منذ مطلع العام الحالي تعيش جزيرة سقطرى واحدة من أصعب مراحلها الخدمية والإنسانية، في ظل تراجع واضح في مستوى الخدمات الأساسية، وتفاقم معاناة المرضى، وضعف حركة النقل، وانحسار المشاريع التي كانت تمنح السكان أملاً بتحسين واقعهم اليومي.
وخلال السنوات التي شهدت فيها الجزيرة حضوراً إماراتياً فاعلاً، لمس المواطنون تحسناً نسبياً في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والنقل والخدمات الإنسانية.
فقد كانت الحالات المرضية الصعبة تجد طريقها إلى العلاج عبر رحلات إخلاء طبي إلى خارج الجزيرة، خصوصاً للحالات التي لا يستطيع مستشفى خليفة أو المرافق الصحية المحلية التعامل معها بسبب محدودية الإمكانات والتخصصات.
لكن هذا المسار تراجع بصورة كبيرة بعد انحسار الدور الإماراتي المباشر، لتجد عشرات الحالات المرضية نفسها أمام واقع قاسٍ: مستشفى بإمكانات محدودة، أدوية ناقصة، تخصصات غير متوفرة، وغياب شبه كامل لرحلات الإخلاء المنتظمة.
ومع محدودية الطيران من وإلى الجزيرة، لم يعد السفر للعلاج خياراً متاحاً لكثير من المرضى، خصوصاً أصحاب الحالات الحرجة والفقراء الذين لا يملكون القدرة على تحمل تكاليف السفر أو انتظار رحلات غير مستقرة.
ويؤكد سكان محليون أن سقطرى، بحكم موقعها الجغرافي المعزول، لا يمكن التعامل معها كبقية المحافظات؛ فأي توقف في الطيران أو ضعف في النقل يعني عملياً محاصرة السكان داخل الجزيرة، وتعطيل مصالح المرضى والطلاب والمسافرين والتجار.
وتزداد خطورة هذا الواقع عندما يتعلق الأمر بالحالات الصحية الطارئة التي تحتاج إلى تدخل سريع خارج الجزيرة.
ولا يقتصر التراجع على الجانب الصحي فقط، إذ شمل قطاعات أخرى مرتبطة بحياة المواطنين والسياحة والخدمات العامة.
فالسياحة، التي كانت تمثل أحد أهم فرص سقطرى الاقتصادية، تضررت هي الأخرى نتيجة ضعف الخدمات، وصعوبة التنقل، وتراجع البنية المساندة لاستقبال الزوار.
ورغم ما تمتلكه الجزيرة من طبيعة نادرة وتنوع بيئي جعلها ضمن أهم الجزر في العالم، إلا أن غياب التخطيط والخدمات المستقرة حوّل هذا الامتياز إلى فرصة مهددة بالتراجع.
كما يشكو الأهالي من تراجع الاهتمام بالمياه والكهرباء والطرق والخدمات اليومية، في وقت كانت فيه الجزيرة بحاجة إلى مشاريع مستدامة تحافظ على ما تحقق سابقاً وتبني عليه، لا أن تدخل في مرحلة فراغ خدمي وإداري.
ويرى مراقبون أن المسؤولية اليوم تقع على الجهات التي تدير الملف في سقطرى، وفي مقدمتها السعودية، باعتبارها القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً بعد تراجع الدور الإماراتي.
فالمطلوب ليس بيانات ووعوداً، بل إعادة تفعيل الإخلاء الطبي، وضمان رحلات منتظمة، ودعم المستشفيات بالأدوية والتخصصات، وإنقاذ القطاع السياحي من التراجع.
لقد كانت سقطرى نموذجاً قابلاً للنهوض، لكنها اليوم تواجه عزلة خدمية مؤلمة.
وبين مريض ينتظر رحلة علاج، ومواطن يبحث عن خدمة، وسياحة تفقد زخمها، تبقى الجزيرة شاهداً على فشل إدارة مرحلة ما بعد الإمارات، وعلى حاجة ملحة لتدخل حقيقي يعيد للإنسان السقطري حقه في العلاج والتنقل والحياة الكريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك