من كيغالي إلى واشنطن.
هل بدأ الحصار؟في الوقت الذي يطالب فيه قائد الجيش السوداني مواطنيه بالمزيد من الصبر، يبدو أن صبر المجتمع الدولي نفسه قد بدأ ينفد تجاه حربٍ أقر طرفيها بعبثيتها.
ومع هذا التحول، تتجه القوى الدولية إلى إحكام نوع مختلف من “الحصار” على أطراف الصراع؛ حصار لا يشبه ما اعتادته الجيوش من تطويق المدن أو رسم الحدود، بل هو حصار أكثر هدوءاً وأشد أثراً، يبدأ حين يفقد العالم قدرته على الاحتمال، وتتحول الحرب من شأن داخلي إلى عبء دولي، ومن أزمة يمكن احتواؤها إلى خطر يتطلب إيقافه بأي وسيلة.
وعند هذه المرحلة، لا تعود الأحداث مجرد وقائع متفرقة، بل تصبح إشارات متصلة في مسار واحد.
من كيغالي، حيث أثار اعتقال المصباح طلحة تساؤلات تتجاوز حدود الحدث نفسه، إلى واشنطن، حيث تتصاعد النقاشات حول أدوات جديدة لتضييق الخناق على مسار الحرب في السودان، تبدو الخيوط وكأنها تتشابك في نسيج واحد يتشكل ببطء لكنه بثبات.
فهل نحن أمام سلسلة مصادفات منفصلة، أم أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها تشديد الضغط على كل من يصر على إبقاء هذه الحرب مشتعلة؟❝ إذا عجزت السياسة عن إطفاء الحرائق، جاءت المصالح الكبرى تحمل الماء أو تحمل الريح❞لأكثر من ثلاث سنوات، ظلت الحرب السودانية تتحرك على إيقاع الدم والخراب، بينما ظل العالم يراقب المشهد بقلق متزايد دون أن يمتلك الإرادة الكافية لفرض نهاية له.
كانت الإدانات تتوالى، والبيانات تتكرر، والاجتماعات تعقد، لكن الحرب كانت تمضي في طريقها غير عابئة بشيء.
غير أن الحروب الطويلة تملك خاصية خطيرة؛ فهي لا تستنزف شعوبها فقط، بل تستنزف أيضًا صبر المجتمع الدولي.
وعندما يبدأ هذا الصبر في النفاد، تتغير اللغة وتتغير الأدوات وتتغير الحسابات.
وهذا ما يحدث الآن لهذا لم يكن كثيرون ينظرون إلى ما جرى في كيغالي باعتباره حادثة أمنية عابرة.
فالقضية في جوهرها لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تتعلق بالرسالة الكامنة خلف الحدث.
ذلك أن عالم اليوم لم يعد يتعامل مع الحروب الحديثة من خلال الجبهات وحدها، بل من خلال الشبكات والأفراد ومسارات التمويل والحركة والتأثير.
وما كان يمر بالأمس دون انتباه أصبح اليوم يخضع للرصد والمتابعة والتدقيق.
وفي الضفة الأخرى من المشهد، كانت واشنطن ترسل إشارات لا تقل أهمية.
فالنقاشات التي تدور داخل المؤسسات الأمريكية لم تعد تدور حول كيفية إدارة الأزمة السودانية فحسب، بل حول كيفية رفع كلفة استمرارها على الأطراف المتحاربة.
وهذا تحول جوهري؛ لأن الفرق كبير بين دبلوماسية تسعى إلى تقريب وجهات النظر، وسياسة تسعى إلى جعل استمرار الحرب خياراً باهظ الثمن على من يتمسكون بها.
الأمر اللافت هنا، أن الرسائل الجديدة لا تبدو موجهة إلى طرف واحد.
فالعالم الذي كان يميل أحياناً إلى قراءة الأزمة السودانية من زاوية واحدة، بات أكثر ميلاً إلى النظر إليها بوصفها مأساة مشتركة ساهمت في تعميقها أطراف متعددة.
ويجب أن تتسع دوائر المساءلة، وتتعدد قوائم العقوبات، وتتزايد الضغوط على كل من يُنظر إليها باعتباره جزءاً من معادلة إطالة أمد الحرب، أياً كان موقعه أو شعاره أو مبرراته.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن المتحاربين ما زالوا يتحدثون بلغة الانتصار النهائي، بينما يتحدث العالم بلغة النهاية الضرورية.
Gem Over.
نعم هناك من لا يزال يعتقد أن جولة أخرى من القتال ستغير المعادلة، وأن تقدمًداً هنا أو تراجعاً هناك سيحسم المشهد.
لكن ما يبدو واضحاً أن العواصم المؤثرة لم تعد منشغلة كثيراً بمن يربح الجولة التالية، بقدر انشغالها بكيفية إيقاف اللعبة كلها قبل أن تبتلع ما تبقى من السودان.
وفي خضم هذا كله يقف الشعب السوداني شاهداً وضحية في آن واحد.
شعب لم يختر هذه الحرب، لكنه حمل أوزارها كاملة.
نزح بالملايين، وفقد أحبته، وتبددت أحلام أجياله بين خيام النزوح وخرائب المدن.
ومع ذلك ظل متمسكًا بما يدهش العالم دائماً في السودانيين: القدرة على الصبر، وعلى التضامن، وعلى الاحتفاظ بقدر من الكرامة الإنسانية وسط هذا الركام الهائل من الألم.
ولعل هذه الحقيقة هي التي تجعل استمرار الحرب أكثر فداحة، لأنها لم تعد حربًا بين خصوم، بل حربًا على مستقبل شعب بأكمله.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الحصار قد بدأ بالفعل، بل إلى أين يمكن أن ينتهي.
فالتاريخ القريب والبعيد كتب أن القوى الدولية حين تصل إلى قناعة بأن أزمة ما أصبحت خطراً على مصالحها واستقرار محيطها، فإنها تبدأ في البحث عن أدوات أكثر فاعلية من البيانات والنصائح.
وقد تختلف هذه الأدوات في طبيعتها وشدتها، لكن الرسالة تبقى واحدة: الوقت ليس مفتوحاً إلى الأبد، ومن يعتقد أن بإمكانه إدارة ظهره للعالم إلى ما لا نهاية، يكتشف متأخراً أن العالم كان يعيد ترتيب أوراقه بصمت.
من كيغالي إلى واشنطن، ومن تقارير الرصد إلى مشاريع القوانين والعقوبات والضغوط المتزايدة، تتشكل أمام السودان لحظة سياسية جديدة لا يجوز الاستهانة بها.
قد يختلف الناس في تفسير تفاصيلها، وقد تتباين القراءات حول أهدافها وحدودها، لكن ما يصعب تجاهله هو أن المزاج الدولي لم يعد كما كان.
لقد بدأت الحرب التي أنهكت السودان تستنزف صبر العالم أيضاً، وهذا ما يجب ان يفهمه الجميع.
وحين يصل العالم إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال من يملك السلاح الأكثر قوة، بل من يملك الحكمة الكافية ليدرك أن الأوطان تُبنى بالسلام أكثر مما تُبنى بالانتصارات المؤقتة.
وما بين كيغالي وواشنطن، ربما يكون هذا هو الدرس الذي يقترب من طرق الأبواب بقوة أكبر من أي وقت مضى.
إنا لله ياخ.
الله غالب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك