مسقط في 15 يونيو 2026 /العُمانية/ تُعدّ الترجمة العلمية من أهم المسارات المعرفية في بناء الوعي، فأثناء نقل الكلمة يتحرك معها تاريخ طويل من البحث والتجربة والأسئلة والاحتمالات، لتتحول إلى نهضة حضارية مرتبطة بقدرة المجتمعات على تحويل ما تُرجم إلى ممارسة تطبيقية تسهم في تطوير الحقل العلمي والابتكار.
ويرى الدكتور حسين العبري، الطبيب النفسي والمترجم، أن الترجمة العلمية في العالم العربي تتجاوز كونها رفدًا للمكتبة العربية بمزيد من الإصدارات، لتكوّن حيزًا من منظومة علمية حية تتفاعل فيها الجامعات والمختبرات ومراكز البحث العلمي، فبرغم أهمية الترجمة، إلا أنها ستقف يتيمة إذا لم تُحوَّل النصوص إلى ممارسة علمية منتجة وتساؤلات قابلة للاختبار والتجريب، ومن بعدها إلى الابتكار والتطوير.
وفي السياق ذاته، يشير العبري إلى أن واقع الترجمة في المنطقة العربية محمّل بالمؤشرات المُرضية، كونها تحتضن مشاريع ومراكز ترجمة بارزة، من بينها المنظمة العربية للترجمة، والمركز القومي للترجمة في مصر، إلى جانب تجارب مهمة في الكويت والإمارات وغيرها، مؤكدًا أن طبيعة هذه الجهود تشمل الكتب الأكاديمية المتخصصة، إلى جانب الكتب الفكرية والفلسفية والثقافية المتصلة بالعلم، وإلى ما يُعرف بتبسيط العلوم وتقديمها للقارئ العام.
ومن ثم فإن ترجمة كتاب علمي مهم لا تكفي وحدها لبناء قدرة علمية، ما لم ترتبط بجهد جامعي وبحثي ومؤسسي يحوّل المعرفة المكتوبة إلى ممارسة علمية حقيقية.
ومن واقع تجربته الشخصية، يقول العبري إن اهتمامه بالترجمة لم يكن مصادفة؛ إذ كان وليد اهتمامه بالفلسفة والعلوم الإنسانية والنفسية، وقد عمل الدكتور على ترويض مهاراته في الترجمة عندما رآها مساحة التقاء بين العلم والفكر واللغة.
وكانت أول ترجماته كتابًا فلسفيًا قصيرًا بعنوان" ماذا يعني هذا كله؟ "، قبل أن تبقى فكرة الترجمة عالقة في عقله طوال سنوات دراسته في كلية الطب، لتتحول التجربة الأولى إلى سلسلة أعمال لاحقة، بعضها جاء بمبادرات شخصية، وبعضها الآخر من خلال العمل المشترك مع مترجمين آخرين.
ويبين العبري أن اختياراته لترجمة الكتب قائمة على القيمة المعرفية والفكرية للإصدار، وهو ما يتضح فيما ترجمه من أعمال علمية مثل" العاقل" و" إنسان النياندرتال" و" الجزء الإلهي من الدماغ"، وهي أعمال يجمعها خيط معرفي متمثل في الاهتمام بتطور الإنسان والعلوم البيولوجية والأسئلة الكبرى حول العقل والوعي.
ويبرز في حديث الدكتور مسألة نقل المصطلح العلمي، واصفًا إياها بأبرز التحديات، كون المعضلة تتجاوز نقل الكلمة إلى مقابلها اللغوي، فرغم توافر القواميس والمراجع، إلا أن بعض المصطلحات العربية قد لا تؤدي المعنى بالدقة المطلوبة أو لا تحمل الحس اللغوي الطبيعي، ما يدفع المترجم إلى البحث عن بدائل أكثر ملاءمة.
علاوة على ذلك، فإن الترجمة من ثقافة إلى أخرى تحمل معها سياقات ودلالات وإشارات قد تحتاج إلى معالجة دقيقة، خصوصًا عندما يتضمن النص الأصلي أمثلة ثقافية قد لا تكون مألوفة أو مناسبة للقارئ العربي.
ومن المنطلق ذاته، يرى العبري أن الترجمة لا تكون نقلًا لغويًا للمادة الأصلية، ولا تتبنى أفكارها أو تروج لها، وإنما هي فرصة ذهبية لسبر أغوار المعرفة وفتح المجال للنقاش والتفكير النقدي، مؤكدًا أن النص العلمي عندما يصل إلى أيدي العرب لا بد أن يتحول إلى مادة ثرية لموائد الحوار بدلًا من الاستهلاك المعرفي السريع والتسليم للأفكار المعروضة.
وحول لغة تدريس العلوم، يطرح العبري إشكالية عميقة تتصل بعلاقة الطالب العربي باللغة والمعرفة، موضحًا أن الإنجليزية تمثل اليوم لغة رئيسة في الإنتاج العلمي المعاصر، خاصة في الطب والعلوم الحديثة، غير أن هناك دولًا استطاعت تدريس العلوم بلغاتها الوطنية وحققت نتائج مهمة، ويرى أن الطالب العربي قد يجد نفسه بين عبء اللغة الأجنبية وتعقيد المفهوم العلمي، وهو ما قد يسبب تشوشًا في الفهم، خصوصًا لمن لم ينشأ في بيئة ثنائية اللغة.
ويربط العبري هذا النقاش بالتحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة، معتبرًا أن دور المترجم سيتغير بصورة كبيرة في السنوات المقبلة، لا سيما في الترجمة العامة وغير الأدبية.
فالمترجم، في رأيه، لن يبدأ دائمًا من الصفحة البيضاء، لأنه ـ كما تقتضيه متطلبات العصر ـ سيستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مسودة أولى، ثم يتولى تحريرها ومراجعتها وضبطها، ليقترب دوره أكثر من دور المحرر المتخصص القادر على الحكم على الدقة والسياق والأسلوب.
ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه أداة جديدة ضمن تطور طويل في أدوات العمل، بدأت بالقواميس والمراجع، ووصلت اليوم إلى أنظمة قادرة على إنتاج نصوص مفهومة وسلسة في كثير من الحالات، غير أن الحاجة إلى الإنسان ستظل قائمة في النصوص التي تتطلب حسًّا لغويًّا ومعرفة بالسياق والدقة العلمية والقدرة على التحرير العميق.
وفيما يتعلق بواقع الترجمة العلمية في سلطنة عُمان، يرى الدكتور حسين العبري أن هناك اهتمامًا فرديًّا ومؤسسيًّا بالترجمة، سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية، وأنه اطّلع على بعض الأعمال المترجمة ذات الطابع الرصين، إلا أن الحركة الثقافية والترجمية ما زالت بحاجة إلى مزيد من العمق والاستمرارية والتحول إلى فعل مؤسسي أوسع، يربط بين المترجمين والجامعات ومراكز البحث ودور النشر والقراء.
ويخلص العبري إلى أن الأثر الذي يتمنى أن تتركه ترجماته لدى القارئ يتمثل في أن يجد نصًّا سلسًا وقريبًا من لغته، لا يشعر فيه بثقل الترجمة أو اغتراب العبارة، وأن يخرج منه بمعرفة تدفعه إلى التفكير وطرح الأسئلة.
فالعلم، كما يقول، ليس كاملًا ولا يخلو من حدوده وإشكالاته، لكنه يظل أحد أهم مصادر المعرفة، وأداة رئيسة لفهم العالم بطريقة أكثر دقة واتزانًا.
وبين النص والمختبر، وبين اللغة والتقنية، تبدو الترجمة العلمية اليوم أمام مرحلة جديدة يتعين عليها أن تكون جزءًا من مشروع أوسع لبناء الإنسان القادر على الفهم والنقد والإنتاج في زمن تتسارع فيه العلوم وتتغير فيه أدوات الوصول إلى المعرفة يومًا بعد يوم.
/العُمانية/ النشرة الثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك