في تاريخ الفكر السوداني الحديث، برزت محاولات عديدة للتوفيق بين الإسلام ومتطلبات العصر، لكن التجربة الجمهورية التي قادها محمود محمد طه تظل من أكثرها إثارة للجدل وأشدها جرأةفالجمهوريون لم ينطلقوا من رفض الإسلام أو القطيعة معه، بل سعوا إلى إعادة قراءته من منظور يضع الإنسان في مركز الاهتمامولهذا يمكن النظر إلى مشروعهم باعتباره محاولة مبكرة لـ«أنسنة الإسلام»، أي البحث عن المعاني التي تجعل الحرية والكرامة والمساواة جوهر الرسالة الدينية لا مجرد نتائج جانبية لهاالإسلام والإنسان- إعادة صياغة السؤالفي أغلب النقاشات السودانية والعربية المعاصرة، يبرز سؤال متكرر وهو ما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة؟أما الجمهوريون فقد حاولوا طرح سؤال مختلف- ما أثر هذا الحكم على كرامة الإنسان وحريته؟هنا تكمن خصوصية المشروع الجمهوري , فالإنسان، في نظر محمود محمد طه، ليس مجرد تابع للدولة أو الجماعة أو المؤسسة الدينية، بل هو محور التجربة الدينية وغايتها الأساسية.
ويعبر عن ذلك بقوله –“أول ما تجب الإشارة إليه هو أن الفرد في الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، بما في ذلك وسيلة القرآن، والإسلام… الفرد البشري – امرأة كان أو رجلاً – يجب ألا يتخذ وسيلة إلى غاية وراءه، وإنما هو الغاية التي تؤدي إليها جميع الوسائل”(الرسالة الثانية من الإسلام)من هذا المنطلق لم يعد الدين مجرد منظومة أوامر ونواهٍ تُفرض على الإنسان، بل أصبح رسالة تهدف إلى تحريره من الخوف والاستبداد والتمييز وكل ما ينتقص من كرامته وإنسانيتهسعى الفكر الجمهوري إلى نقل مركز الثقل في الفهم الديني من التركيز على السلطة والتشريع إلى التركيز على الحرية والأخلاق.
ويمكن تلخيص هذا التحول في عدة انتقالات أساسية –من الجماعة إلى الفرد المسؤول.
من النصوص المرحلية إلى المقاصد الإنسانية الكبرى.
من التشريع بوصفه غاية إلى الأخلاق بوصفها روح الدين.
وفي هذا السياق يؤكد محمود محمد طه-“فالحرية في الإسلام مطلقة، وهي حق لكل فرد بشري، من حيث أنه بشري، بصرف النظر عن ملته أو عنصره… والقوانين الدستورية في الإسلام هي القوانين التي تملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة”لهذا رأى الجمهوريون أن جوهر الإسلام لا يكمن في الإكثار من القوانين والعقوبات، وإنما في بناء إنسان حر ومسؤول أخلاقياً عن أفعاله واختياراتهالمواطنة بوصفها قيمة دينيةواحدة من أهم نتائج هذه الرؤية هي مفهوم المواطنة.
فالمواطن لا تُقاس قيمته بدينه أو عرقه أو قبيلته أو جنسه، بل بإنسانيته أولاً-ومن هذا الفهم يصبح الدفاع عن حقوق المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية الضمير، والمساواة أمام القانون، جزءاً من جوهر المشروع الديني نفسه، لا تنازلاً أمام الحداثة أو استجابة لضغوط خارجيةلقد حاول الجمهوريون تأسيس مفهوم للمواطنة يتجاوز الانقسامات التقليدية التي ظلت تؤرق المجتمع السوداني، ويجعل الانتماء للوطن قائماً على المساواة والحقوق المشتركة لا على الامتيازات الموروثةفي كثير من الخطابات الأيديولوجية يتم التعامل مع المختلف دينياً أو ثقافياً باعتباره خصماً أو تهديداًأما في الفكر الجمهوري فإن التعددية تُفهم باعتبارها جزءاً من حكمة الخلق وسنة الحياةفالاختلاف ليس خطراً يجب القضاء عليه، وإنما حقيقة إنسانية يمكن أن تكون مصدر إثراء للمجتمع.
ولذلك دعا الجمهوريون إلى الحوار والتسامح والاعتراف المتبادل بين الجماعات المختلفة، بدلاً من منطق الإقصاء والاستعلاءالحرب والعنصرية- نقيض المشروع الإنسانيإذا كانت أنسنة الإسلام تعني الارتقاء بالإنسان وحماية كرامته، فإن الحرب تمثل نقيض هذا المشروعفالحرب تحوّل الإنسان إلى رقم، وتُخضع الأخلاق لمنطق القوة والعنفوكذلك العنصرية والجهوية والعصبية القبلية، فهي تقوم على التمييز بين البشر على أسس لا علاقة لها بقيمتهم الإنسانيةولهذا فإن الفكر الجمهوري، في جوهره، يقف ضد كل أشكال التمييز التي تنتقص من المساواة بين الناسوفي واقع السودان المعاصر، حيث تتقاطع الحرب مع الانقسامات الجهوية والإثنية، تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لأنها تضع الإنسان قبل القبيلة، والمواطنة قبل الانتماءات الضيقةالإرث الأخلاقي للفكرة الجمهوريةقد يختلف الناس حول اجتهادات محمود محمد طه الدينية أو تأويلاته للنصوص الإسلامية، لكن من الصعب إنكار أن مشروعه طرح سؤالاً أخلاقياً وفكرياً لا يزال حاضراً حتى اليومكيف يمكن للدين أن يكون قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه؟تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يعيد توجيه النقاش من الصراع حول السلطة إلى البحث عن المعنى الإنساني للدين.
وربما لهذا السبب لا تزال الفكرة الجمهورية حاضرة في النقاش السوداني رغم مرور عقود على ظهورهافي زمن تتنازع فيه السودان الحروب والأيديولوجيات المغلقة والهويات الضيقة، تقدم محاولة الجمهوريين نموذجاً مبكراً لأنسنة الإسلام داخل المجال السوداني؛ نموذجاً يرى في الحرية شرطاً للإيمان، وفي الكرامة الإنسانية محوراً للتشريع، وفي المواطنة أساساً للعيش المشتركهذا التصور لا يدعي الكمال، لكنه يفتح أفقاً مهماً للتفكير في مستقبل العلاقة بين الدين والإنسان.
فالتحدي الحقيقي أمام الفكر الإسلامي المعاصر ربما لا يكمن فقط في تفسير النصوص، وإنما في قدرته على صون كرامة الإنسان وجعلها في قلب المشروع الديني نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك