تنفس العالم الصعداء مع الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني الذي وضع حدا لأشهر من المواجهات العسكرية، ممهدا الطريق لإعادة فتح مضيق هرمز، الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
اضافة اعلانبيد أن هذا الارتياح لا يخفي الحقيقة الأكثر خطورة، إذ بات الاتفاق- وفقا لمراقبين- أشبه بـ" مسكّن موضعي" أوقف نزيف الحرب، لكنه ترك مسبباتها الأساسية دون علاج.
فخلف كواليس الدبلوماسية، يدرك الجميع أن التهدئة الحالية تقف على أرضية شديدة الهشاشة، إذ يواجه الاتفاق اختبارا مصيريا أمام 3 ملفات حاسمة ومترابطة، يملك كل منها القدرة على تفجير الوضع من جديد وإعادة المنطقة إلى مربع الصفر.
هذا التقرير يسلط الضوء على هذه الملفات الثلاثة الملغومة، وكيف تحولت من أوراق تفاوضية إلى قنابل موقوتة تهدد بتبديد هذا السلام الهش في أي لحظة:يشكل البرنامج النووي أحد المحاور الرئيسية في مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، وقد توافق الطرفان وتمايزت مواقفهما، إذ قال كلا الجانبين إن إيران توافق على ألا تنتج ولا تمتلك أسلحة نووية، وهو وعد قطعته طهران لعدة عقود.
وقال مسؤول إيراني كبير في تصريحات صحفية، إنه في انتظار التوصل إلى اتفاق نهائي، ستجمد إيران أنشطتها النووية، ممتنعة عن أي تخصيب إضافي لليورانيوم أو توسيع المنشآت النووية.
وعن مصير مخزون المواد النووية واليورانيوم، ذكر المسؤول الإيراني أن الولايات المتحدة وافقت على إمكانية قيام إيران بتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران بموجب اتفاق شامل مستقبلي.
بدوره قال ترامب، السبت، إنه ليس هناك عجلة لسحب مخزون إيران من المواد النووية، وإن الولايات المتحدة ستستعيده" عندما يهدأ كل شيء".
وتبرز ثغرة فيما يتعلق بآليات الرقابة وشروط الموافقة السياسية، إذ قال ترامب إنه سيكون هناك نظام تفتيش صارم على إيران بموجب أي اتفاق، لكنه لم يعط تفاصيل محددة، وعلق عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام بأن أي اتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي يجب أن يراجعه الكونغرس ويوافق عليه.
وتأتي التصريحات الأميركية بعد أن نقلت وكالة إرنا الإيرانية عن مصادر في وقت سابق أن مذكرة التفاهم الحالية لا تتضمن اتفاقا بشأن الملف النووي، كما أن تأكيد رسمي إيراني جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين الماضي، أن ما يُثار من تكهنات حول كيفية إدارة مخزونات اليورانيوم المخصب أو نقلها إلى خارج البلاد أو مسألة التخصيب يظل في الوقت الراهن مجرد تكهنات إعلامية.
وقبل ذلك بأيام، قال المستشار العسكري للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محسن رضائي إن بلاده لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم باعتباره موردا وطنيا وتقنية تستخدمها حاليا في الزراعة والصناعات الدوائية وتوليد الكهرباء، وهنا تبرز الإشكالية في أن مستقبل اليورانيوم عالي التخصيب وبرنامج إيران النووي ما زال غير واضح لكونه مؤجلا إلى جولات التفاوض اللاحقة.
ويظهر التباين الأكثر حدة في بند اليورانيوم، فالورقة الإيرانية تتحدث عن" ترحيل" المخزون عالي التخصيب إلى دولة ثالثة- روسيا أو الصين- دون تحديد الجهة المتسلمة، في حين تستخدم الورقة الأميركية كلمة" تسليم"، والتي فُهمت على أنها تسليم مباشر للولايات المتحدة، وهي نقطة أثارت نقاشا داخليا إيرانيا محتدما خلال الأسابيع العشرين الماضية دون رفض قاطع لها، وفقا للصحفي المتخصص في الشؤون الإيرانية عبد القادر فايز في حديثه للجزيرة.
رغم أن الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير قضى برفع الحصار عن مضيق هرمز وإعادة فتحه، فإن هذا الملف يحمل في طياته بذور مواجهات مستقبلية، ولا يضمن عودة حركة ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال سريعا أو بالكامل إلى طبيعتها التي سبقت اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير، حيث كان يتدفق عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية.
وفقا لما نقلته وكالة أنباء" فارس" الإيرانية عن مصدر مطلع، شهدت اللحظات الأخيرة قبل إعلان الاتفاق تعديلا في مذكرة التفاهم بطلب من طهران، للتأكيد بشكل واضح على مسألة السيادة الإيرانية العمانية على مضيق هرمز.
وأشار المصدر إلى أن طهران أضافت بندا يتعلق بفرض" رسوم خدمات بحرية"، مؤكدا أن استخدام هذا المصطلح يعني أن الولايات المتحدة قد قبلت بدفع رسوم لإيران، ما يكرس سيطرة الأخيرة على المضيق.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن مضيق هرمز سيعاد فتحه يوم الجمعة وإنه أمر برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، في حين نقلت وكالة" رويترز" عن مسؤول إيراني أن فتح المضيق أمام السفن التجارية يرتهن بتوقيع مذكرة التفاهم.
وأحدثت فترة الإغلاق الطويلة تغييرا بنيويا في سلوك دول الجوار والشركات لن يتراجع بمجرد فتح المضيق، وفقا لوكالة" رويترز"، إذ ما زالت شركات الشحن حذرة من اشتعال التوترات مجددا، واعتمدت السعودية في نقل شحناتها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر منذ آذار/ مارس، وزادت الإمارات صادراتها عبر ميناء الفجيرة الواقع خارج المضيق، وتشير المعطيات إلى أن الرياض وأبو ظبي لن تتراجعا عن هذه المسارات البديلة بالكامل.
بسبب عوامل الحذر هذه، وتشعب اللوجستيات وتعقيداتها، يُستبعد أن تعود حركة المرور عبر هرمز إلى ذروتها السابقة أي نحو 20 مليون برميل يوميا في وقت قريب، والحد الأقصى المتوقع في الأشهر والسنوات المقبلة هو استقرار التدفقات عند 16 مليون برميل يوميا فقط.
يُمثل الشق الاقتصادي والمالي العصب الحساس في مذكرة التفاهم الرامية لإنهاء الحرب، وتتحدد ملامح هذا الملف بناء على التعهدات المتبادلة والتباينات بين تصريحات الطرفين، إذ قال المسؤول الإيراني الكبير لـ" رويترز" إن الولايات المتحدة وافقت على عدم فرض أي عقوبات جديدة على إيران حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.
وقال المسؤولون إن الولايات المتحدة ستعفي إيران من العقوبات النفطية لفترة محددة، وإنه بعد الاتفاق النهائي سيتم رفع جميع العقوبات الأمريكية وعقوبات الأمم المتحدة وفق جدول زمني متفق عليه.
وفي حين تتمسك طهران برفع العقوبات بصورة شاملة كأحد الشروط الأساسية لأي اتفاق، أبدت واشنطن استعدادها لتخفيفها تدريجيا وبصورة مرتبطة بالتزامات إيرانية محددة بشأن برنامجها النووي.
ورغم ذلك، ما تزال الخلافات قائمة بشأن آلية رفع العقوبات وتوقيتها ونطاقها؛ ما يجعل هذا الملف أحد أكثر القضايا تعقيدا في المفاوضات بين الجانبين والتي تهدد بانهيار الاتفاق.
ويشكل مصير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج نقطة خلاف رئيسية أخرى، حيث تسعى طهران للحصول على هذه الأصول كجزء من أي اتفاق محتمل لإنهاء الحرب، بحجة أن هذه الأموال ملك لها بالأساس وأنها ضرورية لانتعاشها الاقتصادي، لا سيما بعد الأضرار التي خلفتها الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية.
بيد أن المفاوضين الأميركيين يترددون في الموافقة على الإفراج عن هذه الأموال على نطاق واسع دون الحصول على تنازلات كبيرة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقال المسؤول الإيراني إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن 25 مليار دولار من أصول إيران المجمدة، بما في ذلك عبر تحويلات نقدية مباشرة، والتعاون بين دول المنطقة، وخطوط الائتمان المالي.
وأضاف المسؤولون الإيرانيون أن واشنطن، بالتنسيق مع حلفائها الإقليميين، ستعد خطة لإعادة الإعمار والتنمية لإيران، على أن يتم التفاوض بشأنها والاتفاق عليها مع طهران في غضون 60 يوما.
في مقابل الرواية الإيرانية، قال ترامب إن إيران لن يتم تزويدها بالسيولة النقدية، ولكن يمكن رفع العقوبات.
إلى جانب هذه الملفات الثلاثة، يحتل لبنان موقعا حساسا في المعادلة، إذ تشترط طهران للمضي قدما في الاتفاق إقرار وقف شامل للحرب يشمل الساحة اللبنانية، ما يجعل أي خرق لهذا الشرط تهديدا بالعودة إلى المربع الأول.
من جانبه، ربط ترامب تهدئة التصعيد بفتح مسار تفاوضي جديد مع طهران، مشيرا إلى أنه سيطلب من إيران عدم الرد على الضربة الإسرائيلية الأخيرة على بيروت، في وقت تعهد فيه نتنياهو بعدم تكرار الهجمات.
وفي النهاية، تشكل المهلة الزمنية المحددة بـ60 يوما اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الطرفين على الجسر بين" السيادة المفروضة" على المضيق، و" الضمانات الصارمة" المطلوبة للملف النووي، و" الجدولة المعقدة" لرفع العقوبات.
وإلى أن تترجَم هذه البنود العائمة إلى اتفاقات نهائية ملموسة، ستبقى التهدئة الحالية معلقة بين القلق من العودة إلى الحرب، وفرصة العبور نحو استقرار حذر، ما يبعث برسالة مزدوجة لأسواق المال والسياسة أن الحرب قد وضعت أوزارها لكنّ الصراع بمخرجاته ما زال رهن هذه الملفات.
(الجزيرة نت).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك