Independent عربية - هل تحرك نهاية الحرب بين واشنطن وطهران جمود "اتفاق غزة"؟ قناة الغد - قطاع غزة.. تقرير رسمي يوثق آلاف الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار وكالة الأناضول - كاتس يتحدث عن رفض إسرائيل سحب جيشها من لبنان "رغم الضغوط" يني شفق العربية - غزة.. 6 شهداء جدد يرفعون حصيلة الإبادة إلى 73 ألفاً فرانس 24 - إعلان التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن.. ما الأصداء في إيران؟ روسيا اليوم - توغل إسرائيلي في ريف القنيطرة واستهداف بالرشاشات للسهول الزراعية في ريف درعا Independent عربية - أزمة خبز في السودان والأسعار تتضاعف فرانس 24 - الحكومة تصدر اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب.. هل يتقلص عدد اللاجئين في مصر - هوا مصر - فرانس 24 قناة الغد - بريطانيا تتجه لحظر السوشيال ميديا عن الصغار فرانس 24 - هل توقفت العمليات العسكرية في لبنان بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
عامة

"ظلال التيتانيك" محمد الحجيري.. استعارة الكارثة لمنفى لبناني مديد

العربي الجديد
العربي الجديد منذ ساعتين
1

تفتح رواية" ظلال التيتانيك: حكاية متري" (دار نلسن، بيروت، 2026) للكاتب محمد الحجيري مساحة لتأمّل عثرات الكائن المعلّق في منافيه البعيدة. يتحول فعل التذكر في هذا النص إلى ملاذ أخير، ومحاولة دؤوبة يلوذ ...

تفتح رواية" ظلال التيتانيك: حكاية متري" (دار نلسن، بيروت، 2026) للكاتب محمد الحجيري مساحة لتأمّل عثرات الكائن المعلّق في منافيه البعيدة.

يتحول فعل التذكر في هذا النص إلى ملاذ أخير، ومحاولة دؤوبة يلوذ بها بطل ثمانيني لتأجيل الموت ومواجهة فناء الجسد في عالم يتصف بالهشاشة والزوال.

فيتتبع الكاتب سيرة متري الذي أمضى خمسين عاماً من عمره في مدينة أوتاوا الكندية، محملاً بهواجسه وعذاباته القديمة، ليغدو السرد جسراً يربط بهدوء بين حرارة الحلم البيروتي في السبعينيات وصقيع الغربة التي تقضم سنوات العمر وتترك الروح مكشوفة أمام أسئلة الهوية.

تختار الرواية إيقاعاً سردياً سريعاً يوضح أن الحدث في حد ذاته يقع في مرتبة ثانوية خلف الآثار النفسية التي يتركها في الشخوص.

يجد متري نفسه في ثمانينياته وقد تقوس ظهره كصرصار كافكا، مواجهاً وطأة الوقت ورتابة الأشياء التي تسير وفق عقارب الساعة.

هذا النفور من الزمن وقيوده يدق ناقوس الشيخوخة، فيتحول السرد لديه إلى أداة لمقاومة الفناء ولملمة الشظايا المتبقية من الذكريات الملونة التي سبقت زواجه.

هجرة يتوارثها الأحفاد عن الأجداد هرباً من عنف السياسةتشكل الخيانة المحور الأساسي الذي تدور حوله عذابات البطل؛ فخيانة زوجته بنت السمراني، ترافقه في مغتربه كالعار الذي لا يزول.

يعيش متري مع زوجته تحت سقف واحد لنصف قرن وهو يضمر رغبة في الطلاق والانتقام، لكنه يعجز عن العيش دونها.

يطرح النص تساؤلاً حول طبيعة هذه الخيانة؛ هل كانت واقعاً أم توهمات وهلوسات شيخوخة وصوراً من الحب البديل؟ يجد متري في هذه التموجات مادة صالحة للصياغة الروائية، معيداً إنتاج مأساة أورفيوس الذي تسبب التفاته إلى الخلف في خسارة حبه، ليمضي حياته باحثاً عن العواطف في بطون الكتب.

بالعودة إلى مناخات بيروت، تظهر ملامح الوعي الثقافي والسياسي للشخصية.

كان ارتياد نادي السينما في منطقة كليمنصو خلال السبعينيات يمثل لمتري طقساً يشبه الصلاة في معبد بديل.

في تلك الصالات، حيث ساد اعتقاد بين الشباب المتحمسين بأن الصورة قد تمتلك القدرة على تغيير النظام اللبناني وتحرير فلسطين، لكن الراوي يصف هؤلاء بأنهم يسكنون المرايا، حيث لا يرون سوى أنفسهم، ويعيدون صياغة العالم بناءً على مخيلاتهم وأحلامهم بعيداً عن الواقع المحُتَل الذبيح.

يتصادم خيال الصورة التي يعيشها هذا الجيل مع عنف الشارع وتشابكاته، وتتشكل حادثة توقيف متري من مسلحين في الشطر الغربي من بيروت، رفقة جارته وأختها، نقطة تحول في حياته.

إن الاطلاع على الهوية الشخصية لمتري نصر الله، المولود في كفر مشكي 1945، وينتمي إلى الروم الأرثوذكس، يضعه في مواجهة مباشرة مع فرز الهويات على أساس طائفي.

تأتي رحلة الخروج لتضيف دلالات واضحة على التمزق.

يبرز مزيج طبيعة الهوية اللبنانية المتعددة التي حاولت الحرب قولبتها وتقسيمها مع إقلاع الطائرة في يونيو/حزيران 1976، حين يدمدم متري صلوات يختلط فيها الإنجيل بآيات قرآنية حفظها عن والده المؤذن، مخلفاً وراءه كتبه المكدسة للغبار.

سلالات النزوح وثمن الغريبيضيء الحوار بين متري وشاب مغترب تنحدر أصوله من القرية نفسها (كفر مشكي) على موجات الهجرة القديمة التي بدأت عام 1890 نحو مقاطعة ساسكاتشوان، وكيف تلاشت ملامح الأجداد مع مرور العقود حتى غاب أصلهم اللبناني عن محيطهم الجديد.

وتُستدعى فاجعة غرق سفينة خاصة كانت تحمل اثني عشر مواطناً من أبناء كفر مشكي، وهي كارثة محلية ضاعت أسماء ضحاياها في غبار الإمبراطورية العثمانية المحتضرة، في زمن كان فيه لبنان جزءاً من سورية الطبيعية ويفتقر إلى مؤسسات أو محاكم لحماية ورعاية الفلاحين في وادي البقاع.

سردٌ يضيء وقائع المنطقة ومصائرها أواخر العهد العثمانييقيم الحجيري مقاربة دلالية وفلسفية بين غرق سفينة أبناء القرية وكارثة سفينة التيتانيك العملاقة، ليطرح من خلالهما الأسئلة الكبرى حول المسؤولية وصناعة الموت.

فبينما أدانت محاكم التحقيق البريطانية والأميركية المدعو" سميث" قائد التيتانيك بعد أكثر من أربع سنوات على الفاجعة.

يوجه النص أصابع الاتهام نحو القائمين على التخطيط؛ أولئك الذين هندسوا البنية، وهو إسقاط يعيد قراءة تصدع الكيان اللبناني الذي تتقاذفه الأمواج جراء عيوب بنيوية خطط لها صانعوه.

كما تتجلى مرارة المقاربة في رصد ثمن المغترب؛ فبينما توصلت شركة التيتانيك إلى تسوية مالية وافقت بموجبها على دفع 665 ألف دولار (حوالي 430 دولاراً عن كل روح فُقدت)، تلاشت دماء قرويّي كفر مشكي بلا تعويض أو اعتراف في غمار التحولات العثمانية، ليؤكد النص أن الإنسان الفارّ من بؤس الحياة يتحول في الحالتين إلى مجرد رقم زهيد في حسابات القوى الكبرى والشركات.

تؤكد الحكاية دائرة حلم الخلاص بالهجرة؛ فغرق تلك السفينة وموت المواطنين الاثني عشر، لم يمنع الناس من استمرار الهجرة؛ اتقاءً لواقع داخلي يزداد اضطراباً.

ويقدم الحجيري رصداً لمحطة أُخرى من التحولات الكبيرة تلت نهاية الحرب العالمية الأولى وزوال الإمبراطورية العثمانية، تمثلت في صعود حركة بقيادة الأمير فيصل هدفت إلى إنشاء المملكة العربية السورية وتوحيد أراضيها.

وفي مواجهة هذه الحركة، فرضت القوى الغربية نظام الانتداب الذي قسم البلاد ومنح فرنسا السيطرة على سورية ولبنان، مع الاعتراف بلبنان كياناً مستقلاً.

أدى هذا الترتيب إلى انتفاضة مناهضة بلغت ذروتها في ثورة الدروز الكبرى عام 1925، لتبدو الهجرة مساراً متوارثاً يتناقله الأحفاد عن الأجداد هرباً من تحولات السياسة وقسوة الطبيعة.

تأخذ شخصية الأب، جرجس نصر الله, حيزاً يجسد مأساة الشيخوخة والتعلق بالجذور.

يعيش الأب سنواته الأخيرة في قلق دائم، يقاوم النوم خوفاً من احتمالات الموت، وتزوره منامات موحشة بينما يظل عقله معلقاً بكفر مشكي.

يعاني الأب من عجز جسدي، ويواجه قسوة من زوجته لوتشيا التي بدت كأنها تثأر لسنوات شبابها التي ضاعت تحت سطوته وتقاليده الريفية.

ورغم الجفاء القديم بين متري وأمه في طفولته، فإنه ينحاز إليها في كندا تقديراً لمساندتها له، ويتفهم قسوتها وجفافها كناتج لمرض نفسي رافقها؛ فلا مفر من تحمل مسؤولية الموروث ولا سبيل للفكاك منه.

تنتهي الرواية بعبارة تلخص هذا المسار الوجودي للبطل: " حياة متري تتصدع ببطء، هو الذي نزح وهاجر بانتظار أن تنتهي الحرب ولم تنته".

هكذا يصدر الحجيري الحرب في المجتمع اللبناني في صورة عجز كائن في حقائب المهاجرين.

يواصل قضم روحهم وتفكيك كينونتهم حتى في أكثر المنافي صقيعاً وأمناً مع جيل علق في برزخ الانتظار وتوزع بين جغرافيا الوطن الضائع والمنفى الذي لم يمنح السكينة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك