يبدو أن مفهوم الاحتفالات الرئاسية في البيت الأبيض قد تغير تماماً؛ فبينما كانت التقاليد تقضي بأن يحتفل الرؤساء بأعياد ميلادهم وسط أجواء رسمية هادئة، اختار دونالد ترامب أن يدخل عقده التاسع على طريقته الخاصة وسط صيحات الجماهير، وعضلات المقاتلين، وداخل قفص حديدي لفنون القتال، نُصب خصيصاً في الحديقة الجنوبية التاريخية.
الحديث عن أعياد ميلاد الرؤساء الأمريكيين يعود بالذاكرة تلقائياً إلى عام 1962، وتحديداً إلى قاعة" ماديسون سكوير جاردن"، عندما وقفت أيقونة السينما ماريلين مونرو بفستانها الحريري الشهير، لتهمس بنعومة بالغة وبأناقة كلاسيكية: " Happy Birthday, Mr.
President" للرئيس جون كينيدي بمناسبة عيد ميلاده الخامس والأربعين.
كانت تلك الحقبة تعتمد على" القوة الناعمة" والجاذبية الثقافية كأدوات للوجاهة السياسية.
أما اليوم، وفي مفارقة بصرية صارخة، يختفي فستان ماريلين الحريري وصوتها الهامس، ليحل محلهما قفص حديدي عملاق أُطلق عليه اسم" المخلب".
الاحتفال الذي بلغت تكلفته 60 مليون دولار –يتكفل بها اتحاد اللعبة بالكامل– سيشهد تنافس 14 من نجوم الفنون القتالية المختلطة، والذين سيخرجون، وفقاً للتقارير، من المكتب البيضاوي العريق ليتوجهوا مباشرة إلى الحديقة الجنوبية، حيث أقيمت الحلبة المقفلة والمدرجات التي تتسع لأربعة آلاف متفرج في الهواء الطلق، بالتزامن مع شاشات عملاقة ستنقل الحدث لقرابة 125 ألف مشجع.
من رومانسية كينيدي إلى خشونة ترامبهذا التحول من رومانسية كينيدي إلى خشونة ترامب في الحديقة الجنوبية يبدو بمثابة حائط صدّ سياسي ذكي؛ إذ يرى متابعون أن هذا المشهد الاستعراضي الذي يتسم بالقوة البدنية الفجة، يهدف إلى صرف الأنظار عن التساؤلات المتزايدة حول صحة أكبر رئيس أمريكي سناً يتولى المنصب.
ورغم أن طبيب ترامب يؤكد أنه بصحة ممتازة، إلا أن الصحافة لا تتوقف عن رصد كدمات يديه، ومشاكل أوردة ساقيه.
وهنا تأتي المفارقة؛ فترامب الذي يعشق مقارنة قوته البدنية بسلفه جو بايدن، يجد في حلبة المصارعة اليوم تجسيداً لصورته المفضلة كـ" رجل قوي" لا يقُهر، حتى وإن أقرّ علناً قبل أيام بأنه غير سعيد بعيد ميلاده الثمانين واصفاً إياه بأنه رقم لا يحبه.
الحلبة في مواجهة طبول الحربعلى الجانب الآخر، يفجر هذا العرض موجة من الانتقادات الحادة من جانب معارضي ترامب؛ إذ يعتبر الكثيرون أن إقامة قفص مصارعة ومدرجات جماهيرية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض هو سلوك غير لائق، خاصة في وقت تعيش فيه البلاد على وقع حرب مستعرة مع إيران، وما خلفته من تضخم وارتفاع في الأسعار أثقلا كاهل المواطنين.
وفي مفارقة سياسية ساخرة، وبينما سيتعارك المقاتلون في الحديقة، يلمّح ترامب إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران في اليوم نفسه، وهو ما سارعت طهران إلى التشكيك في توقيته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك