عبر الخط الأصفر تهرب مليشيات جواسيس جيش الاحتلال سموماً مخدرة بواسطة الدرون والنقاط الميتة من أجل إغراق الغزيين بها ونشر الفوضى الأمنية في القطاع، وكلما حاول ضباط المكافحة مواجهتهم قصفتهم الطائرات الإسرائيلية.
- عبر شاشات أجهزة هواتف الغزيين، ظهر رجل ملثم جالسا على كرسي فخم، وراء مكتب عليه مصحف فوق مفكرة تحمل كلمة university وإلى جانبه سلاح آلي روسي من نوع" كلاشنكوف" ومخزن إضافي، ضمن تفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى عابثة خاصة لدى حديثه بنبرة باردة وخالية من الانفعال، عن تهديدات بالملاحقة والتصفية لعناصر وضباط شرطة مكافحة المخدرات، متوعدا بعضهم بالقتل وعلى رأسهم الضابطان إيهاب الشيخ يوسف وأحمد العرعير.
ينتمي الملثم إلى مليشيا الجاسوس أشرف المنسي المتمركزة في شمال قطاع غزة، ولم يكن تهديده المنشور في نهاية مايو/ أيار الماضي حديثا عابرا، وإنما حلقة في مسلسل الاستهداف الإسرائيلي للجهاز الأمني في القطاع من أجل ثني عناصره عن القيام بدورهم، إذ جرى وضع قائمة مستهدفة بالتصفية شملت اغتيال سبعة من الضباط، يتقدمهم العقيد نسيم القلزاني، مدير شرطة مكافحة المخدرات في محافظة خانيونس، جنوب القطاع، بعدما نجح في إحباط إدخال سموم المليشيات.
وما بين صلف التهديدات العلنية ووقائع الاغتيالات، تتصاعد محاولات إغراق غزة بالمواد المخدرة عبر مليشيات متعاونة مع الاحتلال الذي لا يكتفي بالحرب العسكرية والحصار والتجويع، بل يوظّف كذلك أدوات" الحرب الهجينة"، ومن أخطرها نشر المخدرات داخل خيم المهجرين، لضمان تفكيك البنية المجتمعية وتدمير فئة الشباب وضرب محاولات الصمود الوطني، كما يرى المحامي صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد).
بالرغم من ذلك، ومنذ مطلع العام الجاري، أحبطت الأجهزة الأمنية وقوة رادع (أطلقتها المقاومة لمواجهة الانفلات الأمني)، 11 محاولة لتهريب المخدرات إلى خيم النازحين عبر مليشيات عميلة، ومن أخطر المحاولات سبع وقائع سُجلت خلال أشهر فبراير/ شباط ومارس/ آذار وإبريل/ نيسان، وفق ما أكده مصدران أمنيان في القطاع، لفتا إلى أن مناطق تمركز المليشيات الخمس المحمية من جيش الاحتلال تشهد انتشاراً واسعاً لمختلف أنواع المخدرات، وأن عناصر تلك المجموعات يتعاطونها ويشاركون في نقلها إلى داخل القطاع، سواء بشكل فردي لتحقيق مكاسب مالية، أو ضمن عمليات منظمة تُنفذ بتوجيهات مباشرة من الاحتلال.
الفوضى الأمنية من أجل التهجيرمنذ بدء حرب الإبادة" تعد المخدرات سلاحا خطيرا بيد إسرائيل"، وعملت مخابراتها وأذرعها في غزة على إدخالها للقطاع بشتى الطرق، من بينها التهريب في شاحنات المساعدات، حتى أنه جرى تحويل ما يسمى بمنطقة تواجد مؤسسة المساعدات الأميركية (GHF) إلى نقطة توزيع في القطاع، بحسب الحقوقي الغزي عبد العاطي، مؤكدا أن هيئة حشد وثقت محاولات لنقل المخدرات إلى القطاع بطرق مختلفة، منها المساعدات، والمُسيرات القادمة من مناطق جيش الاحتلال، والهدف بالتاكيد تفكيك بنية المجتمع، وضرب السلم الأهلي، ونشر الجريمة، وهي سلوكيات تؤدي حتماً لنشر فوضى عارمة تقود لتحقيق هدف إسرائيل الأكبر وهو التهجير.
واستنادا إلى نتائج تحقيقات الأجهزة الأمنية التي نقلتها لـ" العربي الجديد" مصادر مطلعة طلبت عدم نشر أسماء أفرادها حفاظا على حياتهم حتى لا يستهدفهم الاحتلال، فإن اعتماد المليشيات على تهريب السموم المخدرة عبر الطائرات المسيرة (الدرون)، تزايد منذ بداية العام الحالي، حيث يتسلمها المتعاونون، وهو ما أثبتته التحقيقات مع مروجين جرى اعتقالهم أثناء البيع، وأكدوا أن جزءا من المخدرات يوزع مجاناً على شبان بهدف إغرائهم وجرهم للتعاون مع المليشيات.
وتضيف المصادر الأمنية أن مكافحة عمل العصابات تنطلق من محاولة وأد عملية ضرب الجبهة الداخلية، عبر نشر الفوضى والانحراف والجريمة بما يخدم أهداف جيش الاحتلال الأمنية والاجتماعية في استنزاف المجتمع الفلسطيني والإيقاع بعناصره في شراك العمالة.
وينتشر في القطاع عقار" الكبتاغون" المعروف محلياً باسم" روتانا"، وعقار" ترامادول" المخدر، إضافة لأنواع أخرى منها مخدر الحشيش، ونبات" البانجو"، وعقار لاريكا-بريجابالين، ويُصنف دواء مضاداً للاختلاج ومسكناً لآلام الأعصاب، بينما ثمة أنواع مجهولة وصلت إلى القطاع أخيراً لا يمكن معرفتها بسبب تدمير المختبرات وتوقف أجهزة الفحص خلال الحرب، وفق ما أكده الدكتور صبحي فرحات، المرشد العامل بالإدارة العامة للصحة النفسية في غزة، موضحا أن" الكبتاغون" هو أخطر الأنواع المعروفة، ويصنف على أنه عقار هلوسة مسبب للإدمان، وتعاطيه لمدة طويلة يؤدي إلى أمراض ذهانية.
ووفق ثلاثة مصادر متطابقة، فإنه اعتباراً من شهر مايو الماضي، انخفضت أسعار المخدرات في قطاع غزة، خاصة الحشيش و" روتانا"، بأكثر من 300%، فبعد أن كان ثمن" فرش" الحشيش (مصطلح يُطلق في لغة تجارة المخدرات على" قالب" أو وحدة تداول الحشيش المضغوط)، 15 ألف شيكل (4300 دولار أميركي)، وصل مؤخراً إلى 5 آلاف شيكل (1400 دولار) بينما انخفض ثمن حبة" روتانا" من 250 شيكل (69 دولاراً) إلى 150 (41 دولاراً).
معضلة التهريب عبر الخط الأصفرفي السادس من مايو/أيار الماضي، نصبت قوة رادع كميناً محكماً لمجموعة من عناصر مليشيا حسام الأسطل أثناء محاولتهم التسلل إلى مدينة خانيونس، بهدف نقل مواد مخدرة إلى المناطق المأهولة، وبعد استهداف مركبة كان يستقلها العملاء بعبوة ناسفة وإطلاق النار باتجاهها، فر من نجا من المليشيات باتجاه قيزان النجار، جنوب مدينة خانيونس، وهي منطقة تقع داخل" الخط الأصفر" الخاضع للاحتلال والسيطرة الإسرائيلية الكاملة، لتصل لاحقاً طائرات مُسيرة إسرائيلية وتقصف المركبة المعطوبة وتدمرها لإخفاء معالم الجريمة، وفق المصدرين الأمنيين.
قبلها، حاولت المليشيات المتمركزة شرق رفح إدخال مخدرات إلى مناطق النازحين، في 27 إبريل/نيسان الماضي، وتصدى لها عناصر من المقاومة، فدمروا مركبة كانوا يستقلونها وأصابوا وقتلوا عددا منهم، قبل أن يتدخل الطيران الإسرائيلي ويستهدف المقاومين، ما أسفر حينها على استشهاد المقاوم عبدربه أبو مسامح.
تقديرات بارتفاع نسب الإدمان بين 10% و15% عما كانت عليه قبل حرب غزةوفي ظل حالة النزوح والتكدس، فإن نشاط تهريب وترويج المخدرات يسهل على خلفية الفوضى الضاربة في القطاع، لذلك تعمل العصابات علنا، خاصة مع دعم وحماية جيش الاحتلال، وفق ما يقول الدكتور طلال أبو ركبة، المحلل السياسي في" شبكة السياسات الفلسطينية" (مؤسسة فكرية مستقلة)، وتتقاطع إفادته مع المصدر الأمني المسؤول، الذي يقول منطلقا من اعترافات أدلى بها تجار ومروجو مخدرات تم إلقاء القبض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية في غزة، :" تعمل شبكة عملاء للاحتلال من الموجودين داخل" الخط الأصفر"، مع أشخاص موجودين في قلب الخيم والمناطق السكنية، ضمن منظومة يقوم عليها قادة المليشيات مباشرة، وفق ما تبين بعد القبض على ستة من القائمين على تنسيق عملية التهريب والترويج خلال الأشهر الثلاثة الماضية".
ويشير المصدر إلى أنه تم التحفظ على هؤلاء في أماكن احتجاز سرية، بعدما استهدف الاحتلال مقرين للشرطة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة في إبريل الماضي، وكان بهما عملاء وتجار مخدرات من المتعاونين معه.
المشكلة أنه وبسبب طول الخط الأصفر الذي يقسم القطاع إلى قسمين، واستمرار إطلاق النار على امتداده، تصعب السيطرة على الشريط الفاصل يبن مناطق وجود الغزيين والعملاء، ما يوفر لهم نقاطاً عدة للحصول على المخدرات، وكل عمليات التسليم تتم بتنسيق من الاحتلال وتغطية من مُسيراته، بحسب المصادر الأمنية.
عوائق الاحتلال لعلاج الإدمانرصدت وزارة الصحة بغزة زيادة كبيرة في عدد المدمنين الباحثين عن علاج في العيادات النفسية التي جرى افتتاحها في محافظات القطاع، بعد دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2025، وفق ما أكده الدكتور فرحات.
وهذه الزيادة تعد مؤشرا حقيقيا إلى أن الاحتلال نجح بإغراق القطاع بالمخدرات، والأخطر من ذلك ظهور فئة جديدة من المتعاطين والمدمنين، وهم شبان تراوح أعمارهم ما بين 19 و22 عاما، علما أن شيوع الإدمان في صفوف هذه الفئة كان قليلا جداً قبل الحرب، معيداً ذلك لسببين، الأول إغلاق المدارس والجامعات وحياة الفراغ التي يعيشونها، والثاني اللجوء للمسكنات القوية للمصابين جراء الحرب، وقد تطورت حالات البعض منهم ليتجهوا لإدمان المخدرات.
والحقيقة المرة أن هناك ما بين 5% و7% من فئة الشباب تطورت حالتهم النفسية خلال الحرب فأصبحوا مصابين بمرض الذهان العقلي" الجنون"، نظراً إلى استخدام عقاقير هلوسة، تؤدي بعد مدة من التعاطي إلى تدمير خلايا الإدراك في العقل البشري، بحسب توضيحه.
يستهدف الاحتلال ومليشياته ضباط شرطة مكافحة المخدراتلفهم التطورات السابقة، ينبغي العودة إلى دراسة بعنوان: حجم انتشار تعاطي المخدرات غير المشروعة في فلسطين، أُجريت بالتعاون بين وزارة الصحة الفلسطينية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، وأظهرت أن عدد متعاطي المخدرات مرتفعي الخطورة (أي الذين يؤدي تعاطيهم إلى أضرار صحية أو نفسية أو اجتماعية فعلية أو يضعهم في خطر مرتفع للإصابة بهذه الأضرار) في قطاع غزة بلغ 10.
047 شخصا، ما يعادل 1.
8% من الذكور بعمر 15 سنة فأكثر، وذلك من بين 26.
500 شخص في فلسطين ككل.
وكان الترامادول والبريجابالين (ليريكا) أكثر المواد استخداما.
وبحسب الدراسة، فإن 53% من المدمنين كانوا يتعاطون أكثر من مادة مخدرة في الوقت نفسه، وقد جُمعت البيانات الميدانية للدراسة عام 2017، بينما نُشرت بعد تحليلها بشكل أكاديمي محكّم في مجلة BMC Psychiatry في سبتمبر/أيلول 2023.
وفي الوقت الراهن، تتوقع مصادر التحقيق أن نسب الإدمان زادت عن الدراسة السابقة ما بين 10-15% عما كانت عليه قبل الحرب، خاصة مع وجود عوائق كبيرة في علاج المدمنين، كما يقول فرحات، وهذا يعود لأمرين، الأول طول فترة التعاطي وعدم اكتشاف الأهالي الأمر إلا بعد مرور أمد طويل على سقوط الأبناء في براثن الإدمان، حينها يكون الأمر أكثر تعقيدا، وثانيا عدم وجود أدوية لعلاج الإدمان بسبب الحصار، منها مهدئات يفترض أن تساعد المريض على تخطي الأعراض الانسحابية التي تنشأ عن توقفه عن العقار المخدر، مثل: دواء" Syrkoun 100، وTgratol 200، وDebakin 200، وكذلك دواء Eltrol 25.
توصلت التحقيقات التي أجرتها الجهات المختصة إلى أن الجاسوس أحمد الهنداوي المتورط في أنشطة إجرامية وأمنية خطيرة، منها النهب والاتجار بالسلاح، وينتمي إلى مليشيا شوقي أبو نصيرة التي تحركها مباشرة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، هو المسؤول الأول عن إدخال المخدرات، عبر توزيعها على باقي المليشيات تمهيداً لنقلها إلى غزة، وفق ضابط في جهاز الأمن الداخلي بقطاع غزة لم يكشف" العربي الجديد" عن هويته حفاظاً على حياته، مبيناً أن جيش الاحتلال يمول المليشيات عبر منحها المخدرات مجانا باعتبارها مخصصات تمول أفرادها وأنشطتها من خلالها.
على الرغم من كل ما سبق، وجهت قوة رادع في الثاني والعشرين من مايو الماضي إنذاراً نهائياً وأخيراً إلى المنتسبين لمليشيات عميلة شرقي القطاع بتسليم أنفسهم للأجهزة الأمنية وفصائل المقاومة، واللافت أنه عقب 12 ساعة فقط من صدور الإنذار، تلقت منصة رادع الإلكترونية 10 طلبات من عناصر مغرر بهم، يطلبون تسوية ملفاتهم الأمنية، والعودة إلى عائلاتهم، وهو ما تقابله المقاومة بالاستجابة حفاظا على وحدة الصف الداخلي وإنقاذا للمتورطين من براثن الإدمان والعمالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك