حذّر مختصون من أن كثيراً من الموظفين، بعد عقود من العمل والدخل المستقر، يدخلون مرحلة التقاعد وهم يتطلعون إلى حياة أكثر هدوءاً واستقراراً، ليجدوا أنفسهم أمام ضغوط مالية ومعيشية متزايدة، وعزوا ذلك إلى الاعتماد الكامل على الراتب الشهري خلال سنوات الخدمة، وتأجيل الادخار والاستثمار، والاستمرار في تحمل القروض والالتزامات طويلة الأجل، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدخل التقاعدي والاحتياجات الفعلية، وحدّد المختصون سبعة أخطاء شائعة يقع فيها الموظفون قبل التقاعد وتؤثر في استقرارهم المالي، مقابل خمس ركائز أساسية للحماية المالية تضمن الحفاظ على جودة الحياة والاستقرار المعيشي بعد التقاعد.
وتفصيلاً، رصد مختصون تكرار نماذج لمتقاعدين كانوا يتمتعون بمستويات دخل جيدة خلال سنوات عملهم، إلا أنهم لم يضعوا خططاً ادخارية أو استثمارية تضمن لهم الاستقرار المالي بعد التقاعد، واعتمدوا بشكل شبه كامل على الراتب الشهري كمصدر رئيس للدخل، ومع انتهاء حياتهم الوظيفية، واجه كثير منهم صعوبة في التكيف مع تراجع الدخل وارتفاع الالتزامات المعيشية مقارنة بفترة العمل، كما برزت حالات لمتقاعدين دخلوا هذه المرحلة وهم لايزالون مثقلين بقروض والتزامات مالية طويلة الأجل، الأمر الذي استنزف جزءاً كبيراً من دخولهم التقاعدية، وقلّص قدرتهم على المحافظة على مستوى المعيشة الذي اعتادوه لسنوات، فيما خسر آخرون جانباً مهماً من مكافآت نهاية الخدمة أو مدخرات العمر خلال فترة وجيزة، نتيجة قرارات استثمارية متسرعة أو الدخول في مشاريع غير مدروسة افتقرت إلى التقييم السليم للمخاطر والعوائد.
وتحدث الخبير التأميني والرئيس التنفيذي لشركة «يو إي إس»، الدكتور جهاد فيتروني، عن سبعة أخطاء رئيسة يقع فيها الأفراد عند التخطيط للتقاعد، والتي قد تؤدي إلى أزمات مالية بعد انتهاء الحياة الوظيفية، تشمل تأجيل التخطيط للتقاعد حيث يُعد من أكثر الأخطاء شيوعاً وتأثيراً في الاستقرار المالي المستقبلي، حيث ينظر الكثير من الأفراد إلى التقاعد على أنه مرحلة بعيدة زمنياً، ما يؤدي إلى خسارة فرصة الاستفادة من النمو التراكمي للأموال على المدى الطويل.
وقال: «يقع أيضاً العديد من الأشخاص في خطأ الاعتماد الكامل على راتب التقاعد أو مكافأة نهاية الخدمة كمصدر وحيد للدخل بعد انتهاء الحياة المهنية، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذه المبالغ قد لا تكون كافية لتغطية احتياجاتهم المعيشية لعقود طويلة، كما تشمل الأخطاء المهمة التقليل من أثر التضخم في القوة الشرائية للمدخرات ما لم يتم استثمارها بالشكل المناسب».
وأضاف: «من الأخطاء الأخرى عدم تنويع مصادر الدخل والاستثمار، أو اعتماد استراتيجيات استثمارية غير متوازنة لا تتناسب مع العمر والقدرة على تحمل المخاطر».
ولفت إلى أن تأجيل الادخار والاعتماد على مصدر دخل واحد، من الأخطاء التي قد تؤدي إلى فجوة مالية تهدد الاستقرار المالي للمتقاعد، مؤكداً أهمية البدء المبكر في الادخار، حيث كل سنة تأخير تؤدي إلى فقدان فرصة إضافية للاستفادة من العوائد الاستثمارية خلال سنوات الراحة بعد الوظيفة.
وأشار إلى أن برامج التأمين وخطط التقاعد الخاصة باتت من الأدوات الأساسية التي تسهم في تعزيز الاستقرار المالي خلال مرحلة التقاعد، مؤكداً أن أنظمة التقاعد الحكومية أو المؤسسية تُشكل ركيزة أساسية للحماية الاجتماعية وتوفر مستوى مهماً من الأمان المالي بعد انتهاء الحياة الوظيفية.
واعتبر مستشار شؤون الاستثمار وريادة الأعمال الخبير الاقتصادي، الدكتور جمال السعيد، أن أبرز الأخطاء التي يقع فيها البعض خلال سنوات العمل، تشمل: الاعتماد على المعاش التقاعدي كمصدر دخل وحيد مستقبلاً دون بناء مدخرات أو استثمارات إضافية، والتوسّع في القروض والالتزامات المالية طويلة الأجل، واستهلاك معظم الدخل خلال سنوات العمل دون تكوين احتياطي مالي للطوارئ أو التخطيط للنفقات المستقبلية المرتبطة بالصحة أو دعم الأبناء أو متطلبات السكن، إضافة إلى المبالغة في تقدير القدرات المالية بعد التقاعد دون إجراء حسابات دقيقة للفجوة المحتملة بين الدخل والنفقات.
وقال: «إن تنويع مصادر الدخل والادخار المبكر وضبط الديون شروط أساسية لتخطيط تقاعد ناجح وآمن مالياً، فكلما بدأ الموظف التخطيط مبكراً، زادت فرص تكوين مدخرات وأصول مالية قادرة على توفير دخل إضافي بعد التقاعد».
وأضاف: «بناء خطة تقاعد فعالة يجب أن يقوم على خمس ركائز أساسية، تبدأ بتحديد الأهداف المالية المستقبلية وتقدير الاحتياجات المتوقعة بعد التقاعد، وتخصيص جزء ثابت من الدخل للادخار والاستثمار بشكل منتظم، ومراجعة الالتزامات المالية بشكل دوري والعمل على تقليل الديون قبل الوصول إلى سن التقاعد، وتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد فقط على المعاش التقاعدي، وذلك من خلال استثمارات مدروسة أو أصول مدرة للدخل تتناسب مع قدرة الفرد على تحمل المخاطر، إضافة إلى إجراء مراجعة سنوية للخطة المالية للتأكد من توافقها مع المتغيرات الاقتصادية والشخصية»، ونصح السعيد الشباب بالبدء في التخطيط المالي منذ السنوات الأولى للعمل وعدم الانتظار حتى الاقتراب من سن التقاعد، والادخار المنتظم وتجنب الإفراط في الاقتراض لأغراض استهلاكية، وبناء ثقافة مالية سليمة تساعد على اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة، وتنويع مصادر الدخل والعمل على تنمية الأصول التي يمكن أن توفر دخلاً مستداماً في المستقبل، بما يضمن جودة الحياة بعد التقاعد.
من جانبه، أكد خبير التحكيم الأسري في محاكم دبي المستشار الأول في الشؤون الإسلامية، الدكتور عبدالله موسى، أن التخطيط السليم يُعد من أهم أسس النجاح المالي بعد التقاعد، ولاسيما في ما يتعلق بالاستعداد المبكر لمرحلة سنوات الراحة، إذ يساعد على بناء استقرار مالي يضمن حياة أكثر أماناً بعد انتهاء الخدمة.
وقال: «يواجه بعض المتقاعدين تحديات مالية نتيجة تأخر الزواج إلى مراحل عمرية متقدمة، ما يدفعهم إلى تحمل قروض والتزامات مالية تستمر حتى سنوات التقاعد، لتتحوّل استقطاعات القروض إلى عبء يؤثر في مستوى معيشتهم، ومن هنا تبرز أهمية الزواج المبكر للشباب بما يتيح للأبناء النمو وإكمال تعليمهم ودخول سوق العمل خلال فترة خدمة الوالد، الأمر الذي يخفف الأعباء المالية عنه عند التقاعد».
ونصح بعدم التنقل المتكرر بين الوظائف والحصول على المستحقات التقاعدية أو مكافآت نهاية الخدمة بشكل مبكر، موضحاً أن هذا الأمر قد ينعكس سلباً على حجم الدخل المتاح بعد التقاعد.
وقال: «تتمثل أهم النصائح للشباب والموظفين أن يحرصوا خلال مسيرتهم المهنية في البدء بالتخطيط للتقاعد مبكراً وعدم تأجيله إلى السنوات الأخيرة من العمل، مع وضع أهداف مالية واضحة ومراجعتها دورياً، كما من المهم تنويع مصادر الدخل التقاعدي وعدم الاعتماد على المعاش وحده، من خلال الجمع بين الادخار والاستثمار والتأمين وخطط التقاعد المختلفة، إلى جانب إنشاء صندوق للطوارئ مستقل عن مدخرات التقاعد».
وأيده في الرأي أستاذ الثقافة والمجتمع بعدد من الجامعات الإماراتية، الدكتور سيف راشد الجابري، مؤكداً أن آثار عدم الاستعداد المبكر للتقاعد لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الأسرية والاجتماعية أيضاً، فمع تراجع الدخل واستمرار الالتزامات المالية، قد يواجه بعض المتقاعدين ضغوطاً تؤثر في استقرار الأسرة وتزيد من الخلافات المرتبطة بالمصروفات والاحتياجات المعيشية، خصوصاً إذا كان الأبناء لايزالون في مراحل الدراسة أو يعتمدون مالياً على الأسرة، كما قد يشعر المتقاعد بفقدان جزء من دوره الاجتماعي أو مكانته المهنية التي اعتادها لسنوات طويلة، ما قد يؤدي إلى العزلة أو التوتر النفسي وصعوبة التكيف مع نمط الحياة الجديد، لذلك يسهم التخطيط المبكر للتقاعد في الحد من هذه التحديات من خلال توفير الاستقرار المالي وتعزيز القدرة على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية والأسرية المصاحبة لهذه المرحلة.
وشدد الجابري على ضرورة التخطيط لمرحلة التقاعد قبل موعدها بمدة تراوح بين 10 و15 عاماً على الأقل، بما يتيح بناء مدخرات كافية وإعادة ترتيب الالتزامات المالية تدريجياً، كما يُعد تنويع مصادر الدخل من خلال الاستثمارات الآمنة أو الأصول المدرة للعائد من أهم الوسائل لتعزيز الاستقرار المالي، وعدم الاعتماد على المعاش التقاعدي كمصدر وحيد للدخل.
خدمة الاستشارات التقاعديةأطلقت الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية خدمة الاستشارات التقاعدية، الهادفة إلى توفير إرشادات قانونية وفنية دقيقة حول قانون المعاشات، بما يمكّن المواطنين من فهم الإجراءات المتبعة ويعزّز وعي المتعاملين بحقوقهم وواجباتهم، ويساعدهم في التخطيط للتقاعد واتخاذ القرارات السليمة في ضوء معلومات أكثر وضوحاً وشفافية، وتتوافر الخدمة الجديدة عبر منصة «معاشي» الرقمية، وتقدّم استشارات متخصصة للمستفيدين حول الضوابط وقوانين التقاعد التي تطبقها الهيئة.
6 نصائح لحياة «ما بعد التقاعد»أكد صندوق أبوظبي للتقاعد أن التخطيط لتحقيق الأمن والكفاءة الاجتماعية بعد التقاعد، يتطلب ضرورة اتباع ست نصائح ستساعدك على اتخاذ خطوات عملية وفاعلة في تحسين جودة حياتك الاجتماعية، تتمثّل في حتمية إدراكك للتغيّرات الاجتماعية التي تطرأ على طبيعة العلاقات، والمكانة الاجتماعية في مرحلة ما بعد التقاعد، وضرورة تقبّلها للتمكُن من المحافظة على علاقاتك ومكانتك الاجتماعية والعبور إلى مرحلة تَجدد العطاء، وكذلك تحليل الأدوار والمكانة الوظيفية التي تفتقدها في حياتك بعد التقاعد بكل تفاصيلها، بدءاً من فنجان القهوة الصباحي مع زملائك أو موظفيك، إضافة إلى إعادة هيكلة نشاط حياتك الاجتماعية، والتخطيط لحياة نشطة بأهدافٍ واهتمامات متجددة هادفة بديلة للأدوار والمكانة والأنشطة الاجتماعية التي تفتقدها بما يضمن استمرار شعورك بالإنجاز والعطاء، وكذلك تحديد قدراتك ومعارفك ومهاراتك الاجتماعية التي تحتاج إلى تنميتها، لضمان التكيّف الفعال مع التغيّرات الجديدة في علاقاتك وحياتك الاجتماعية على نطاق الأسرة والمجتمع، مثل إعادة التواصل الفعال مع الأبناء والأحفاد بعد غياب طويل نتيجة الانشغال في الحياة الوظيفية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك