نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” تقريراً استند إلى ما أوردته وكالتا “رويترز” و”واشنطن بوست” حول تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن بحث إمكانية حصول الحكومة الأميركية أو الجمهور الأميركي على حصة من الثروة التي ستولدها شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
اضافة اعلانوقد يبدو الخبر للوهلة الأولى مجرد نقاش سياسي أو اقتصادي مرتبط بقطاع التكنولوجيا، إلا أن القراءة المتأنية لما وراء التصريحات تكشف عن تحول أعمق بكثير يجري داخل الفكر الاقتصادي الأميركي نفسه.
فالقضية لم تعد تتعلق بتنظيم الذكاء الاصطناعي أو ضبط مخاطره أو تعزيز التنافس مع الصين، وإنما أصبحت تمس سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل الرأسمالية الأميركية: من يملك ثروة الذكاء الاصطناعي؟ ومن يستحق الاستفادة من عوائدها إذا كانت ستصبح المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة؟ما يجعل هذا النقاش استثنائياً أنه يصدر من الولايات المتحدة ذاتها، الدولة التي بنت نفوذها الاقتصادي على فلسفة السوق الحرة والملكية الخاصة والابتكار الذي تقوده الشركات.
وعندما يبدأ الحديث في واشنطن عن منح المجتمع أو الدولة نصيباً مباشراً من الثروة الرقمية المستقبلية، فإن ذلك لا يعكس مجرد توجه تنظيمي جديد، بل يشير إلى مراجعة فكرية متنامية لدور الدولة في الاقتصاد الرقمي، وإلى إدراك متزايد بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل أصبح مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطاقة أو الدفاع أو البنية التحتية الوطنية.
الأهمية الكبرى في تصريحات الرئيس ترمب لا تكمن فقط في فكرة حصول الحكومة الأميركية على حصص في شركات كبرى مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”سبيس إكس”، بل في التحول الفلسفي الذي تعكسه.
فالولايات المتحدة، التي طالما قدمت نفسها بوصفها النموذج الأبرز للرأسمالية الحرة، تبدو اليوم مضطرة إلى التفكير بمنطق جديد: ليس تأميم الاقتصاد، بل تحويل بعض قطاعات المستقبل إلى أصول وطنية ذات عائد عام.
هذا التحول يعني أن الدولة الأميركية لم تعد ترى الذكاء الاصطناعي مجرد صناعة تقنية، بل بنية تحتية سيادية، تشبه الطاقة والدفاع والرقائق والاتصالات.
فمن يمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد يمتلك أدوات التأثير في المعرفة، والإنتاج، والأمن السيبراني، والتعليم، والطب، والإعلام، وحتى القرار العسكري.
لذلك يصبح تدخل الدولة ليس خروجاً كاملاً عن السوق، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الابتكار الخاص والمصلحة العامة.
الأعمق من ذلك أن الفكرة تكشف قلقاً اجتماعياً حقيقياً.
فالذكاء الاصطناعي قد يخلق ثروات تريليونية، لكنه قد يضغط في الوقت نفسه على الوظائف، ويعيد توزيع الدخل لمصلحة رأس المال على حساب العمل.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن البعد الأمني.
فالبيت الأبيض يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته قضية أمن قومي بقدر ما هو قضية نمو اقتصادي.
فالنماذج المتقدمة يمكن أن تدعم الدفاع السيبراني وتزيد الإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه قد تُستخدم في الهجمات الإلكترونية أو التضليل الإعلامي أو تطوير قدرات عسكرية متقدمة.
بالنسبة لدول الخليج، فإن المعنى الأهم لهذا النقاش هو أن عصر الاكتفاء بشراء التكنولوجيا يقترب من نهايته.
فالثروة الحقيقية في المستقبل لن تتولد من استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما من امتلاك المنصات والشركات والبنية التحتية الرقمية التي تنتج هذه التكنولوجيا.
ومن هنا تبرز أهمية الصناديق السيادية الخليجية التي أصبحت بالفعل من كبار المستثمرين العالميين في قطاع التكنولوجيا.
غير أن المرحلة المقبلة قد تتطلب انتقالاً من دور المستثمر المالي الباحث عن العائد إلى دور المستثمر الاستراتيجي الذي يسعى إلى نقل المعرفة، وبناء القدرات الوطنية، وتوطين التقنيات، وتطوير منظومات ابتكار محلية قادرة على إنتاج القيمة المضافة.
ما يكشفه التقرير المذكور يتجاوز كثيراً حدود خبر اقتصادي عابر.
فهو يعكس بداية مراجعة أميركية عميقة للعلاقة بين الدولة والسوق في عصر الذكاء الاصطناعي.
وإذا كانت الولايات المتحدة، وهي المعقل التاريخي للرأسمالية الحرة، تعيد التفكير في كيفية توزيع ثروة التكنولوجيا الجديدة، فإن دول الخليج مطالبة بطرح سؤال موازٍ: كيف يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية مستوردة إلى أصل استراتيجي يساهم في بناء الثروة الوطنية، وتعزيز السيادة الرقمية، وصناعة اقتصاد المعرفة في العقود المقبلة؟فربما لا يكون السؤال الأهم في المستقبل من يستخدم الذكاء الاصطناعي، بل من يمتلكه، ومن يشارك في جني ثروته، ومن يحدد قواعده واتجاهاته.
وهنا تحديداً تتشكل ملامح الاقتصاد العالمي الجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك