بينما ينشغل العالم بمنافسات منتخبات كرة القدم المشاركة في بطولة كأس العالم ومتابعة مجريات المباريات والتحاليل الرياضية ومشاركة لاعبين مشهورين أمثال ميسي ورونالدو ولامين يامال، وغيرهم، انقسم غالبية من العراقيين بالمنافسة بين مؤيدين ومعارضين للفنان العراقي، كاظم الساهر، المشهور عربياً وعالمياً، إثر شن حملة لمهاجمته بعد تصريحات أدلى بها عن حياته في برنامج بودكاست.
الساهر تحدث في البرنامج بشكل طبيعي عن حياته وبأسلوبه التلقائي، بدون تجميل أو مبالغة قائلاً بأنه تصالح أو يتصالح مع نفسه، تحدث عن ظروف طفولته الصعبة للغاية وفقر عائلته، 10 أشخاص يعيشون بغرفة واحدة، ولم يكن ذلك من باب كسب عطف الجمهور، بل إنه كان قد صرح بهذه الأحاديث مرات عديدة.
لكن المفاجئ ظهور تصريحات نالت منه ومن إنجازه الفني كتبت على السوشيال ميديا من قبل صحفيين وفنانين تحت باب (النقد).
وسرعان ما تحول النقد إلى مهاجمته والتطاول عليه.
على العكس منهم أشاد جمهوره بتواضعه وصراحته، وأنه تحدث عن حياته وفي هذه المرحلة من عمره، على أبواب السبعين، بلا قيود أو تبجح أو تكبر، وضمن ما قاله مثلاً بأنه لم يعش طفولته بالمعنى المفهوم بل عاش" حرمان الفقر" ولكنه كان طفلاً سعيداً.
وعمل منذ سن العاشرة بائعاً للسجائر والآيس كريم.
وفي موقع آخر اعترف أن والدته تحملت الكثير في حياتها، ويرى أن الرجال قادرون على تدمير النساء، واصفاً الرجال بأنهم" فوضى دمرت العالم".
وقدم الحوار صورة مغايرة تماماً عن الساهر الذي يلقب بـ" القيصر" بعيداً عن أضواء المسرح والغناء والشهرة، وهو ما اعتبره المتابعون وثيقة تكشف صدقه وصراحته في مواجهة ذاته.
ما زاد من اشتعال النقاشات التي تحولت في الكثير من محطاتها إلى تسقيط بحق الساهر وجمهور معجبيه، هو إعادة عرض مقطع من لقاء للفنان العراقي حميد منصور قال فيه عن الساهر بأنه" ليس مطرباً بل مُغَنٍّ، وأن صوته لا يطربني ولا يعجبني وأن هناك أصواتاً عراقية كثيرة أجمل من صوت الساهر".
منصور قال رأياً يخصه ويبقى حديثه في باب الرأي الذي يجب أن يُحترم، لكن جمهور الساهر المتحمسين اعتبروا هذا الكلام تهجماً على مطرب يمثل العراق والعراقيين ومحط إعجاب الجمهور العربي.
وهناك من استغل رأي منصور ضد الساهر الذي لم يشارك لا من قريب ولا من بعيد بكل هذه السجالات.
كنت قد تعرفت شخصياً إلى كاظم الساهر في بداية الثمانينيات، مع اشتعال الحرب العراقية الإيرانية، وكنا مجندين في الجيش العراقي ولحسن حظنا تم تنسيبنا إلى" المسرح العسكري"، هو لشعبة المسرح وأنا إلى شعبة البرامج العسكرية بصفة كاتب ومُعِدّ برامج، كنا نلتقي كل يوم تقريباً، ولم يكن يتألق نجمه إلا بعد سنوات قليلة، لكنه كان حريصاً على التدريب يومياً وهو يعزف على آلة العود.
كان حريصاً على بناء نفسه فنياً، ولم تقف بوجهه أية عراقيل بالرغم من الأوضاع الحياتية الصعبة وقتذاك.
أنا من أوائل من كتب عن الساهر وتوقع له النجاح والشهرة عراقياً وعربياً، وأجريت معه حوارات مبكرة في الصحافة العراقية والعربية، وكنت أستمع لأغانيه قبل أن تبث، وكانت آخرها" قصة حبيبين" للشاعر كريم العراقي وألحان الساهر طبعاً، وقتذاك التقينا في لندن لسماع الأغنية قبل أن تُعتمد للبث.
ثم أخذتنا الحياة في طرق متشابكة، لكنني ما زلت أتتبع إنجازاته الفنية المبدعة.
الساهر الذي ظهر في بودكاست مؤخراً، هو ذاته الذي عرفه جمهوره، وعرفناه نحن الذين كنا مقربين منه خلال بداياته عندما غنى: عبرت الشط، ولا يا صديقي، ونزلت للبحر، وصولاً إلى ألبومه الشهير (مدرسة الحب).
عن مرحلة البدايات يستذكر زميلنا في المسرح العسكري، الفنان فؤاد ذنون، مدير الفرقة الوطنية للفنون الشعبية قائلاً: " حين أكتب اليوم عن كاظم الساهر، فإنني لا أكتب عن فنانٍ أتابع أخباره من بعيد، بل عن رفيق رحلة بدأت منذ سنوات المسرح العسكري، يوم كانت الأحلام أكبر من الأمكنة، وكانت خشبات المسارح العراقية تحتضن جيلاً كاملاً من المبدعين في المسرح والسينما والموسيقى والتشكيل وسائر الفنون.
من هناك بدأت الحكاية، كنا نلتقي تحت سقف الإبداع نفسه، نحمل هواجس الفن وآماله، ونؤمن أن الموهبة الحقيقية قادرة على أن تعبر الحدود مهما كانت الصعوبات، وكان كاظم الساهر واحداً من أولئك الذين اختاروا الطريق الأصعب، طريق الاجتهاد والصبر والعمل الدؤوب".
مبدياً استغرابه: " اليوم هذا التطاول غير المبرر على قامة فنية أفنت عمرها في خدمة الأغنية العربية، فالرجل لم يصل إلى مكانته بالمصادفة، بل صنعها بسنوات طويلة من التعب والإبداع والوفاء لجمهوره الذي رافقه في مختلف مراحل مسيرته.
لقد انتقل كاظم الساهر من خشبات البدايات المتواضعة إلى أكبر مسارح العالم، حاملاً معه اسم العراق وصوته وثقافته، وظل طوال هذه الرحلة محافظاً على حضوره الفني واحترامه لجمهوره ولرسالته الإبداعية".
الشاعر والكاتب العراقي إبراهيم البهرزي، يقول: " تعرض فنان بحجم كاظم الساهر لحملة تتجاوز حدود النقد الفني المشروع إلى مساحات التجريح الشخصي والإساءة، من دون أن يصدر موقف واضح من نقابة الفنانين أو من المنصات الثقافية التي يفترض أن تتولى حماية رموز الإبداع وصيانة مكانتهم".
مع اعترافه: " أود أن أقول من البداية بأنني لست من المعجبين بأداء كاظم الساهر، ولديّ أسباب فنية عديدة سبق أن أعلنتها أكثر من مرة.
غير أن ذلك لا يعدو كونه انطباعاً شخصياً لا ينتقص من قيمة الرجل ولا من مكانته الفنية.
بل إن رأيي، سواء قيل همساً أم جهراً، يفقد وزنه أمام ملايين المعجبين الذين يرون فيه ما لا أراه.
ثم إن الساهر، في تقديري، ملحن كبير قبل أي شيء آخر، وتكفيه أعمال خالدة مثل" أنا وليلى" و" مدرسة الحب"، فضلاً عن الأغنية المبكرة التي ما زلت أعشقها: " ابعد عني يا ابن الناس".
العراقيون لا يعرفون صناعة النجم، بل في أحيان كثيرة يحاربون نجومهم الفنية والرياضية والثقافية بلا أي مبرر، وهذا ما حصل، ويحصل مع قامة فنية عراقية مثل كاظم الساهر الذي يقول: " العراق في كل شيء فيّ، في كل حرف أكتبه وفي كل جملة موسيقية وفي كل القصائد التي أغنيها على المسارح".
الساهر يعود في آخر ألبوماته إلى اللون العراقي من خلال أغنيتين: (متى) و(إلا أجيبك)، من كلماته وألحانه، وتمثل عودة لتقديم اللون العراقي.
وبيّن أن الأغنية تطرح تساؤلاً مؤلماً حول موعد نهاية فصول الحزن.
لا تبدو عودته إلى اللون العراقي مجرد استعادة لمرحلة سابقة، بقدر ما تعيد إحياء إحساس قديم ارتبط بصوته منذ بداياته، وظل حاضراً في وعي الجمهور رغم تحوله لاحقاً إلى مشروع القصيدة المغناة.
كلمات (متى) عبارة عن أبوذيات جنوبية، من حيث القالب الشعري.
يقول الساهر: لحنتها كطقطوقة عراقية تعيدنا إلى مقامات القبانجي وناظم الغزالي، حيث تقول مقدمتها:" متى كتاب الحزن يخلص وأسكره.
قلب ذايب قهر والروح سكره.
أدوخ القلب بغيابك وأسكره.
وأقوله حبيبي وميخون بيّ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك