كان موضوع الحديث هو الرعاية الصحية، لكن المفاجأة أن النقاش لم يتحول إلى انتقاد الواقع المصري كما قد يتوقع البعض، بل انتهى إلى مقارنة أعادت ترتيب الصورة الذهنية عن كثير من الأنظمة الصحية حول العالم.
لطالما ارتبطت في أذهاننا دول الغرب بصورة الخدمات العامة المتفوقة، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فقد تحدث صديقي المقيم في كندا عن تحديات تواجهها بعض المدن في الحصول على الرعاية الطبية السريعة، وارتباط خدمات الإسعاف بمواعيد محددة على مدار اليوم، فضلًا عن قوائم انتظار تمتد أحيانًا لأسابيع أو شهور للحصول على بعض الخدمات التخصصية.
كما أشار إلى أن ضغط العمل ونقص الكوادر الطبية دفع الحكومات المتعاقبة إلى البحث عن حلول مستمرة لسد الفجوة بين الطلب المتزايد والخدمة المتاحة.
الأكثر إثارة للاهتمام كان تفسير الطبيب لهذه الأزمة؛ إذ تساءل: إذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى الأطباء، فلماذا لا تُفتح الأبواب بصورة أوسع أمام الكفاءات العربية والمصرية؟وجاءت الإجابة مرتبطة بطبيعة المنظومات المهنية والتنظيمية التي تضع معايير صارمة للترخيص والعمل، ليس فقط للحفاظ على جودة الخدمة، ولكن أيضًا لتنظيم سوق العمل الطبي وتقليل الضغوط الواقعة على العاملين فيه.
هذا الحديث قادنا إلى مقارنة مختلفة؛ فبينما تعاني دول متقدمة من أزمات تتعلق بتوافر الكوادر أو طول فترات الانتظار، نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ خطوات واسعة لتوسيع نطاق الخدمات الصحية، سواء من خلال تطوير المستشفيات، أو تحديث البنية التحتية، أو إطلاق مشروع التأمين الصحي الشامل الذي يستهدف تقديم خدمة أكثر عدالة واستدامة للمواطنين.
وقد اقتربت هذا العام من تجربة عملية لمنظومة التأمين الصحي التقليدي الخاصة بأصحاب المعاشات في إحدى المحافظات التي لم تنضم بعد إلى منظومة التأمين الصحي الشامل.
وما لفت انتباهي لم يكن فقط سهولة الحصول على الكشف والعلاج، بل أيضًا منظومة الإحالة التي تسمح بتحويل بعض الحالات إلى جهات علاجية أخرى، بل وإلى مستشفيات خاصة عند الضرورة، مع تحمل التأمين للتكلفة وفق الضوابط المعمول بها.
حرص رئيس الجمهورية على متابعة التفاصيل كافة المتعلقة بتطبيق منظومة التأمين الصحي، وهو ما رأيته على أرض الواقع، كما استمعت إلى المستفيدين أنفسهم، ومطالبهم التي تتطابق مع خطة الدولة للتطوير والتحسين.
وتمتد الصورة أيضًا إلى ما أعلمه عن الكفاءات التي تم الاستعانة بها من مهندسي الرقمنة، ممن عملوا سابقًا في كبرى الشركات الدولية، للمساهمة في تأسيس البنية التحتية لهذه المنظومة وفق أحدث التطورات التكنولوجية ذات الصلة.
ربما لهذا السبب لم يغادرني ذلك الحوار؛ فالتقدم لا يُقاس بمقارنة مثالية بين دولة وأخرى، بل بقدرة كل مجتمع على معالجة مشكلاته وتحسين حياة مواطنيه عامًا بعد عام.
وعندما ننظر إلى مسار تطوير القطاع الصحي في مصر، فإن الأهم ليس فقط ما تحقق بالفعل، بل ما يمكن أن يتحقق إذا استمرت وتيرة الإصلاح والتطوير بنفس الجدية والإصرار؛ خاصة أن الجودة والحوكمة تنعكسان بصورة مباشرة على رضا المواطن، وصحته، وقدرة المنظومة على إنقاذ حياته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك