عندما تحلق مئات الملايين أو مليارات المشاهدين حول العالم ابتداء من الخميس الماضي أمام شاشات التلفزيون في شتى أنحاء العالم، أو في مدرجات الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لمتابعة مباريات كأس العالم لكرة القدم 2026، سيكون الأمر بالنسبة لهم موعداً للاحتفاء باللعبة العالمية الأكثر شعبية.
قبل عقود، كانت مشاهدة مباريات كرة القدم أمراً متاحاً بالمجان في المنزل أو المقهى أو الحانة، لكنها تحولت إلى متابعة مدفوعة تخضع لحقوق بث واحتكار يحقق مليارات الدولارات التي تصب في حسابات الفيفا، الاتحاد الدولي لكرة القدم، المنظمة غير الربحية الأكثر ثراء في عالم الرياضة.
تؤكد تقارير متواترة أن الفيفا، وبفضل مديره الحالي الإيطالي جياني إنفانتينو، يعوم الآن في بحر من الأموال التي من المفترض أن ينفقها في مجالات تعزّز حضور واننشار اللعبة عالمياً.
لكن المنتقدين يرون أن الفيفا لا يعمل على قواعد خيرية، كما يقول، وإنما تحول إلى كيان تجاري يجني المليارات من حقوق البث وبيع التذاكر وخدمات الضيافة والإعلان في البطولات الدولية والقارية مثل كأس العالم لكرة القدم للرجال والنساء، دون أن يخضع لقواعد محاسبية صارمة في كيفية إنفاق الأموال والشفافية.
يذكر تقرير نشرته مجلة" فورتشن" Fortune قبل أيام كيف تمكن محامٍ إيطالي غير معروف من تحويل مصير" الفيفا" ليجعله هذا الكيان المالي واسع الثراء، فحينما فاز جياني إنفانتينو بمنصب رئاسة الاتحاد في 2016، كان ذلك على خلفية فضائح فساد مدوية طاولت الكثير من قيادات الفيفا في العام السابق، حين كشفت وزارة العدل الأميركية عن لائحة اتهام واسعة النطاق تتضمن دفع أكثر من 150 مليون دولار بصفة رشاوى وعمولات لمسؤولي الفيفا من مسؤولين ومسوقين سعوا للحصول على حصة من كأس العالم للرجال.
وبعد تحقيقات استمرت لسنوات، تم توجيه اتهامات لعدد من مسؤولي الاتحاد، بينما استقال رئيسه السابق سيب بلاتر، وطويت الصفحة بانتخاب إنفانتينو الذي تعهد" باستعادة الاحترام لصورة الفيفا".
وتشير صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، إلى أن الفيفا يتوقع أن تحقق دورة السنوات الأربع التي تنتهي بكأس العالم هذا الصيف إيرادات قدرها 13 مليار دولار، منها 8.
9 مليارات دولار من هذه البطولة وحدها.
تنطوي هذه العائدات على زيادة بنسبة 72% مقارنة بالدورة السابقة التي انتهت بكأس العالم في قطر، وأكثر من ضعف الـ6.
4 مليارات دولار المسجلة في الفترة بين 2015 و2018.
وقد يرتفع الرقم النهائي أكثر، إذ تجاوز الفيفا توقعاته لكأس قطر 2022 بأكثر من مليار دولار.
ويتوقع الفيفا أن يحقق نحو أربعة مليارات دولار من حقوق البث التلفزيوني من هذه البطولة، ونحو 1.
8 مليار دولار من الرعايات، بما في ذلك اتفاقه مع شركة النفط" أرامكو السعودية"، وهو ضعف ما جَمعه في الدورة السابقة.
لكن أكبر زيادة تأتي من مبيعات التذاكر والضيافة، التي يُتوقع أن تتضاعف أكثر من ثلاث مرات لتتجاوز ثلاثة مليارات دولار هذا العام.
ويعود ذلك جزئياً إلى توسع البطولة من 64 مباراة إلى 104 مباريات، وأيضاً إلى ارتفاع أسعار التذاكر ورسوم إعادة البيع.
وأطلق الفيفا منصة إعادة بيع رسمية لتذاكر هذه البطولة، وفرض رسوماً بنسبة 15% على كل من البائع والمشتري في جميع المعاملات.
أي أنه مقابل كل 1000 دولار من التذاكر المعاد بيعها عبر المنصة يحصل الفيفا على 300 دولار إضافية.
لكن النهج التجاري للفيفا أثار ردات فعل غاضبة.
وتقدّر مجموعات المشجعين أن كلفة متابعة فريق حتى النهائي تزيد بأكثر من خمسة أضعاف مقارنة بعام 2022، واتهمت المنظمين بخيانة تقاليد كأس العالم، كما فتحت السلطات القضائية في نيويورك ونيوجيرسي تحقيقات بشأن ما وصفته بأسعار التذاكر" باهظة الارتفاع".
وتشير فايننشال تايمز إلى أن أرباح البطولة الراهنة سوف تستخدم لتمويل عمليات الفيفا العالمية لبقية الدورة.
سيُخصص جزء منها لتعزيز احتياطيات الفيفا، التي انخفضت من 3.
9 مليارات دولار بعد كأس قطر إلى 2.
7 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وتعمل الهيئة بميزانية تستهدف تحقيق فائض قدره 100 مليون دولار في كل دورة.
ويُخصص الجزء الأكبر من ميزانية الفيفا، حوالى 3.
9 مليارات دولار، لـ" التنمية والتعليم"، خصوصاً برنامج FIFA Forward الذي يرسل الأموال إلى الاتحادات الـ211 الأعضاء لصرفها على كرة القدم محلياً.
وبموجب هذا النظام، يحق لكل اتحاد الحصول على ثمانية ملايين دولار خلال الدورة (أربع سنوات)، بغض النظر عن حجمه، منها ثلاثة ملايين يجب استخدامها في" مشاريع كروية محددة ومخطط لها جيداً"، مثل بناء منشآت جديدة.
وقد زادت هذه المدفوعات للاتحادات ثمانية أضعاف في عهد إنفانتينو.
لكن منتقدين يقولون إن نظام التوزيع الثابت الذي يعتمد على مبالغ متساوية بغض النظر عن حجم الدولة لم ينجح في تطوير اللعبة في الدول الكبيرة مثل الهند وإندونيسيا، ويتساءلون عن مصير الأموال.
فعلى سبيل المثال، تحصل دولة مونتسرات الصغيرة في الكاريبي على ما يعادل نحو 2000 دولار لكل مواطن في كلّ دورة، بينما تحصل الهند على أقل من نصف سنت أميركي للفرد.
لا ينكر منتقدو رئيس الفيفا أنه تمكن خلال السنوات القليلة الماضية من توسيع عوائد الاتحاد الدولي لكرة القدم من خلال تطوير بطولاته وتوسيعها عالمياً، ما عزز موقعه العالمي وراتبه أيضاً.
فبطولة هذا العام أكبر بكثير من نسخة 2022 في قطر: 48 دولة بدلاً من 32؛ و104 مباريات بدلاً من 64؛ وتقام في 16 مدينة عبر ثلاث دول، لأول مرة في تاريخ الفيفا.
كما وسّع إنفانتينو كأس العالم للأندية من سبعة فرق إلى 32 فريقاً، والتي أُقيمت في الولايات المتحدة العام الماضي.
وقد حققت البطولة زيادة قدرها ملياري دولار في إيرادات الفيفا، ما منح إنفانتينو زيادة 33% في مكافأته؛ ويُقدّر إجمالي راتبه السنوي بنحو ستة ملايين دولار.
نجح إنفانتينو بعد عشر سنوات على رئاسته للفيفا في تحويلها إلى كيان مالي عملاق، لكن منتقديه يقولون إنه فعل ذلك عبر علاقات سياسية والتقرب من زعماء مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حضر مراسم تنصيبه في مستهل ولايته الثانية، وحضر إلى جانبه قمة السلام الخاصة بغزة في شرم الشيخ.
وفي مركز كينيدي بواشنطن في ديسمبر/كانون الأول الماضي سلّم ترامب" جائزة الفيفا للسلام" التي لم يسمع عنها أحد من قبل.
وحسب مجلة فورتشن، فإن الفيفا الذي يعتبر منظمة غير ربحية يتجاوز هذا التصنيف بسبب قوته المالية.
وعلى عكس الهيئات الرياضية الأخرى، تأتي معظم أموال الفيفا من حدث واحد فقط، كأس العالم للرجال، ما يمنحه وإنفانتينو سيطرة استثنائية على اللعبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك