عندما تأسست التكتلات الدولية الكبرى خلال العقود الماضية، كانت العضوية هي المعيار الأساسي للمشاركة في قممها، باعتبار أن تلك القمم تمثل الإطار السياسي والاقتصادي للدول المنضوية تحت لوائها، بينما كان حضور الدول الأخرى يظل استثناءً تفرضه اعتبارات بروتوكولية أو مصالح ظرفية، إلا أن المشهد يبدو أكثر تعقيدا في المرحلة الراهنة، حيث اتسعت دائرة المشاركين في العديد من القمم الدولية، لتشمل دولا من خارج التكتلات ذاتها، بما يثير تساؤلا حول ما إذا كانت العضوية ما زالت المعيار الحاكم للحضور، أم أن النظام الدولي يتجه نحو نمط جديد تصبح فيه القدرة على التأثير في القضايا المطروحة أكثر أهمية من الانتماء إلى الأطر التنظيمية التقليدية.
والواقع أن الحضور في القمم الدولية التي تعقد تحت مظلة تكتلات بعينها، لم يعد يرتبط فقط بالأهمية التي تمثلها الدول المدعوة وفق المعايير التقليدية، وإنما بقدرتها على التأثير في مسارات الأزمات الدولية، والمساهمة في إدارة مراحلها الانتقالية.
فالتعقيدات التي باتت تحيط بالصراعات المعاصرة جعلت الوصول إلى تسويات مستقرة عملية ممتدة، لا تتوقف عند حدود المفاوضات، وإنما تشمل سلسلة من المراحل المتعاقبة، تتطلب أطرافا قادرة على الحفاظ على التوازنات، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع الأزمات من الانزلاق إلى مواجهات أكثر اتساعا.
ولعل هذا التحول يعكس تغيرا أعمق في طبيعة النظام الدولي نفسه، حيث لم تعد المكانة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية أو الانتماء إلى نادٍ سياسي مغلق، وإنما أيضا بمدى قدرة الدولة على التعامل مع الملفات الأكثر تعقيدا، والحفاظ على قنوات الاتصال، والمساهمة في منع الأزمات من الانزلاق إلى مراحل أكثر خطورة.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع، باعتبارها امتدادا لتحول تشهده القمم الدولية الكبرى، التي أصبحت تستدعي الدول ذات الحضور الفاعل في القضايا المطروحة، حتى وإن لم تكن جزءا من التكتل نفسه.
فملفات مثل الحرب في غزة، وأمن البحر الأحمر، والهجرة غير الشرعية، والطاقة، والتطورات الأفريقية، لم تعد قضايا إقليمية خالصة، وإنما تحولت إلى ملفات ذات تأثير مباشر على الأمن والاستقرار الدوليين، وهو ما يجعل من الدول المنخرطة فيها جزءا من النقاش الدولي حولها.
الدور المصري، في واقع الأمر، بات يفرض نفسه بقوة على المشهد العالمي، وهو ما بدا في القدرة الكبيرة على إنهاء الحرب في غزة، بالإضافة إلى إدارتها للمشهد المرتبط في الحرب التي شهدتها إيران في الأشهر الماضية، حيث اكتسبت شرعيتها ليس فقط في كونها كوسيط بين أطراف الصراعات، وإنما كمدير إقليمي قادر على إدارة مراحلها، عبر تقديم بدائل حيوية من شأنها تقديم حلول سريعة للازمات الانية مما ساهم في تعزيز مكانتها في إطار شبكي يتواكب مع طبيعة العلاقات الدولية التي شهدت تحولا جذريا من حالة المعسكرات الجامدة نحو شبكات أكثر مرونة تسمح لاعضائها للتحرك على مسارات متوازية تفتح الباب أمام كسر حالة الجمود السياسي الذي هيمن على المشهد الصراعي.
والحديث عن" شبكية" العلاقات الدولية، ربما باتت تتجاوز التحالفات او بالأحرى المعسكرات التقليدية، نحو بيئة العمل داخل التنظيمات الدولية، والتي باتت الحاجة ملحة أمامها للتخلي عن جمودها، عبر الانفتاح على الأطراف الفاعلة في المشهد العالمي، وهو ما يبدو في دعوة الرئيس السيسي للمشاركة في القمة التي تنعقد في باريس، والتي تعكس إدراكا واضحا من قبل قوى أوروبية كبرى بأهمية القاهرة التي تتجاوز إقليمها الضيق نحو آفاق دولية أوسع، بينما تترجمه القمة المرتقبة التي ستجمع الرئيس المصري بنظيره الأمريكي على هامش أعمال المجموعة.
فالمرونة في النظام الدولي الجديد لا تقتصر على انفتاح التكتلات الكبرى على أطراف من خارجها، وإنما تمتد أيضا إلى بروز نمط جديد من الفاعلين يمكن وصفه بـ”الدولة الجسرية”، وهي الدولة التي لا تقوم أهميتها على الانتماء الكامل إلى معسكر بعينه، بقدر ما تقوم على قدرتها على الربط بين شبكات متوازية، والحفاظ على قنوات الاتصال بينها، وإدارة التفاعلات التي يصعب على الأطراف المتقابلة إدارتها بصورة مباشرة.
وفي عالم تتراجع فيه فاعلية المعسكرات الجامدة، تصبح هذه القدرة أحد المصادر الجديدة للمكانة والتأثير.
وفي ظل عالم تتراجع فيه فاعلية المعسكرات الجامدة، وتتصاعد فيه أهمية الشبكات المرنة، تصبح القدرة على الربط بين تلك المسارات أحد المصادر الجديدة للمكانة والتأثير، وهو ما يفسر التحولات التي تشهدها القمم الدولية الكبرى في طبيعة المشاركين فيها.
وهنا يمكننا القول بأن التحولات التي تشهدها القمم الدولية في المرحلة الراهنة لا تعكس فقط تغيرا في طبيعة المشاركين فيها، وإنما تكشف أيضا عن إعادة تشكيل أوسع لمعايير المكانة داخل النظام الدولي، فالعالم الذي كان يمنح الأولوية لعضوية التكتلات والمعسكرات الكبرى، بات أكثر احتياجا إلى الدول القادرة على الربط بين شبكات متوازية، والحفاظ على قنوات الاتصال، وإدارة التفاعلات التي يصعب على الأطراف المتقابلة إدارتها بصورة مباشرة، وهو ما تعبر عنه “الدولة الجسرية” باعتبارها أحد التحولات الأعمق في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث لم تعد العضوية وحدها تمنح حق الحضور، وإنما أصبحت القدرة على التأثير في القضايا المطروحة، وربط مساراتها المختلفة، أحد أهم مصادر المكانة والنفوذ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك