافت أنه، وإذا هُدّد أمن إيران البحري، فستكون لها صلاحية تعليق الملاحة وفق اتفاقية جنيف.
وهي الرواية الإعلامية ذاتها التي يروج لها الأستاذ الجامعي حسن أحمديان في مداخلاته باللغة العربية.
عندما يخرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ليؤكد أن الملاحة في المضيق مغلقة فقط أمام أعداء إيران وأن المرور آمن، فإنه بذلك يستخدم مصطلحات سياسية مطاطة لا وجود لها في القانون الدوليالالتفاف الإيراني وإعادة رسم الحدود البحريةنشر الحرس الثوري الإيراني يوم الاثنين 4 مايو/أيار 2026 خريطة جديدة لمضيق هرمز تكشف مناطق سيطرة قواته، والتي تقطع من الجنوب الخط الفاصل بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات، ومن الغرب يمر الخط الفاصل بين الطرف الغربي لجزيرة قشم في إيران وأم القيوين في الإمارات.
وهذه الخطوط بمثابة إعادة ترسيم قسري للحدود البحرية وحصار إيراني للمياه الإقليمية لدولة الإمارات.
ويأتي هذا التحرك الإيراني من أجل تغريم الإمارات بسبب مشاركتها في الحرب، ومحاولتها تصدير نفطها عبر خط أنابيب يمتد إلى ميناء الفجيرة الواقع على بحر عمان، حتى تتجاوز المضيق منذ بدء تعطيله.
إلا أن الخريطة الإيرانية الجديدة، التي تمتد خطوط سيطرتها إلى الفجيرة، تعني تعطيل هذا البديل الإستراتيجي بفرض السيطرة على بحر عمان وتطويق المياه الإقليمية الإماراتية.
وبما أن الخط الذي يقطع جزيرة قشم ويتجه نحو الساحل الإيراني يضيق الخناق على الممر المائي الفعلي، بل ويجعل القنوات الصالحة للملاحة، الواقعة في عمق المياه الإقليمية العمانية والإيرانية، تحت رحمة نقاط المراقبة والتحكم المباشرة للحرس الثوري الإيراني.
إذن، عندما يخرج مسؤولون إيرانيون، مثل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ليؤكدوا أن الملاحة في المضيق مغلقة فقط أمام أعداء إيران وأن المرور آمن، فإنه بذلك يستخدم مصطلحات سياسية مطاطة لا وجود لها في القانون الدولي، لأن كلمة" آمن" تعني ضمنيا أن الأمن بيد إيران.
وبناء عليه، إذا شكت طهران في سلوك أي سفينة أو اعتبرت الدولة التابعة لها معادية لأمنها، فهذا سينفي شرط الأمان، وبالتالي يتحول العبور إلى مرور غير بريء، وبذلك ستعطي لنفسها الحق القانوني – بحسب تفسيرها – بمنع السفينة أو تفتيشها.
وكل هذا من أجل تبرير أن فرض الرسوم في مضيق هرمز ليس قرصنة إيرانية من جهة، ومن جهة أخرى ترغب في تهدئة الأسواق المالية والاتحاد الأوروبي من أجل منع أي تحرك دولي عسكري ضدها.
يحضرنا الموقف الصيني الذي يدعم إيران في مجلس الأمن، بل ويؤيد حقها في تأمين حدودها البحرية، معترضا على أي تشكيل لمشاريع دولية من أجل فتح مضيق هرمز بالقوةالسيناريوهات المستقبلية للمنطقة والعالمفي الحقيقة، إذا تعثر التوافق على مذكرة التفاهم، واستمرت إيران، ومن خلال إستراتيجية النفس الطويل، في تحمل تبعات الحصار البحري الأمريكي مقابل تعطيل حركة الملاحة في هرمز وتحصيل رسوم عبور، فهذا يعني عمليا منح إيران القدرة على التحكم في أسعار الطاقة العالمية بقرار سياسي من المرشد أو الحرس الثوري، لأن النفط والغاز الخليجي المتجه إلى الشرق والغرب يخضع للرقابة الإيرانية حتى هذه اللحظة.
والأهم أن ملامح تحقق هذا السيناريو تمهد الطريق لإنهاء مفهوم حرية الملاحة والمضايق الدولية، وتفتح المجال أمام قوى أخرى لتكرار السيناريو الإيراني.
وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية، لأن أمريكا لديها طموح بعيد المدى في قبول الواقع الإيراني الجديد، خاصة أنها ستوظف التجربة الإيرانية لمحاصرة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من خلال دفع الدول المطلة على مضيق ملقا، أي ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، إلى فرض السيادة على أجزاء من المضيق وإلغاء المرور العابر، وبالتوازي تطبيق نظام المرور البريء المشروط أو فرض رسوم خدمات، مستندة إلى الذرائع القانونية الإيرانية ذاتها.
وهذا، بلا شك، سيمثل اختناقا للاقتصاد الصيني الذي يمر عبره أكثر من 80% من واردات الصين النفطية.
وبذلك ستتمكن الولايات المتحدة، عبر حلفائها، من التحكم في الصادرات والواردات الصينية، وفحص السفن المتجهة إلى بكين، ومنع إمدادات الطاقة عنها في حالة حدوث أي نزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
وهنا يحضرنا الموقف الصيني الذي يدعم إيران في مجلس الأمن، بل ويؤيد حقها في تأمين حدودها البحرية، معترضا على أي تشكيل لمشاريع دولية من أجل فتح مضيق هرمز بالقوة.
وكأنها تتوقع التفاف أمريكا لتضييق الخناق عليها، ولذلك عارضت فكرة مشروع مشاركة أمريكا في السيادة الإيرانية على هرمز.
وقبل زمن طويل، استثمرت الصين في مشاريع طريق الحرير البرية.
وهي المشاريع ذاتها التي تحاول واشنطن تعطيلها عبر رعاية تفاهمات السلام بين أرمينيا وأذربيجان لفرض أمر واقع جديد، يضمن تشغيل ممر زانغزور الإستراتيجي تحت الرعاية الأمريكية، من أجل تطويق الحدود الشمالية لإيران، التي طالما استخدمتها طهران كأحد الممرات الدولية الحيوية للالتفاف على العقوبات وتسهيل خطوط الإمداد المتجهة شرقا نحو الصين أو شمالا نحو روسيا.
السيناريو المرجح للمرحلة المقبلة هو اعتماد إستراتيجية التمطيط وإطالة أمد التفاوض بشكل علني، بما يضمن لترمب التهدئة المؤقتة والعبور الآمن نحو محطة نوفمبر/تشرين الثاني دون تقديم تنازلات كبرى لإيرانوفي المحصلة، يتضح أن حسم مصير مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن مرهون بموافقة ترمب على الانتفاع من النموذج الإيراني المستقبلي، الذي سيخدم طموحاته الإستراتيجية بعيدة المدى لمحاصرة الصين بحريا، لكنه، على المدى القريب، سوف يعطل مساعيه وحساباته السياسية مع اقتراب مرحلة انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وعليه، فإن أي اشتعال غير منضبط لأسعار الطاقة أو تصاعد للأزمة مع إيران نحو تجديد الحرب، دون وجود تفاهمات، سيمثل ضربة قاصمة لأسهم الحزب الجمهوري أمام الناخب الأمريكي المتأثر بالأوضاع الاقتصادية، والناقم على توريطه في حرب من أجل إسرائيل.
وبناء على هذه المعطيات، فإن السيناريو المرجح للمرحلة المقبلة هو اعتماد إستراتيجية التمطيط وإطالة أمد التفاوض بشكل علني، بما يضمن لترمب التهدئة المؤقتة والعبور الآمن نحو محطة نوفمبر/تشرين الثاني دون تقديم تنازلات كبرى لإيران.
في حين يمنح ذلك الأخيرة مساحة لمواصلة المساومة.
وهذا البطء الدبلوماسي الظاهر على السطح سيسير بالتوازي مع وجود تفاهمات وقنوات خلفية سرية من أجل تمرير صفقات جزئية تضمن ضبط إيقاع الصراع وعدم خروجه عن السيطرة، إلى حين اتضاح الموقف النهائي بشأن حسم الملف النووي والسيادة الإيرانية على مضيق هرمز من عدمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك