القدس العربي - ترامب: ما كان ينبغي شن هجوم بيروت ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران وكالة الأناضول - إعلام: الحكم الصومالي عمر عرتن سيحصل على كامل أجره بالمونديال الجزيرة نت - هذه المحاذير الأربعة التي قد تعرقل الاتفاق العربية نت - فلسفة "أبل".. الأسباب الحقيقية وراء غياب شاشات اللمس في أجهزة ماك بوك الجزيرة نت - مكافأة مالية.. فيفا يواسي الحكم الصومالي عرتن بعد منعه من دخول أمريكا وكالة سبوتنيك - ترامب: على إسرائيل وقف أي هجمات على لبنان لأننا نقترب من اتفاق يجلب السلام للمنطقة رويترز العربية - إيران تشكك في التزام أمريكا بالسلام مع هجوم إسرائيل على لبنان وكالة الأناضول - صدام حفتر يلتقي ماكرون في باريس ويشيد بالعلاقات الأمنية المشتركة قناة القاهرة الإخبارية - وزير الحرب الأمريكي: نحن على مسار توقيع اتفاق مع إيران .. وطهران تنفي قناة التليفزيون العربي - مذكرة تفاهم محل ترقب وغموض بشأن عقدة كبرى.. تضارب خلف الكواليس يهدد مصير الاتفاق
عامة

كمان عطية شرارة.

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

تمثل تجربة الموسيقي المصري عطية شرارة (1922 - 2014) محطة رئيسية في تاريخ الأداء الآلي العربي، وتحديداً في صياغة شخصية آلة الكمان الشرقية الحديثة، إذ امتلك رؤية واضحة ومشروعاً فكرياً وفنياً هدف إلى تجا...

تمثل تجربة الموسيقي المصري عطية شرارة (1922 - 2014) محطة رئيسية في تاريخ الأداء الآلي العربي، وتحديداً في صياغة شخصية آلة الكمان الشرقية الحديثة، إذ امتلك رؤية واضحة ومشروعاً فكرياً وفنياً هدف إلى تجاوز السجال التاريخي بين صرامة التكنيك الأكاديمي الغربي وسيولة الروح النغمية الشرقية.

وظهر هذا التمازج باعتباره شكلاً من أشكال الممارسة الناتجة عن فهم عميق لخصائص الآلة وفيزيائيتها، وطبيعة التعبير المقامي العربي.

تجلت هذه الرؤية في تبني القواعد الصارمة للمدرسة الغربية في العزف، وتحديداً ما يتعلق بهندسة القوس المسؤول الأول عن إنتاج الصوت وضبط الديناميكيات الصوتية من القوة إلى اللين.

نجح شرارة في تطويع حركة القوس الغربية الكلاسيكية، التي تتطلب ثباتاً وقوة في المعصم، لخدمة الزخارف الشرقية مثل النبر، والزحلقة، والفيبراتو المتقن، بطريقة تضمن الحفاظ على نظافة الجملة الموسيقية الأكاديمية وحمايتها من العشوائية الأدائية.

تعدى شرارة مرحلة تطبيق هذا المنهج التحليلي على عزفه المنفرد لينقله كاملاً إلى حيز الأداء الجماعي عبر رئاسته فرقة موسيقى الإذاعة المصرية عام 1952، فاعتمد التخت الشرقي قبل هذه المرحلة على التفريد الجمعي الذي يعزف فيه الجميع اللحن ذاته مع مساحات تفريد عفوية.

ومن خلال قيادته وتدوينه الموسيقي الصارم للفرقة، استبدل شرارة بهذه العفوية نظاماً محكماً يقوم على وحدة الضرب والقوس، ملزماً عازفي الكمان داخل الفرقة بتوحيد اتجاهات الأقواس صعوداً وهبوطاً، وهو تكنيك أوركسترالي غربي يعطي صوتاً متجانساً وكتلة نغمية موحدة وقوية أضفت فخامة على الجمل الموسيقية الإذاعية.

صاغ شرارة التعددية الصوتية المحسوبة عبر توزيع الحليات والسكوتات والردود الآلية ليخلق عمقاً صوتياً يجعل الفرقة تبدو جسداً واحداً واعياً، مع الحفاظ الكامل على شرقية الروح التي تمنح المستمع العربي شعوراً بالسلطنة والدفء النغمي.

تبوأ شرارة موقع العازف الرئيس في فرق كبرى، وصاحب أعلام الغناء في عصره، تزامناً مع عمله في الفرقة الماسية، فكان يمثل الثقل الأكاديمي داخل هذه المجموعات، وكان التحدي الأكبر لعازف الكمان هو كيفية إبراز مهارته الفردية ضمن سياق الترجمة الآلية لفكر الملحن أو روح المطرب.

وتظهر التسجيلات القليلة لشرارة في تلك الحقبة اتصاف أدائه بالرصانة التعبيرية، فابتعد عن الاستعراض التقني المجرد الذي يهدف إلى إبهار الجمهور على حساب عمق الجملة، متوجهاً نحو العزف التحليلي الذي يفهم المسار المقامي، ويستشعر مواطن الثقل والتخفيف في الجملة اللحنية، ويقدم العُرب الشرقية بأسلوب منقح يخلو من المبالغة الأدائية، ما جعله مرجعاً لأقرانه في كيفية قيادة مجموعات الوتريات وضبط إيقاعها الداخلي، ليقدم دليلاً عملياً على إيجاد صيغة تلاقح حضاري مدروسة، جعلت من الكمان العربي آلة ذات مواصفات عالمية، قادرة على الوقوف في المحافل الدولية مع الاحتفاظ بكامل هويتها ومشرقيتها.

أثمرت جهود شرارة نتاجاً موسيقياً غزيراً، توّجَه الرجل بتأليف ستة كونشيرتوهات كاملة لآلة الكمان والأوركسترا، وهي سابقة في تاريخ الموسيقى العربية من حيث الاستمرارية والالتزام بالقالب.

ولم يقف عند حدود آلته المفضلة، وإنما وسّع التجربة لتشمل آلات شرقية وغربية أخرى، واضعاً كونشيرتو لآلة التشيلو، وآخر لآلة القانون.

تظهر القراءة التحليلية لهذه المدونات الموسيقية قدرته على المزاوجة الإيقاعية بتوظيف مقاييس إيقاعية عربية مركبة وسريعة داخل الحركات الثلاث التقليدية للكونشيرتو المتمثلة في الحركة السريعة ثم البطيئة ثم السريعة.

شهد منتصف القرن العشرين طفرة في الإنتاج الغنائي الاستهلاكي الخفيف، واتخذ عطية شرارة موقفاً معاكساً عبر تقديم نماذج لحنية لقطاع واسع من مطربي تلك الفترة ومطرباتها مثل كارم محمود، ومحمد قنديل، وفايزة أحمد، وعادل مأمون، وشهرزاد، وشريفة فاضل، وأحلام، مرتكزاً على صياغة جمل لحنية رصينة تتميز بالابتعاد عن الاقتباس المشوه من الموسيقى الغربية، ومحققاً معادلة صعبة تتمثل في تقديم لحن بسيط وسلس وقريب من وجدان المستمع، وفي الوقت نفسه مبني على مسارات مقامية وتراكيب نغمية فخمة تكشف عن قدرات الصوت المؤدي، مع إعطاء المقدمات واللوازم الموسيقية قيمة تعبيرية حقيقية.

تكتسب الجغرافيا الفنية لعطية شرارة أبعاداً إقليمية وثقافية واسعة تجلت في دوره البارز خبيراً ومؤسساً للمشاريع الموسيقية الأكاديمية في دول تونس وليبيا والأردن خلال فترتي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، إذ يبتعد هذا الدور عن فكرة السفر لتحسين الأحوال المادية، ليستقر في مساحة بناء المؤسسات، وصياغة المناهج، وتدريب الكوادر الآلية، فكان الأثر الذي تركه في تلك الأقطار عميقاً.

انتقل شرارة إلى تونس عام 1956 في مرحلة شهدت فيها الدولة حراكاً لتوثيق فنونها، فأنشأ فرقة الإذاعة للموسيقى العربية، وانخرط مباشرةً في العمل مع فرقة الرشيدية الحاضنة للتراث الموسيقي التونسي المالوف، وواجه هناك تحدي التعامل مع موروث شفاهي غني بالخصوصية الإيقاعية والمقامية يعتمد على التلقين المباشر والأداء التلقائي.

ارتكزت معالجته المنهجية على تحديث آليات العزف الوتري بنقل خبرته الأكاديمية في تكنيك عزف الكمان وضبط القوس والأبعاد إلى العازفين التونسيين، ما ساهم في رفع كفاءة الأداء الجماعي للوتريات داخل الفرقة، ومخلصاً الأداء الآلي من بعض الشوائب الأدائية، ومكسباً إياه نظافة تكنيكية تتيح له التعبير عن المقامات المغاربية بأسلوب أكثر رصانة وانضباطاً، توازياً مع التلاقح اللحني.

لم يسعَ عطية شرارة إلى فرض النمط النغمي المصري على الخصوصية التونسية، وإنما تفاعل مع المقامات المحلية والإيقاعات التونسية المركبة، مقدماً رؤى توزيعية وألحاناً استوعبت الهوية المغاربية وصاغتها بأسلوب منقح احترم خصوصية البيئة المحلية.

تمثل الفترة التي قضاها عطية شرارة في ليبيا خلال السبعينيات ذروة عطائه الإقليمي، فوضعت الدولة الليبية -أواخر الخمسينيات- ثقتها في خبرته لتأسيس بنية تحتية للموسيقى الإذاعية والتعليمية، فواجه ساحة فنية غنية بالأصوات البكر والموروث الشعبي تفتقر إلى الأطر المؤسسية الصارمة والفرق الأوركسترالية المتكاملة، وحققت خطته التأسيسية قفزات مهمة تمثلت في تأسيس أوركسترا الإذاعة الليبية، واعتماد التدوين الموسيقي الصارم أساساً وحيداً للعمل، وفرض نظام توحيد الأقواس والضربات الإيقاعية المحسوبة، إلى جانب صياغة المناهج الدراسية العلمية لتعليم الآلات والموسيقى النظرية، والإشراف على تدريب جيل كامل من العازفين والموسيقيين الليبيين.

توازى هذا الجهد الأكاديمي مع نشاط لحني غزير قدم فيه ألحاناً بنيت على تراكيب مقامية رصينة لأبرز الأصوات الليبية مثل تونس مفتاح والأمين عبد اللطيف، صائغاً جملة لحنية ليبية الهوية وعالمية التكنيك، إضافة إلى وضعه الموسيقى التصويرية للعديد من الأعمال الدرامية المنتجة هناك.

بعد ليبيا، وتحديداً عام 1966، انتقل شرارة إلى الأردن، وأنشأ المعهد الموسيقي في عَمان، وعُين رئيساً له حتى وقعت هزيمة يونيو/حزيران 1967.

تكشف تجربة عطية شرارة في مجال الموسيقى التصويرية للسينما والدراما الإذاعية والتلفزيونية عن بعد تحليلي هام يوضح مرونة فكره الموسيقي، وقدرته على التعبير الدرامي، وصياغة انفعالات الشخصيات وتحولاتها البيئية والنفسية، مستخدماً الوتريات على وجه الخصوص أداةً تعبيرية بالغة الحساسية.

وجاء دخوله إلى عالم السينما في خمسينيات القرن العشرين مواكباً لصعود السينما الواقعية المصرية.

وضع شرارة الموسيقى التصويرية لفيلم" البنات شربات"، من بطولة إسماعيل ياسين وإخراج حلمي رفلة عام 1953، ثم تتابعت جهوده في هذا الميدان، من خلال عدد من أبرز أفلام السينما المصرية، ومنها: فيلما" سمارة" و" زنوبة" عام 1956، و" ابن حميدو" عام 1957، ويكشف مسرد أعماله أنه خلال عام 1959 فقط وضع الموسيقى التصويرية أو موسيقى الاستعراضات لسبعة أفلام.

أرسى قواعد أداء جماعي حديث من دون التفريط في حرارة النغم العربيامتلك عطية شرارة فهماً عميقاً للأثر النفسي الذي تتركه الآلات الموسيقية في وجدان المتلقي، واستغل هذه الخبرة في صياغة الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية الإذاعية والتلفزيونية، واعتمد على التوظيف الدرامي لمجموعات الوتريات محولاً إياها إلى خطوط لحنية متداخلة تتبع حركة الممثل وسكناته، واستخدم تكنيكات خاصة مثل البيزيكاتو (نقر أوتار الكمان بالأصابع من دون القوس) لخلق حالات من الترقب، أو التوجس، أو الكوميديا المبطنة، مستعيناً بالجوابات الحادة للتعبير عن الذروة النفسية أو الانهيار، والقرارات الغليظة للتشيلو والكونترباص لتجسيد الحزن العميق أو المأساة، مع الالتزام بالتكثيف والإيجاز والابتعاد عن الاستطراد اللحني الطويل الذي قد يشتت انتباه المشاهد عن الحوار.

وجاء تأسيسه لفرقة شرارة السداسية عام 1980 خطوة عملية لمواجهة انحسار الاهتمام بالموسيقى الآلية الخالصة في تلك الفترة، وطغيان الأنماط الغنائية التجارية، ولم يكن التشكيل مجرد تجمع عازفين لتقديم الحفلات، وإنما كان تطبيقياً لمنهجه الأكاديمي اعتمد فيه على توليفة تجمع بين الآلات الشرقية الأساسية والآلات الغربية المشرّقة من كمان، وتشيلو، وقانون، وعود، وناي، وإيقاع، وأتاح هذا التشكيل لشرارة تطبيق نظرياته في الفوليفونية والتوزيع الموسيقي الدقيق، مستعرضاً قدرة المجموعات الصغيرة على تقديم أداء أوركسترالي فخم يتسم بأعلى درجات الانضباط الأدائي والوحدة الإيقاعية، وإعادة الاعتبار للمؤلَّف الآلي بتحويل الفرقة إلى منصة لتقديم القوالب الآلية كالسماعي، واللونغا، والقطع الوصفية الحديثة التي وضعها أو أعاد صياغتها.

في عام 1941، التحق عطية شرارة بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، وكان جل أساتذته من كبار الموسيقيين الأوروبيين الذين عاشوا في القاهرة خلال هذه الفترة.

درس آلة الكمان على يد الأستاذ أرميناك، ودرس الهارموني والنظريات على يد الأستاذ كوستاكي، ودرس التوزيع الموسيقي لمدة عام على يد إيزائيا، وتلقى دروساً خاصة في الهارموني لعاميد على يد ميناتو.

ترك عطية شرارة عدداً كبيراً من المؤلفات الآلية، بدأها عام 1948 بـ" فانتازي شرقي"، ثم توالت مؤلفاته: " ليالي النور"، و" خولي الجنينة"، و" سامبا شرارة"، و" أنوار المدينة"، و" أنغام"، و" جبل عرفات"، و" ليالي رام الله"، و" عروس البحر"، و" الرحلة الأولى"، وغيرها كثير، فمسيرة الرجل بلغت من الطول العمق، ما ينوء به فريق من الدارسين.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك