عندما اكتشف قاضٍ أميركي، في وقت سابق من هذا العام، اقتباسات ملفقة في مذكرة قانونية قدمها أحد المحامين، أقرّ الأخير بأنه استخدم" كلود" (Claude)، روبوت الدردشة المعتمد على الذكاء الاصطناعي، لكتابة الوثيقة.
وأدى ذلك إلى تغريمه وإلزامه بحضور دورة تدريبية حول الاستخدام السليم للذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه القضية ليست سوى واحدة من سلسلة متزايدة من" هلوسات" الذكاء الاصطناعي التي بدأت تربك العمل القضائي، ما دفع بعض المحاكم إلى تشديد إجراءاتها بحق المحامين المتورطين في مثل هذه الأخطاء.
وكان القاضي جيري إدواردز الابن، من محكمة المقاطعة في ولاية لويزيانا، قد فرض العقوبة الشهر الماضي بعدما اكتشف هذه" الهلوسات" أثناء مراجعته طلباً قانونياً لمنع قبول أدلة في قضية إصابة شخصية.
وعثر القاضي على سبعة اقتباسات منسوبة إلى أحكام قضائية سابقة، إما أنها لم ترد في القرارات الأصلية أو جرى تحريف مضمونها.
وأوضح المحامي أن أحد المساعدين القانونيين اكتشف اقتباسات ملفقة أخرى في مسودة أولية، لكن بدلاً من مراجعة العمل بنفسه، طلب من" كلود" تصحيح الأخطاء، ثم قدّم المذكرة إلى المحكمة من دون تدقيقها.
ووفق مذكرة المحكمة الصادرة في 18 مايو/أيار، كان المحامي يعتقد أن المعلومات التي قدمها الذكاء الاصطناعي صحيحة.
وكتب القاضي: " لم يعد الجهل بمخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي عذراً"، فارضاً غرامة قدرها ألف دولار، إضافة إلى إلزام المحامي بحضور دورة تدريبية مدتها ثلاث ساعات حول الممارسة القانونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ورغم ذلك، وافق القاضي جزئياً على الطلب القانوني الذي قدمه المحامي.
ويرى المحامي الفرنسي، داميان شارلوتان، أن الأخطاء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لا تؤدي بالضرورة إلى خسارة القضية.
وأضاف لوكالة فرانس برس: " تتضرر مصداقية المحامي بشدة، لكن هناك قضايا فاز فيها محامون رغم وجود هلوسات، لأن موقفهم القانوني كان صحيحاً من حيث الجوهر".
لكنه أشار إلى مشكلات أخرى، إذ حذرت القاضية ليندا كيفينز، من المحكمة العليا لولاية نيويورك، في قرار صدر في يناير/كانون الثاني، من أن هذه الأخطاء تهدر وقت وأموال الخصوم والمحاكم.
وأشارت إلى أنها قد" تضر بسمعة القضاة والمحاكم الذين تُنسب إليهم زوراً آراء قضائية مزيفة".
ومنذ إبريل/نيسان 2023، يجمع شارلوتان قاعدة بيانات توثق مستندات قضائية تتضمن هلوسات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
وتضم القاعدة حتى الآن 1600 حالة من 35 دولة، تشمل اقتباسات وقضايا مختلقة، ومرافعات منسوخة، وإحالات قانونية خاطئة أو قديمة.
ورغم أن القاعدة تعتمد على مساهمات المستخدمين ولا تمثل حصراً نهائياً لجميع الحالات، فإن الولايات المتحدة تتصدر القائمة بـ1116 قضية، تليها كندا بـ173 قضية، ثم أستراليا بـ74 قضية، فبريطانيا بـ59 قضية.
وأوضح شارلوتان أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم في المجال القانوني للبحث عن السوابق القضائية وإعداد النصوص القانونية.
وأظهرت البيانات أن المحامين والمتقاضين الذين يمثلون أنفسهم واعتمدوا على مستندات تتضمن هلوسات، استخدموا غالباً روبوتات دردشة شائعة، وعلى رأسها" تشات جي بي تي" من شركة" أوبن إيه آي".
كما تشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي القانونية المتخصصة، المستخدمة في كثير من مكاتب المحاماة، أكثر موثوقية، لكنها ليست محصنة بالكامل ضد الأخطاء.
يقول شارلوتان: " يزدهر الذكاء الاصطناعي في التعرف إلى الأنماط.
وبما أن الاستشهادات والمرافعات القانونية تتبع صيغاً متشابهة، يصبح من السهل عليه إنتاج مراجع مزيفة تبدو صحيحة".
ويتابع: " لا يوجد محامٍ يعرف جميع القضايا السابقة، ولذلك فإن الطريقة الوحيدة للتأكد من صحة أي استشهاد قانوني ينتجه روبوت الدردشة هي التحقق منه".
لكن بعض المحامين لا يزالون لا يفعلون ذلك، بحسب القاضي سكوت شليغل، عضو فريق العمل المعني بالقانون والذكاء الاصطناعي في نقابة المحامين الأميركية (American Bar Association).
ويرى شليغل أن عدداً كبيراً من المحامين لا يدركون حتى الآن حدود هذه التكنولوجيا، بينما تُفاقم ضغوط الوقت المشكلة.
وأضاف في تصريح لوكالة فرانس برس خلال فبراير/شباط: " في هذه المرحلة، لا أفهم كيف لا تزال هذه المشكلة قائمة.
فقط قم بعملك واقرأ القضايا.
هيا! ".
ووفق بيانات شارلوتان، ارتفع عدد حالات" الهلوسة" في الملفات القضائية بمقدار ثمانية أضعاف خلال العام الماضي مقارنة بالاثني عشر شهراً السابقة.
ويعمل حالياً على اختبار أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المحامين على اكتشاف هذه الأخطاء قبل تقديم المستندات إلى المحاكم، لكنه يقرّ بأنه لا يستطيع ضمان خلوها من الأخطاء، لكن" يبقى الأمر في النهاية مسؤولية المحامين، وعليهم تطوير آليات التحقق الخاصة بهم بما يتناسب مع طبيعة القضايا".
وتُظهر قواعد بيانات مثل" كورت ليستنر" (Court Listener) تزايد الأحكام المرتبطة بأخطاء الذكاء الاصطناعي في المحاكم الأميركية، فيما لم تعد العقوبات تقتصر على التوبيخ.
ففي الأسبوع الماضي، فرضت القاضية الفيدرالية، شاريون أيكوك، عقوبات على محامين من طرفي دعوى مدنية في ولاية ميسيسيبي، بعدما قدموا مذكرات قانونية أُعدّت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، واستشهدت بقضايا غير موجودة.
وفرضت المحكمة غرامات إجمالية قدرها 8 آلاف دولار على أربعة محامين، كما مُنع اثنان منهم من المثول أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشمالية من ميسيسيبي لمدة عامين.
وكتبت القاضية في قرار العقوبات: " في عصر يتفشى فيه استخدام الذكاء الاصطناعي غير المتحقق منه داخل المجال القانوني، تمثل هذه القضية مثالاً واضحاً على المخاطر المرتبطة بالاكتفاء بدور الختم المطاطي عند العمل مستشاراً قانونياً محلياً".
(فرانس برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك