العربي الجديد - "الدعم السريع" تقتل 5 مدنيين وتحرق 8 قرى في شمال دارفور CNN بالعربية - أول تعليق من إيران بعد التوصل لاتفاق مع أمريكا: هذه البنود تنفذ فورًا العربي الجديد - الشركات البريطانية هدف لموجة استحواذ واندماج من منافستها الأميركية BBC عربي - سم الفئران يقتل طفلا بدلاً من القوارض في غزة العربي الجديد - 3 أسباب وراء تراجع الأسهم الأوروبية أمام مكاسب الأسواق العالمية قناة الجزيرة مباشر - رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري: قطر ستبقى داعما لكل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين العربي الجديد - باكستان تعلن عن اتفاق سلام.. وترامب يأمر برفع الحصار عن إيران العربي الجديد - اليابان تنتزع التعادل من هولندا وآسيا تواصل فرض حضورها في المونديال إيلاف - إيران تتخلى عن طموحها النووي BBC عربي - "هكذا بدأ الحلم الفنلندي يراودني": تحقيق لبي بي سي يكشف استغلال وكالات تعليمية وسيطة لأحلام الشباب الطامحين إلى حياة أفضل
عامة

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (15

سودانايل الإلكترونية

المبادرة الليبية المصرية 2001كانت المحطات السابقة لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان التي توقّفنا عندها في هذه السلسلة من المقالات هي: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ومبادئ الإيقا...

المبادرة الليبية المصرية 2001كانت المحطات السابقة لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان التي توقّفنا عندها في هذه السلسلة من المقالات هي: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ومبادئ الإيقاد 1994، ولقاء وإعلان نيروبي 1993، ثم إعلان واشنطن 1993.

وقد تلى ذلك صدور مبادئ الإيقاد عام 1994، ثم اتقاق أسمرا الرباعي عام 1994، وإعلان أسمرا عام 1995 (مؤتمر القرارات المصيرية).

ثم جاءت اتفاقية الخرطوم للسلام (ميثاق السلام 1996، واتفاقية الخرطوم 1997، ثم اتفاقية فشودة 1997) لتؤكد ذلك الحق بوضوحٍ وتفصيل.

وكأن هذا لا يكفي، فقد قامت حكومة الإنقاذ بتضمين ذلك الحق في دستور السودان لعام 1998، كما ناقشنا في المقال قبل السابق.

وقد شمل العدد الأكبر من وثائق التفاوض والاتفاقيات من هذه المحطات نصوصاً صريحةً وواضحةً تعترف بحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

وقد ناقشنا في المقال السابق أيضاً توالي مجموعةٍ من الأحداث الجسام على المشهد السوداني في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

شملت تلك الأحداث انشقاق الحزب الحاكم بين مجموعة المنشيّة بقيادة الدكتور حسن الترابي ومجموعة القصر بقيادة الرئيس البشير.

كما شملت أيضاً خروج حزب الأمة من التجمّع الوطني الديمقراطي بعد توقيعه على اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ.

وتبع ذلك انشقاق حزب الأمة نفسه.

كما شملت الأحداث انشقاقات القيادة الشرعية وانضمام أحد قياداتها لحكومة الإنقاذ.

وتوالى مع ذلك انهيار عملية السلام من الداخل التي استثمرت فيها حكومة الإنقاذ الكثير من المال والجهد والوقت، وعاد روادها الجنوبيون تباعاً لحضن الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.

لكن الحركة الشعبية لتحرير السودان نجحت في تجاوز هذه التطورات.

فقد وقّع حزب الأمة على اتفاق جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999 (كما ناقشنا في المقال قبل السابق).

وأكّد الحزب في ذلك الاتفاق حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحدّد الفترة الانتقالية بأربعة أعوام.

كما استطاعت الحركة الشعبية انتزاع حق تقرير المصير من حزب المؤتمر الشعبي الذي انشقّ من الحركة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم، عندما وقّع الطرفان على اتفاق جنيف في فبراير عام 2001، كما ناقشنا في المقال السابق.

وكأن هذه التطورات المرتبكة المتسارعة في الساحة السودانية لم تكن كافيةً، فقد برز مع نهاية العقد الأخير للتسعينيات تطورٌ خطيرٌ آخر كان له تأثيراته على النزاع السوداني وعلى مجمل عملية التفاوض وأطرافها الثلاثة: حكومة الإنقاذ، والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتجمّع الوطني الديمقراطي.

كان هذا التطور الخطير هو قفز ليبيا ومصر على حلبة الوسطاء في النزاع السوداني، وتبنيهما مبادرةً منافسةً ومغايرةً لمبادرة الإيقاد، كما سنناقش في هذا المقال.

بدعوةٍ من الحكومة الليبية، عقدت قيادات التجمّع الوطني الديمقراطي اجتماعاً موسّعاً مطوّلاً في طرابلس في يوليو عام 1999.

كان ذلك قبل أربعة أشهرٍ من لقاء واتفاق جيبوتي الذي وقّعه حزب الأمة مع حكومة الإنقاذ في نوفمبر عام 1999.

كما جرى اجتماع طرابلس في نفس الشهر الذي انتهت فيه الجولة الثامنة لمفاوضات الإيقاد بدون نتائج، وصدر فيه قرار مفاوضي الإيقاد بوقف التفاوض.

عرضت الحكومة الليبية خلال ذلك الاجتماع مبادرةً لحل المشكلة السودانية، تمثّلت في وقفٍ كاملٍ لكل الأعمال العسكرية، وبدء حوارٍ مباشرٍ بين حكومة الإنقاذ، والحركة الشعبية، والمعارضة ممثلةً في التجمّع الوطني الديمقراطي، يهدف لحلِّ كل مشاكل السودان العالقة.

وفي أغسطس من ذاك العام (1999) تبنّت مصر الأفكار الليبية، وأصبح الاسم الرسمي للمبادرة هو “المبادرة الليبية المصرية”، ويُشار إليها أيضاً “بالمبادرة المشتركة.

”وقد اندهش الكثير من المراقبين لقفز مصر في حلبة النزاع السوداني بتلك الصورة المتأخّرة.

لكن يبدو أن مصر كانت تراقب الأحداث المتسارعة والمتوالية لتقرّر كيف ومتى تتعامل معها.

ارتكزت المبادرة الليبية المصرية ارتكازاً تاماً على عقد مؤتمرٍ دستوريٍ شاملٍ لكل الأطراف السودانية لمناقشة كافة القضايا السودانية، والاتفاق على حلولٍ لها.

ولم تشمل المبادرة الليبية المصرية أية إشارةٍ إلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، أو لمسألة الدين والدولة.

كان واضحاً أن هذه المبادرة، إن تمّ لها النجاح، ستلغي بجرّة قلم كل الإنجازات التي حقّقتها الحركة الشعبية خلال الثماني أعوام الماضية.

وقد تمثّلت تلك الإنجازات في انتزاع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من خلال مبادرة الإيقاد، وأيضاً من خلال الاتفاقيات التي عقدتها الحركة مع أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي.

وشملت الإنجازات كذلك اتفاقيات الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية مع حكومة الإنقاذ.

عليه فقد قامت الحركة الشعبية بالتحفّظ على المبادرة الليبية المصرية بحجّة ازدواج المبادرات.

من الجانب الآخر فقد قبلتها حكومة الإنقاذ حال إعلانها لأنها رأت فيها مخرجاً من مأزق مبادرة الإيقاد واتفاقية الخرطوم للسلام وإعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية.

وقد رحّب التجمّع الوطني الديمقراطي بالمبادرة لأنها كانت ستعطيه مقعداً حول طاولة التفاوض، والذي حرمته منها مبادرة الإيقاد واتفاقيات السلام من الداخل.

وقد تبنّى حزب الأمة المبادرة الليبية المصرية تبنّياً كاملاً لنفس هذا السبب، ولأنه وجد فيها مدخلاً وتأييداً لموقفه الجديد الداعي للحوار مع نظام الانقاذ، ولعقد المؤتمر القومي (أو الدستوري) الذي ظلّ ينادي به خلال العامين الماضيين (رغم رفضه السابق والصارم لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق اللتين نادتا بذات المؤتمر).

حدث هذا التبنّي رغم اعتراف حزب الأمة الصريح بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في اتفاق جيبوتي، ومن قبله في اتفاق شقدوم.

وقد أصبحت المبادرة الليبية المصرية سبباً ومنطلقاً أساسياً للخلاف بين حزب الأمة والحركة الشعبية، وتحوّلت إثر ذلك حربُ الرسائل بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق إلى حرب المبادرات – المبادرة الليبية المصرية، ومبادرة الإيقاد (وسنتناول كما ذكرنا من قبل، في سلسلة مقالاتٍ منفصلةٍ قادمةٍ بعنوان: حروب الرسائل والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق).

ولا بد أن المراقبين للنزاع السوداني قد لاحظوا العنصر والتمحور العربي في المبادرة الليبية المصرية، وتبنّي السيد الصادق المهدي لها من جانب، والعنصر والتمحور الأفريقي في مبادرة الإيقاد التي تمسّك بها الدكتور جون قرنق من الجانب الآخر.

فالسيد الصادق المهدي لم يكن يثق في الموقف الأفريقي بسبب قربه الثقافي والعرقي مع جنوب السودان، ودعوته إلى علمانية الدولة السودانية، بينما كان الدكتور قرنق في ارتيابٍ تامٍ من المحاولات الليبية المصرية، وفي دوافعها وتوقيتها وخفاياها وخباياها.

مما لاشك فيه أن المبادرة الليبية المصرية كانت محاولةً أخيرةً لتقفز مصر من خلالها على سفينة المبادرات، وتُوقِف مدّ مبادرة الإيقاد التي كانت الحياة الكاملة قد بدأت في العودة إليها.

من المؤكّد أن مياه النيل، واحتمال بروز دولة نيلية حادية عشر (دولة جنوب السودان)، وآمال مصر في إكمال بناء قناة جونقلي، كانت الأسباب الرئيسية لدخول مصر حلبة المبادرات حول السودان، مثلما كانت الأسباب لدفعها مبادرة السلام السودانية (اتفاق الميرغني وقرنق) عام 1988، كما ناقشنا من قبل.

ويُلاحظ في هذه المبادرة ميلاد تحالفٍ جديدٍ بين حزب الأمة ومصر، ونهاية العلاقات التاريخية المضطربة – إن لم نقل العدائية – بين هذين الطرفين.

تواصلت الاجتماعات والنقاش حول المبادرة الليبية المصرية، وواصلت الدولتان محاولة بلورة بنودها.

وفي 30 يونيو عام 2001 سلّم مندوبا الدولتين وثيقةً حول المبادرة تحمل إسم: “مبادئ وأسس الوفاق الوطني السوداني المقترحة من دولتي المبادرة المشتركة (المبادرة الليبية – المصرية)” للحكومة السودانية، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وقيادة التجمّع الوطني الديمقراطي.

حدث هذا التطور بعد حوالي العام والنصف على توقيع اتفاقية جيبوتي بين حكومة الإنقاذ وحزب الأمة في نوفمبر عام 1999، وبعد قرابة العامين من بروز فكرة المبادرة في شهر يوليو عام 1999.

تكوّنت وثيقة المبادرة الليبية المصرية من ديباجة وتسع نقاط.

أشادت الديباجة بالترابط الاستراتيجي بين جمهورية مصر العربية والجماهيرية الليبية العظمى وجمهورية السودان، وأكّدت المسئولية التاريخية للدولتين بالحفاظ على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة سرعة وتفعيل الاتفاق على خطواتٍ محدّدة للتمهيد لبدء الحوار بين أطراف النزاع السودانية المختلفة وإنجاح المفاوضات.

وأعلنت المبادرة تعهّد الأطراف بالعمل من أجل تحقيق السلام والوفاق الوطني الشامل في السودان وفقاً للمبادئ التالية:وحدة السودان أرضاً وشعباً.

المواطنة في السودان هي الأساس في ممارسة الحقوق وأداء الواجبات.

الاعتراف بالتعدّد العرقي والديني والثقافي للشعب السوداني.

ضمان مبدأ الديمقراطية التعدّدية، استقلال القضاء، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكفالة حرية التعبير والتنظيم وفقاً للقانون.

كفالة الحريات الأساسية، وضمان حقوق ممارستها، والالتزام برعاية حقوق الإنسان كافةً، وفقاً للمواثيق الدولية المعتمدة والقيم السائدة في المجتمع.

إقامة نظام حكمٍ لامركزيٍ في إطار وحدة السودان، وبما يكفل تحقيق التنمية المتوازنة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وقومية القوات المسلحة وأمن المجتمع والمواطنين.

انتهاج سياسةٍ خارجيةٍ تراعي تحقيق المصالح القومية للبلاد، وتؤكّد على استقلال القرار الوطني، وتحترم المبادئ والأسس الواردة في المواثيق والعهود الدولية، بما في ذلك مبدأ حسن الجوار.

كفالة الدستور والقانون للتعدّدية، والحريات المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، ولوحدة السودان أرضاً وشعباً، وتشكيل حكومة انتقالية تُمثّل فيها كافة القوى السياسية، وتتولّى تنفيذ كافة بنود الاتفاق السياسي، وتنظيم انعقاد مؤتمر قومي لمراجعة الدستور، وتحديد موعد وترتيبات الانتخابات العامة القادمة، وفقاً لما يتم الاتفاق عليه في المؤتمر الدستوري.

تعهد الأطراف جميعاً بالوقف الفوري والشامل للحرب، ونبذ الاقتتال بكافة أشكاله وذلك في حالة الاتفاق على المبادئ المذكورة عاليه (البنود 1 – 8).

وهكذا وببساطةٍ تعكس عدم الإلمام، أو عدم الاكتراث، بخلفية وتطوّرات وتعقيدات التفاوض بين الأطراف، حاولت المبادرة الليبية المصرية وأد الإنجازات التي حقّقتها الحركة الشعبية، وذلك بطي ملفي حق تقرير المصير والدين والدولة، والعودة بالمفاوضات إلى وضعٍ شبيهٍ بإعلان كوكا دام 1985، ومبادرة السلام السودانية لعام 1988 (اتفاق الميرغني قرنق).

فقد نادت اتفاقية الميرغني قرنق بعقد مؤتمرٍ دستوري، وكذلك نادى إعلان كوكا دام والمبادرة الليبية المصرية بتنظيم انعقاد مؤتمر قومي لمراجعة الدستور.

غير أن المبادرة الليبية المصرية لم تتطرّق من قريبٍ أو بعيدٍ لمسألة قوانين سبتمبر، ولم تُثرْ حتى مسألة تجميدها، كما اقترحت اتفاقية الميرغني قرنق قبل أكثر من عشرة أعوام.

لكن الأخطر للحركة الشعبية هو عدم تطرّق المبادرة لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من قريبٍ أو بعيد، والاستعاضة عن ذلك بلغةٍ فضفاضةٍ عن إقامة نظام حكمٍ لامركزي في إطار وحدة السودان.

وهي لغةٌ شبيهةٌ بلغة الأحزاب الشمالية خلال مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 عندما رفضت هذه الأحزاب مطلب جنوب السودان للفيدرالية.

قبلت الحكومة السودانية والتجمع الوطني الديمقراطي المبادرة فور إعلانها.

وقبلها أيضاً حزب الأمة الذي وصفها بالواقعية لأنها تعطي كل أطراف النزاع مقعداً حول طاولة التفاوض، وتعيد إلى الواجهة مقترح المؤتمر الدستوري الذي أصبح في اعتقاد السيد الصادق المهدي المرهم السحري الذي سيحلُّ كلَّ مشاكل وهموم السودان (رغم رفضه التام له في إعلان كوكا دام، وتلكؤه في قبول وتفعيل اتفاقية الميرغني قرنق).

ولا بد من أضافة أن اتفاق جيبوتي بين حكومة الإنقاذ وحزب الأمة تضمّن فقراتٍ ترحّب بالمبادرة الليبية المصرية، وتدعو أيضاً للمؤتمر الدستوري، وتطالب بالتنسيق بين المبادرة الليبية المصرية ومبادرة الإيقاد.

وكما ذكرنا أعلاه فقد تم التوقيع على اتفاق جيبوتي في 25 نوفمبر عام 1999، أي قبل حوالي العام والنصف من صدور المبادرة الليبية المصرية رسمياً في 30 يونيو عام 2001.

وهذا يعني أن السيد الصادق المهدي قد رحب بالمبادرة الليبية المصرية فبل أن تتبلور بنودها وتصدر رسمياً.

في أغسطس عام 2001 رحّبت الحركة الشعبية بالمبادرة الليبية المصرية ولكنها طالبت بإضافة حق تقرير المصير، وفصل الدين عن الدولة، وإعداد دستورٍ انتقاليٍ، وقيام حكومةٍ قوميةٍ.

ودون شكٍ فقد مثّل ترحيب الحركة بالمبادرة، مع إضافة مطالبها الأربعة الكبيرة تلك، سُخريةً تامةً بالمبادرة.

فكيف يمكن إضافة أربعة طوابقٍ لمنزلٍ يقوم أساسه على طابقٍ واحد؟كما أن ذلك الترحيب الساخر بالمبادرة الليبية قد أكّد مقدرات الحركة الشعبية الدبلوماسية التي عرفت جيداً كيف تتعامل مع المبادرة الليبية المصرية.

فقد رحبت الحركة بالمبادرة، لكنها أضافت إليها مطالب تلغي تماماً الأرضية التي استندت عليها المبادرة، بدلاً من رفضها أو التحفّظ على بعض بنودها، واستعداء ليبيا ومصر، والظهور بمظهر المفاوض المتعنّت.

رحّب التجمّع الوطني أيضاً بالمبادرة التي ستدخله حلبة التفاوض وتعطيه مقعداً هناك يشارك من خلاله في صياغة واتخاذ القرار لأول مرة في قضايا السودان.

وبرز الحديث في أوساط قيادات التجمّع الوطني عن التنسيق بين المبادرتين (مثلما أشار اتفاق جيبوتي)، وكأن هذا التنسيق ممكنٌ فعلاً بين مبادرةٍ ترتكز ارتكازاً تاماً على حق تقرير المصير، وأخرى تتجاهل ذلك الحق وتتبنّى بديلاً له مؤتمر قومي لمنافشة القضايا الدستورية.

غير أن ترسّبات الخلافات بين حزب الأمة وبقية الأحزاب والقيادات في التجمّع (والتي نتجت من توقيع حزب الأمة على اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ، ومغادرة الحزب للتجمع الوطني الديمقراطي) ساهمت بصورةٍ فاعلةٍ في أفول نجم المبادرة الليبية المصرية.

فقد ارتبطت المبادرة الليبية المصرية ارتباطاً وثيقاً بالسيد الصادق المهدي واتفاق جيبوتي، وصارت محوراً للصراع بينه وبين الدكتور جون قرنق.

أصبح كلٌ منهما يحمل مبادرته (السيد الصادق المهدي المبادرة الليبية المصرية، والدكتور جون قرنق مبادرة الإيقاد)، ويصارع الآخر صراعاً محموماً من أجلها.

وتدريجياً أصبح الحديث داخل بعض فئات التجمّع عن المبادرة الليبية المصرية يعني الوقوف في جانب اتفاق جيبوتي والسيد الصادق المهدي، وحتى مع حكومة الانقاذ.

وقد أشارت أطرافٌ في التجمّع في نقاشاتها إلى التشابه في القضايا العمومية واللغة بين المبادرة الليبية المصرية واتفاق جيبوتي، مما أوحى بدورٍ كبيرٍ من وراء الكواليس للسيد الصادق المهدي في صياغة المبادرة ودفعها.

بالإضافة إلى هذا، فلم يكن هناك أي حماسٍ للمبادرة الليبية المصرية من الولايات المتحدة الأمريكية، أو الدول الأوروبية التي عُرِفت بأصدقاء أو شركاء الإيقاد، أو دول الإيقاد نفسها.

فالمبادرة الليبية المصرية سوف تعيد التفاوض إلى المربع الأول، وتضيف أطرافاً جديدة، مما يهدّد بنسف كل الإنجازات التي تمّ التوصّل إليها خلال السبعة أعوامٍ الماضية تحت مظلة الإيقاد.

وكان يبدو أن مصر نفسها (سواءٌ كان ذلك بضغوطٍ أمريكية وأوروبية أم لأسبابٍ خاصةٍ بها) بدأت تدريجياً في فقدان حماسها لمبادرتها المشتركة مع ليبيا.

وربما كان من بين أسباب تراخي حماس مصر للمبادرة ترسّبات محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك بواسطة نظام الإنقاذ.

ويضيف آخرون أن إصرار الرئيس القذافي على قيادة المبادرة والإشراف عليها قد قلّل كثبراً من الحماس المصري لها.

فالمبادرة قد انطلقت من طرابلس، وكان موقف ليبيا أن تتواصل من هناك أيضاً.

ويبدو الارتباك في بنود المبادرة نفسها واضحاً، خصوصاً عندما يصل القارئ إلى الفقرة التي يطالب فيها نظاما مبارك والقذافي بضمان مبدأ الديمقراطية التعدّدية والحريات العامة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات في السودان.

مع بداية عام 2002 كانت المبادرة الليبية المصرية تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي لم تبلغ من العمر الرسمي عاماً واحداً.

كان واضحاً انها جاءت متأخرةً عشرة أعوامٍ على الأقل، وحاولت في سذاجةٍ كبيرة القفز عبر أكبر إنجازٍ للحركة الشعبية لتحرير السودان – حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان الذي انبنت عليه مبادئ الإيقاد في 20 يوليو عام 1994.

وهو إنجازٌ هائلٌ تمّ الوصول إليه عبر طريقٍ طويلٍ شائكٍ ووعرٍ، وبحنكةٍ وذكاءٍ كبيرين، ووصل طوراً متقدّماً في التفاوض في تفاصيله عندما برزت المبادرة الليبية المصرية.

يُلاحظ القارئ أن حلقةً مهمةً من حلقات التفاوض والاتفاق حول حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان ظلّت مفقودةً منذ بداية التفاوض.

هذه الحلقة هي حلقة التفاوض المباشر والاتفاق بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.

فقد تم التوصّل لاتفاقيات حق تقرير المصير حتى ذلك الوقت بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقة من الحركة الشعبية من جانبٍ، وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان وأحزاب المعارضة الشمالية في التجمع الوطني الديمقراطي من الجانب الآخر.

وبدا التفاوض، كما ذكرنا من قبل، وكأنه يسير في خطين متوازيين.

غير أن حلقة حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم لم تظل مفقودةً أو غائبةً لوقتٍ طويل.

كما أن التوازي لم يتواصل في هذين الخطين للتفاوض.

فقد حملت الحركة الشعبية كل هذه الاتفاقيات المتعدّدة (سواءٌ كانت الحركة طرفاً فيها أم لا) في حقائبها إلى جولات تفاوض الإيقاد الثالثة (الحلقة الثالثة من التفاوض – الإيقاد 3).

وكانت حلقة جولات الإيقاد الثالثة للتفاوض الثالثة قد بدأت في مطلع عام 2002، بعد أسابيع قليلةٍ من أفول شمس المبادرة الليبية المصرية.

وقد انتهت تلك الحلقة بالتوقيع على بروتوكول مشاكوس بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان في 20 يوليو عام 2002.

لا بد من التوضيح أن بروتوكول مشاكوس هو أول اتفاقٍ مباشرٍ بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان.

وهو أيضاً أهم وأخطر الاتفاقيات في تاريخ السودان المعاصر، كما سنناقش بالتفصيل في المقالات القادمة من هذه السلسلة من المقالات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك