وانطلق أكبر حدث كروي في العالم، على أرض أكبر دولة في العالم، لكن أصارحكم من البداية أنني كصحفي مهتم، وكمشجع لكرة القدم لا أشعر بالتفاؤل أننا إزاء نسخة متميزة من البطولة.
في الحقيقة، منذ أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في يونيو/حزيران 2018 عن إسناد تنظيم مونديال 2026 للولايات المتحدة ومعها كندا والمكسيك، ومحبو الساحرة المستديرة يشعرون بشغف بالغ إزاء ما سيكون عليه الحدث الكبير عندما تنظمه أكبر دولة في العالم.
ورغم أن النسخة الأضخم من كأس العالم تقام في ثلاث دول، إلا أن الولايات المتحدة لها نصيب الأسد، حيث ستستضيف 78 مباراة، مقابل 13 مباراة فقط للمكسيك جارتها الجنوبية ومثلها لكندا جارتها الشمالية.
هل أصارحكم القول؟ أعتقد أن صعوبة مهمة أمريكا وغير أمريكا، بدأت تتضح منذ المونديال السابق الذي استضافته قطر بنجاح باهر رغم أنها تعد من أصغر دول العالم مساحة وسكانا.
قطر" الصغيرة" فتحت أبوابها للجميع، وأكرمت ضيوفها ووفرت لهم كل سبل الراحة، لتقدم تنظيما مدهشا جمع بين الأمن وسهولة التنقل وقلة التكلفة.
الآن والمونديال في ضيافة القوة العظمى، نرى من أسباب القلق أكثر مما نرى من بواعث الثقة، وسواء اتفقت معي -عزيزي القارئ- أو اختلفت فدعنا نناقش الأمر.
من المقرر أن تلعب إيران ضد نيوزيلندا في لوس أنجلوس يوم 15 يونيو/حزيران الجاري ثم تواجه بلجيكا في نفس المدينة بعد 6 أيام، ومصر في سياتل يوم 26 يونيو/حزيرانفي 29 فبراير/شباط الماضي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران ما زالت متواصلة حتى الآن باستثناء هدنات مؤقتة وأحاديث لا تتوقف عن قرب التوصل لاتفاق ينهي الحرب.
في ظل الحرب أربكت واشنطن عالم كرة القدم بتأجيل حسم موافقتها على منح تأشيرات للاعبين الإيرانيين ولم تفعل ذلك إلا قبل عشرة أيام فقط من بدء البطولة، علما بأنها منعت عددا من المرافقين بينهما مسؤولين إداريين وفنيين.
لكن الأكثر إثارة كان تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه لن يعيق مشاركة إيران في المونديال لكنه يرفض إقامتهم في الولايات المتحدة.
الحل العجيب الذي قدمته السلطات الأمريكية هو أن يقيم المنتخب الإيراني في المكسيك، ثم يسمح له بالقدوم إلى الولايات المتحدة عشية كل مباراة من المباريات الثلاث، وعقب المباراة يعود إلى المكسيك.
ومن المقرر أن تلعب إيران ضد نيوزيلندا في لوس أنجلوس يوم 15 يونيو/حزيران الجاري ثم تواجه بلجيكا في نفس المدينة بعد 6 أيام، ومصر في سياتل يوم 26 يونيو/حزيران.
قبل أن تستغرب من الأمر، أرجوك أن تنتظر فهناك المزيد مما سيدهشك وربما يغضبك -عزيزي القارئ-.
عرتن (34 عاما) اختير كأفضل حكم في قارة أفريقيا لعام 2025، واستحق مكانه ضمن اختيارات الفيفا لحكام المونديال ليصبح أول حكم صومالي ينال هذا الشرف.
وصل الرجل بالفعل إلى مطار ميامي الدولي، لكن المفاجأة أن السلطات الأمريكية منعته من الدخول وبررت ذلك بمخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية، على حد قولها.
ورغم وصفه القرار الأمريكي بالمؤسف إلا أن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو تنصل من الدفاع عن الحكم قائلا إن الفيفا منظمة رياضية وليست جهة سياسية تملك صلاحية تجاوز قرارات الدول.
انفانتينو استطرد في هذا الشأن قائلا إن مسؤولي الفيفا ليسوا ملوك العالم ليصدروا قرارات تفوق سلطة الحكومة أو أجهزة الأمن والهجرة.
أما رئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتر (90 عاما) فربما لم تعد تقيده الحسابات والتوازنات فكان له رأي آخر حيث وصف ما حدث بالأمر المشين والمثير للسخرية، قائلا إن واقعة منع الحكم ليست مجرد خطأ إداري أو إجراء أمني بل هي خطيئة كبرى تمس استقلال كرة القدم.
إن وسائل إعلام غربية قالت إن القيود تطال في الحقيقة ربع الدول المشاركة حيث تعاني إما حظرا على السفر أو قيودا مشددة أو معدلات مرتفعة لرفض التأشيراتلم يقتصر الأمر على الحكم الصومالي وإيران، فقد احتُجز مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين لساعات داخل مطار شيكاغو أوهير الدولي قبل السماح له بالدخول، في واقعة أثارت تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي حادثة أخرى، أظهرت مقاطع مصورة لاعبي منتخب السنغال وهم يخضعون لتفتيش جسدي في منطقة قريبة من مدرج أحد المطارات، في مشهد أثار تساؤلات حول طبيعة الإجراءات الأمنية المطبقة على بعض الوفود.
كما خضع لاعبو منتخب أوزبكستان، بمن فيهم المدرب الإيطالي فابيو كانافارو، لإجراءات تفتيش نفذها ضباط فيدراليون مدعومون بكلاب بوليسية خارج حافلة الفريق، وذلك قبل مباراة ودية أمام منتخب هولندا في نيويورك.
التذاكر.
" ممنوع دخول الفقراء"نأتي إلى الجماهير وهم روح المباريات لنتفاجأ بالصدمة الأكبر، حيث تزيد أسعار تذاكر المباريات بنحو ستة أضعاف مقارنة بمتوسط آخر خمس بطولات لكأس العالم.
يكفي لتوضيح ذلك أن نشير إلى أن سعر التذاكر في مرحلة المجموعات بمونديال قطر عام 2022 كان يتراوح بين 11 و220 دولارا، في حين أنها تتراوح بين 100 و575 دولار في مونديال 2026.
ما فاقم الأزمة هو ما يسمى بالتسعير الديناميكي، حيث ترتفع أسعار التذاكر كلما قلت الكمية المتبقية منها، إضافة إلى سوق إعادة البيع التي يديرها الفيفا ويحصل على نسبة 15% من كل من البائع والمشتري.
إذا أضفنا إلى ارتفاع أسعار التذاكر، تكلفة السفر إلى الولايات المتحدة بما في ذلك من إقامة وتنقلات سنجد أن البطولة مرشحة لتكون الأغلى والأصعب على عاشق كرة القدم الراغب في متابعة المباريات من المدرجات.
ولا يتعلق الأمر فقط بأسعار التذاكر، فلك أن تتخيل -عزيزي القارئ- أن هناك دولا مشاركة يواجه مشجعوها حظرا كاملا أو جزئيا على السفر إلى الولايات المتحدة وهي إيران وهايتي والسنغال وساحل العاج.
بل إن وسائل إعلام غربية قالت إن القيود تطال في الحقيقة ربع الدول المشاركة حيث تعاني إما حظرا على السفر أو قيودا مشددة أو معدلات مرتفعة لرفض التأشيرات.
حلول السائح المحلي مكان الأجنبي يعني خصما من الأرباح التي توقعتها أو أمّلتها المدن الأمريكية من استضافة هذا الحدث الرياضي الكبيرلكن المفاجأة الحقيقية، ربما تكمن في أن الأخبار السيئة لا تقتصر على المشجعين فقط، فالولايات الأمريكية ذاتها اكتشفت متأخرا على ما يبدو أنها لن تربح الكثير من استضافة هذا الحدث الكبير، وربما لن تربح أصلا.
فمع اقتراب البطولة بدأت آمال الانتعاش الاقتصادي في التلاشي، ولم تستقبل الفنادق ما كانت تتوقعه من حشود المشجعين، كما تراجعت أيضا حجوزات التذاكر، لأن محبي كرة القدم في مختلف أنحاء العالم اكتشفوا أن فكرة السفر إلى أمريكا الشمالية أكبر من ميزانياتهم ناهيك عن الصعوبات التي تعتري عمليات الحصول على تأشيرات الدخول.
قبل ساعات من انطلاق البطولة برزت العديد من البيانات الصادمة:رابطة فنادق نيويورك خفضت توقعاتها لإيرادات الفنادق المرتبطة بكأس العالم بنسبة 60%حركة السفر الجوي من أوروبا إلى معظم المدن المضيفة للمونديال هبطت بنسبة 3.
8%الحجوزات من أوروبا إلى نيويورك التي ستستضيف نهائي البطولة في 19 يوليو/تموز انخفضت بنسبة 15.
8%جمعية الفنادق الأمريكية أعلنت أن 80% من فنادق المدن المضيفة سجلت حجوزات أقل من المتوقعما دام الأمر كذلك بالنسبة للسائح الأجنبي الذي تحول بينه وبين المونديال صعوبات وأعباء كثيرة، فماذا عن المشجع المحلي؟الإجابة ببساطة أنه في بلد مثل الولايات المتحدة التي تقل فيها شعبية كرة القدم، لا يكفي السفر الداخلي للأمريكيين لسد هذه الفجوة الضخمة.
كما أن حلول السائح المحلي مكان الأجنبي يعني خصما من الأرباح التي توقعتها أو أمّلتها المدن الأمريكية من استضافة هذا الحدث الرياضي الكبير.
تشير تقارير الأرصاد الجوية إلى أن صيف أمريكا الشمالية هذا العام يسجل موجات حرارة غير مسبوقة، وفي نفس الوقت توقعات بعواصف رعدية وأعاصير صيفية عنيفة في بعض الولايات الأمريكية والمكسيكيةإلى جانب كل ما سبق تأتي الجغرافيا ومن ضمنها الطقس لتمثل كابوسا بالنسبة للمشاركين سواء كانوا لاعبين أو متفرجين.
فمن حيث الجغرافيا تتباعد ملاعب كأس العالم، مقارنة بالمونديال السابق في قطر حيث كانت أبعد مسافة بين ملعبين في حدود نصف ساعة أو أكثر قليلا.
أما في هذا المونديال فالمسافة تقدر بآلاف الكيلومترات لدرجة أن الـ16 مدينة المضيفة تقع في 4 مناطق زمنية مختلفة، وهو ما يعني رحلات طيران طويلة ترهق اللاعبين والمشجعين.
ومن حيث الطقس، فالأمر أكثر صعوبة وربما خطورة، حيث تشير تقارير الأرصاد الجوية إلى أن صيف أمريكا الشمالية هذا العام يسجل موجات حرارة غير مسبوقة، وفي نفس الوقت توقعات بعواصف رعدية وأعاصير صيفية عنيفة في بعض الولايات الأمريكية والمكسيكية.
ونظراً لأن العديد من الملاعب المستضيفة هي ملاعب مفتوحة فإن خطر تأجيل المباريات، أو قطع جداول البث التلفزيوني العالمي، أو تعرض اللاعبين للإجهاد الحراري، يظل سيناريو قائماً وبقوة، ما يضيف عناصر قلق ربما كانت آخر ما يحتاجه اللاعبون والمشجعون بعد كل هذه الصعوبات.
الأمر هنا لا يتعلق بتوقعات، بل تأكد فعلا في الأيام الماضية حيث توقفت أو تأجلت عدة مباريات ودية بسبب أحوال الطقس، ليتساءل من يضايقهم توقف المباراة لدقيقة من أجل التأكد من صحة قرار الحكم، ماذا سيفعلون عندما تتوقف مباراة لنحو ساعة أو أكثر؟ويبقى أن من اعتقدوا أن المونديال الأضخم في الدولة الأكبر سيكون مثالا يتفوق على السابقين ويتحدى اللاحقين، قد يكتشفون سريعا أن الأمر على غير ما توقعوا، أما أنا كصحفي وقبل ذلك كمحب ومتابع لكرة القدم، فأرجو أن أكون قد أخطأت التوقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك