كثف مسؤولون أميركيون نشاطهم الدبلوماسي في ليبيا بعد إعلان البعثة الأممية إنجاز إحدى مراحل خريطتها لحل الأزمة الليبية، المتمثلة في توصيات" الحوار المهيكل"، في وقت تحدث فيه مصدر دبلوماسي عن استعدادات أميركية لترتيب لقاءات مباشرة بين مسؤولين عسكريين من شرق البلاد وغربها.
وعقب إعلان البعثة الأممية، في السابع من الشهر الجاري، توصيات الحوار المهيكل، التي برز من بينها بناء سلطة تنفيذية انتقالية جديدة وإصلاح المنظومة الانتخابية لتنفيذ العملية الانتخابية وتجديد الشرعية، أشاد المستشار الخاص للرئيس الأميركي، مسعد بولس، باستكمال أعمال الحوار المهيكل ودعم بلاده لتوصياته، كما أكد تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق الأممية، وذلك في تدوينة على حسابه بمنصة إكس عقب لقائه رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه، السبت الماضي.
وبالتزامن مع ذلك، عقد القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت، سلسلة لقاءات في طرابلس وبنغازي، شملت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ووكيل وزارة الدفاع في حكومته عبد السلام زوبي، ورئيس الأركان العامة التابعة للحكومة في طرابلس صلاح النمروش، بالإضافة إلى رئيس الأركان في قيادة خليفة حفتر خالد حفتر.
وتركزت هذه اللقاءات على دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية ومناقشة مستجدات الوضع السياسي.
وفي غضون ذلك، كشف مصدر دبلوماسي مقرب من حكومة الوحدة الوطنية، لـ" العربي الجديد"، أن لقاءات برنت في طرابلس وبنغازي تضمنت نقاشاً حول ترتيبات أميركية متقدمة لعقد لقاءات مباشرة بين قيادات عسكرية من شرق ليبيا وغربها، بهدف توسيع مشاركة شخصيات عسكرية من الجانبين.
وبحسب المصدر، فإن اللقاءات العسكرية المقبلة سيشارك فيها ضباط، في مقدمتهم صلاح النمروش وخالد حفتر، لمناقشة سبل بناء قوة عسكرية مشتركة تتجه إلى تنظيم عمل مشترك لتأمين الحدود الجنوبية للبلاد.
ويعد الإعلان عن نتائج الحوار المهيكل أول خطوة تحققها البعثة في خريطة الطريق منذ إعلانها في 23 أغسطس/آب الماضي.
ويعد" الحوار المهيكل" الركن الثاني من الخريطة إلى جانب الركن الأول الخاص بتهيئة المفوضية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، الذي أوكلته البعثة إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وإثر تعثرهما، أسندت المهمة إلى لجنة ليبية مصغرة (4+4) شكلتها من ممثلين عن الحكومة في طرابلس وقيادة حفتر في بنغازي، إلى جانب تمثيل محدود من مجلسي النواب والدولة، لكن هذه اللجنة لم تُنجز مهمتها حتى الآن.
في المقابل، وإن لم تعلن واشنطن عن مقاربة للحل الليبي بشكل رسمي، فإن تحركات بولس تشير إلى عملها على الدفع نحو تقارب تدريجي بين سلطتي الشرق والغرب في ليبيا، عبر مسارات اقتصادية وعسكرية متوازية، وصلت إلى حد توقيع الطرفين اتفاقاً لتوحيد الميزانية في العاشر من إبريل/نيسان الماضي، ومشاركة عسكرية مشتركة لأول مرة ضمن مناورات" فلينتلوك 2026" التي نظمتها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) بمدينة سرت منتصف إبريل/نيسان الماضي.
وفي الوقت الذي توقف فيه المسار الأميركي عند هذا الحد دون بلوغ المستوى السياسي، نجحت البعثة الأممية عبر مسار الحوار المهيكل في اعتماد توصيات من شأنها التهيئة لتحقيق اختراق في الجمود السياسي القائم في البلاد، لا سيما من خلال التوصية ببناء سلطة تنفيذية جديدة وإصلاح المنظومة الانتخابية.
ومن المنتظر أن تقدم تيتيه إحاطة جديدة أمام مجلس الأمن خلال الأسابيع المقبلة، من المرجح أن تدفع خلالها بتحديثات جديدة للخريطة الأممية بناء على توصيات الحوار المهيكل.
وفي قراءته لمستجدات النشاط الأميركي في الملف الليبي، يلفت أستاذ العلاقات الدولية، رمضان النفاتي، إلى أنها تحركات تثبت أنه لا يوجد أي تقارب بين المسارين الأممي والأميركي حتى الآن، معتبراً أن ترحيب بولس بتوصيات لجنة الحوار يأتي من قبيل" اللغة الدبلوماسية اللازمة" أكثر منه مؤشراً على وجود تنسيق أو نية للتنسيق.
ويرى النفاتي، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن لقاءات القائم بالأعمال الأميركي هيمن عليها الطابع العسكري، ما يكشف عن عمق الخطوة التي يعمل عليها الجانب الأميركي، وهي" تثبيت المكتسبات التي تحققت على الصعيد العسكري والأمني من خلال مشاركة طرابلس وبنغازي في المناورات العسكرية" في سرت خلال إبريل/نيسان الماضي.
ويوضح أن السعي إلى توسيع دائرة التمثيل العسكري من المعسكرين بإشراف أميركي يهدف إلى" تحصين هذا التقارب من الخلافات الطارئة داخل كل معسكر".
ويعتبر النفاتي أن هذه الخطوة تعني" عملياً ترسيخ سلطة قوى الأمر الواقع كمراكز قوة فعلية" عبر ما وصفه بـ" إدخال الفاعلين في المعسكرين في مرحلة ضبط متواز".
ويلفت إلى أن هذه الخطوة، " مع ربطها بالاتفاق المالي، تعني العمل على خلق قوة تملك السلاح والمال".
ويتساءل النفاتي: ما الذي بقي بعد ذلك للمسار الأممي سوى التماهي مع ما حققه المسار الأميركي على الأرض؟ موضحاً أن هذه الأطراف التي تم تثبيتها" ميدانياً لن تقبل بأي سلطة تنفيذية جديدة من خارجها أو لا تمر من خلالها".
ويعبر عن اعتقاده بأن البعثة، إزاء هذا التحرك الأميركي المكثف، قد لا يكون أمامها سوى" مواءمة مخرجات خريطتها مع الواقع الذي يسعى الأميركيون لخلقه"، وهو ما تريده واشنطن أيضاً التي تحتاج إلى شرعية أممية لمقاربتها.
كما يعتبر النفاتي أن تشكيل البعثة للجنة (4+4) من شخصيات رئيسية في مقاربة بولس، من طرابلس وبنغازي، يؤشر بشكل واضح إلى عدم قدرة البعثة على تجاوز الانخراط الأميركي الكثيف، وربما ستضطر في المرحلة الحالية إلى مواءمة توصيات الحوار المهيكل بما يلتقي مع المسار الأميركي.
لكن النفاتي يستدرك بالتنبيه إلى أن المقاربة الأميركية" لا تزال تحيط بها الكثير من المحاذير"، ومن أبرزها عدم وضوح المواقف الدولية منها، لا سيما الأطراف الإقليمية المعنية بليبيا، مثل القاهرة وأنقرة وعدد من العواصم الأوروبية.
ويذكر النفاتي محاذير أخرى، من بينها أن المقاربة الأميركية لم تعلن بشكل رسمي، فهي غير واضحة داخل واشنطن من حيث خلفيتها المرجعية السياسية والمؤسسية، موضحاً أن الشخصيات الأميركية تتحرك داخل هذا المسار من مواقع مختلفة؛ فبينما لا يملك بولس صفة تنفيذية ويتحرك بصفته مستشاراً للرئيس الأميركي، يتحرك برنت ممثلاً لسياسات بلاده باعتباره القائم بأعمال السفارة.
ويشير النفاتي إلى جملة من التعقيدات التي تتخلل المقاربة الأميركية وتجعلها عصية على الفهم، ومنها أنها تتحرك بناء على مكتسبات عسكرية حققتها أفريكوم التابعة للبنتاغون، واتفاق الميزانية المالية الذي رعته وزارة الخزانة الأميركية، لينتهي إلى سؤال يراه مهماً: " أين تقع مقاربة بولس وتحركات المسؤولين الأميركيين الآخرين فعلياً داخل المؤسسة الأميركية الرسمية؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك