منذ بيع الحكومة المصرية أرض مدينة رأس الحكمة بمبلغ 35 مليار دولار عام 2024 لإنقاذها من الإفلاس المالي، بنت الحكومة سياستها المالية على فرضية بسيطة، وهي" بيع الأراضي بالدولار هو الحل السريع لسد فجوة التمويل"، والحصول على السيولة التي تمكنها من الاستمرار في الإنفاق بسخاء على مشروعات بنية أساسية تستنزف موارد الخزانة العامة التي تحتاج إلى قروض بقيمة 50 مليار دولار سنوياً لسد العجز بين الواردات والصادرات.
هذه الفرضية تلقت ضربة قاصمة مطلع الأسبوع الجاري، بعد الكشف عن بيع فندق" أوبروي سهل حشيش"، المملوك لشركتين تابعتين لبنك تنمية الصادرات الحكومي، لواحد من أفخم منتجعات البحر الأحمر، المصنف ضمن فئة" سبع نجوم" والمبني منذ ربع قرن على مساحة 800 ألف متر، مقابل 72 مليون دولار فقط لمجموعة" ألباتروس" المملوكة لكامل أبو علي رئيس جمعية مستثمري البحر الأحمر.
صفقة واحدة، وبسعر واحد، كانت كفيلة بإسقاط سردية كاملة تبنتها الحكومة، وتروج لها، وتبني عليها حالياً خطط بيع أراضي رأس شقير ورأس بناس جنوب البحر الأحمر للمستثمرين الأجانب والمصريين بأسعار فلكية وصلت إلى 250 دولاراً للمتر، رغم أنها أراضٍ خام بلا بنية أساسية، ولا طرق ممهدة.
مرت الصفقة عبر استحواذ على الأسهم ببورصة الأوراق المالية دون ذكر أي تفاصيل حولها من قبل المالك أو المشتري حتى الآن، حيث آل الفندق القائم على الطراز المملوكي الثري للمالك الجديد بـ" تراب الفلوس" بينما تسعر الحكومة الرمال من حوله ومناطق جبلية وعرة بسعر الذهب!
هذه المقابلة دفعتنا إلى عمل تحليلات واستطلاعات رأي لعشرات المستثمرين بالمنطقة، حتى توصلنا إلى أن الصفقة الغامضة ما هي إلا مرآة لفشل استراتيجي للحكومة في فهم السوق، فعندما يبيع بنك تنمية الصادرات المملوك للدولة نصيبه من مشروع ضخم كهذا بسعر يقل عن ربع قيمة أرضه المقدرة من قبل مؤسسات الدولة، ليصل المتر بما عليه من منشآت وبنية تحتية وعلامة تجارية عالمية وشواطئ خاصة غير متكررة إلى نحو 90 دولاراً، بينما تبيع هيئة التنمية السياحية متر الأرض الخام بسعر يبدأ بـ210 دولارات إلى 300 دولار في مناطق أشد وعورة، بلا خدمات ولا مرافق، فهذا لا يكشف خللاً فحسب، بل يفضح هوة عميقة في فهم طبيعة الاستثمارات السياحية.
لقد أظهرت صفقة أوبروي أنها لم تكن مجرد بيع، بل كشف حساب قاسياً لفندق فاخر قائم وناجح مقابل 72 مليون دولار بينما تباع أرض فارغة على مسافة مئات الكيلومترات جنوباً بمبلغ 200 مليون دولار، الأمر الذي يفسر أسباب إعادة أكثر من 50 مستثمراً الأرض التي خصصتها لهم هيئة التنمية السياحية بنهاية العام الماضي.
تبدو أسعار الأراضي غير واقعية والبيئة الاستثمارية غير جاهزة لبدء أعمالهم بسهولة، وفي ظل تراجع الإقبال على المشروعات الفندقية الفاخرة بالمنطقة، انكمش العائد مع تغير نموذج الأعمال السياحية.
هذه العوامل مجتمعة أسقطت نظرية الحكومة بأن الأرض ثروة عندما ترفع سعرها سيأتي المستثمرون، لأن هذه السياسة واقعياً أدت إلى انهيار الطلب على الأراضي الحكومية في جنوب الغردقة ورأس بناس ورأس شقير مدفوعة بأسباب حقيقية، حيث رفض المستثمرون المعادلة التي تفرضها الجهات الرسمية بقوة العرض، متجاهلة جانب الطلب من المستثمر، الذي لم يعد قادراً على الدفع وتوجيه استثمارات بملايين الدولارات مقابل" أرض جرداء"، ثم يتحمل تكلفة المرافق، ويقترض للبناء بفوائد مرتفعة، وعندما يبدأ التشغيل ينتظر ما بين 7- 10 سنوات لاسترداد أصل رأس رأسماله، إذا لم تحدث أزمات أمنية أو إدارية تعطل أعمالهم، بينما يستطيع مستثمر آخر شراء فندق جاهز ذي سمعة عالمية يحقق عائداً فورياً بأقل من 30% مما تطلبه الدولة لأرض غير مطورة.
أظهرت صفقة أوبروي أنها لم تكن مجرد بيع، بل كشف حساب قاسي، لفندق فاخر قائم وناجح بمقابل 72 مليون دولار بينما تباع أرض فارغة على مسافة مئات الكيلو مترات جنوبا، بمبلغ 200 مليون دولاررغم غموض صفقة بيع فندق أوبري، فإن تخلص الجهة المالكة من مشروعها الذي شهدنا افتتاحاً أسطورياً له بحضور وزير السياحة الراحل ممدوح البلتاجي، يعكس نهاية عصر المنتجعات المنعزلة، التي كان يفضلها الأثرياء الباحثين عن سياحة الفخامة والهدوء، التي تراجعت بمصر وعالمياً مع بداية عصر المدن السياحية المتكاملة، التي يقبل عليها أصحاب الدخول المتوسطة بحثاً عن المغامرة برحلات الغوص والصيد البحري والبري والاستمتاع بالشواطئ المجهزة بكل وسائل الترفية والخدمات.
تظهر الصفقة أن الحكومة تعرض على المستثمرين قطعة أرض في منطقة معزولة من دون كهرباء ومن دون شبكة صرف ولا طرق ولا أي ضمانات تشغيل مستقبلية، مع ذلك تسعر الأرض كما لو أنها واقعة في مدينة كاملة جاهزة للاستثمار، فكان من الطبيعي أن ينسحب المستثمرون ويعيد رأس المال تشكيل نفسه بعيداً عن نموذج الحكومة.
لقد قلبت صفقة الـ72 مليون دولار لفندق كبير السوق، حيث اعتبرها محللون ماليون سعراً مناسباً لحالة المشروع الذي يعاني من تعثر في التسويق، وتراجع في الإيرادات، مع ارتفاع تكلفة التشغيل، ووجود مخاطر مستقبلية استدعت تخلص البنك الحكومي منه في صفقة غير مربحة للدولة، ولكنها مفيدة له لأنه يبحث عن السيولة.
بيّنت الصفقة أن القيمة الحقيقية للأصول السياحية بالبحر الأحمر أقل من نصف ما تفترضه الحكومة، وأن المستثمرين يسعرون العائد الفعلي على الاستثمار وليس النظري الذي يضعه جيش البيروقراطيين داخل مؤسسات الدولة، ممن يديرون خطط بيع الأراضي الجديدة.
باتت الحكومة في مواجهة" السوق الحقيقية" وليس مستثمرين فرديين يغامرون بأموالهم في مواجهة مستقبل غامض، بعد أن أدركوا أن نموذج التنمية السياحية، الذي تتباه الدولة منذ عقود، ينهار، فلا قيمة لأرض بلا مرافق ومخططات بلا رؤية.
لم تكن صفقة أوبروي مالية فحسب، بل كانت إنذارا سياسيا-اقتصاديا، للحكومة بأن السوق أعاد تسعير الأراضي وعلى الدولة أن تلحق بهببساطة شديدة، ما كان يحدث من تنمية سياحية في التسعينيات بالقرن العشرين لا يمكن تحقيقه في عشرينيات القرن الحالي، لأن تكلفة الإنشاءات تضاعفت عدة مرات والتمويل أصبح شديد الصعوبة، في ظل بنوك ترفض تمويل مشاريع سياحية شديدة الحساسية للأحداث الأمنية والسياسية، تقام في مناطق غير مؤهلة، ومع خروج السياحة الفاخرة من السباق، أصبح المردود الزمني للاستثمار أطول وأخطر من ذي قبل.
ومع ذلك، نجد أن الحكومة ترفع سعر الأراضي دون رفع جاهزية الأماكن، وتبيعها على مخططات أولية مرسومة بخط اليد.
تكشف الصفقة أن الحكومة تخسر رهان قدرتها على جلب الدولار مقابل بيع آلاف الأفدنة في رأس شقير ورأس بناس، كما فعلت في رأس الحكمة لتضمن تمويل العجز بموازنة 2026/2027، بعد أن أعرض المستثمرون عن اقتناء الأراضي بأسعار مبالغ بها، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في الطلب على الاستثمار لحين إعادة الدولة تسعير الأراضي وتغيير تلك السياسات من جذورها بما يمكنها من مواجهة تجميد الطروحات العامة.
وجه المستثمرون رسالة بأن السوق تتغير بينما الحكومة ما زالت تبيع الأرض بسياسات وأسعار زمن آخر، فلم تستوعب أن الأراضي لا يمكن استخدامها مصدراً لتمويل سريع، وأنه لا بد من تخفيض الأسعار أو توفير بنية أساسية قبل الطرح، مع ضرورة الانتقال من نظام بيع الأراضي بالقطعة إلى بيع مشروعات متكاملة، لأن الاستثمار السياحي اليوم لا يعتمد على المضاربة على الأرض، بل على التشغيل المتكامل، لا سيما أن رأس المال الخليجي المنتظر لن يأتي إلى مشاريع غير جاهزة مهما كانت المساحة أو الموقع.
لم تكن صفقة أوبروي مالية فحسب، بل كانت إنذاراً سياسياً-اقتصادياً للحكومة بأن السوق أعادت تسعير الأراضي وعلى الدولة أن تلحق بها، وإلا فستتآكل استراتيجيتها لتمويل العجز في الموازنة العامة بالكامل، لأن صفقة" أوبروي" لم تكشف فقط عن تراجع قيمة المشاريع الفاخرة، بل أظهرت للكافة وهم تسعير الأراضي الحكومية وفشل الاعتماد على بيع الأرض لتمويل الموازنة في ظل تحوّل رأس المال نحو الأصول الجاهزة بدل المغامرة في أراضي جديدة.
لم يعد أمام الحكومة إلا أن تعيد صياغة سياستها السياحية بالكامل، أو تواصل فقدان المستثمرين واحداً تلو الآخر، حتى تتحول الأراضي المطروحة للبيع إلى مخزون راكد بلا مشترين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك