أثير: أحمد بن عبدالله الشبيبي، خبير في الاستشارات الأسريةمع بداية الإجازة الصيفية يتكرر سؤال مهم في كثير من البيوت: كيف نستثمر أوقات أبنائنا بما يعود عليهم بالنفع والفائدة؟ فالإجازة ليست مجرد فترة للتوقف عن الدراسة بل فرصة تربوية ثمينة يمكن أن تسهم في بناء شخصية الأبناء وتنمية مهاراتهم وتعزيز قيمهم إذا أحسن الآباء والأمهات استثمارها.
وفي المقابل فإن غياب البرامج الهادفة يجعل كثيرًا من الأبناء يقضون ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية والألعاب الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي حتى أصبح الفراغ أحد أكبر التحديات التربوية التي تواجه الأسر في العصر الحديث، فالطفل الذي لا يجد نشاطًا مفيدًا يشغل وقته غالبًا ما يبحث عن بديل يوفر له المتعة السريعة حتى وإن كان ذلك على حساب نموه الفكري والاجتماعي والنفسي.
ومن هنا تبرز أهمية المراكز الصيفية وحلقات تلاوة القرآن الكريم باعتبارها من أفضل البيئات التربوية التي يمكن أن تستثمر طاقات الأبناء خلال الإجازة، فهذه المراكز لا تقدم برامج تعليمية فقط بل تؤدي دورًا تربويًا واجتماعيًا مهمًا في بناء الشخصية وصقل المهارات وتعزيز القيم.
ويخطئ من يعتقد أن حلقات القرآن الكريم تقتصر على تعليم الحفظ والتلاوة فقط فالأثر الحقيقي لها يتجاوز ذلك بكثير، فالطفل الذي يلتزم بالحضور في وقت محدد ويجلس بهدوء بين زملائه ويتابع مراجعة محفوظاته بصورة مستمرة يتعلم عمليًا الانضباط وتحمل المسؤولية وإدارة الوقت، وهذه المهارات تعد من أهم المهارات الحياتية التي يحتاجها الأبناء في مراحلهم الدراسية والمهنية المستقبلية.
ومن منظور اجتماعي تسهم المراكز الصيفية في توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية لدى الأبناء، فبدلًا من قضاء معظم الوقت داخل المنزل أو أمام الشاشات يجد الطفل نفسه في بيئة تفاعلية يتعرف فيها إلى أصدقاء جدد ويتعلم التعاون والعمل الجماعي واحترام الآخرين، وهذه الخبرات الاجتماعية المبكرة تساعد على بناء شخصية أكثر ثقة وقدرة على التواصل والاندماج في المجتمع.
كما أن حلقات القرآن الكريم تعزز الثقة بالنفس لدى الأبناء، فعندما يتمكن الطفل من حفظ سورة جديدة أو إتقان تلاوة آيات من كتاب الله فإنه يشعر بالإنجاز والفخر الأمر الذي ينعكس إيجابًا على صورته الذاتية ودافعيته نحو التعلم والتطور.
كما يتعلم الصبر والمثابرة وهي قيم أصبحت أكثر أهمية في زمن اعتاد فيه كثير من الأطفال على الحصول على المتعة والنتائج بصورة فورية من خلال الأجهزة الذكية.
ومن خلال العمل الإرشادي مع الشباب والأسر، تتجلى أحيانًا آثار التربية القرآنية بصورة عميقة قد لا يدركها الآباء والأمهات إلا بعد سنوات طويلة، وأذكر هنا قصة أحد الطلاب المبتعثين للدراسة في إحدى الدول الغربية حيث تواصل معي طالبًا الاستشارة بعد فترة من بداية دراسته، وقد أخبرني أنه وجد نفسه في بيئة تختلف كثيرًا عما اعتاد عليه من قيم وعادات وأنه شعر في بعض المراحل بأنه قريب من التأثر ببعض السلوكيات السلبية نتيجة الانفتاح الكبير الذي يحيط به.
وبعد عدد من الجلسات الإرشادية التي عملنا خلالها على تعزيز وعيه وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح سألته في نهاية اللقاءات: ما الذي دفعك إلى طلب المساعدة قبل أن تتفاقم المشكلة؟ وما الذي جعلك تتوقف وتراجع نفسك؟فأجابني بكلمات ما تزال عالقة في ذهني حتى اليوم: “كنت أتذكر والدتي وهي تحملني إلى حلقات تلاوة القرآن الكريم عندما كنت صغيرًا.
كانت تلك الذكريات حاضرة في ذهني كلما شعرت بالحيرة وشعرت أن هناك وازعًا داخليًا يمنعني من الاستسلام للخطأ فبادرت بطلب الاستشارة.
”هذه القصة تختصر جانبًا مهمًا من أثر حلقات القرآن والمراكز التربوية فهي لا تقتصر على تعليم الطفل التلاوة والحفظ فحسب بل تغرس في داخله رصيدًا من القيم والإيمان والرقابة الذاتية التي قد تحميه في مراحل عمرية لاحقة، وفي أماكن قد تكون بعيدة عن رقابة الأسرة والمجتمع، فما يزرعه الآباء اليوم في نفوس أبنائهم قد يتحول غدًا إلى حصن يحفظهم عند مواجهة التحديات والاختبارات الحياتية المختلفة.
ولذلك فإن مسؤولية الآباء والأمهات لا تقتصر على توفير الاحتياجات المادية لأبنائهم بل تمتد إلى صناعة البيئات التربوية التي تساعدهم على النمو السليم، فإلحاق الأبناء بالمراكز الصيفية وحلقات القرآن ليس مجرد نشاط موسمي، بل استثمار طويل الأمد في شخصياتهم وقيمهم ومستقبلهم.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل أب وأم مع بداية كل إجازة: ماذا نريد أن يبقى في أبنائنا بعد انتهاء الصيف؟ إن الساعات التي يقضيها الأبناء أمام الشاشات قد تمنحهم متعة مؤقتة أما الساعات التي يقضونها في تعلم القرآن واكتساب المهارات وبناء العلاقات الإيجابية، فإنها تصنع أثرًا قد يرافقهم سنوات طويلة وربما يكون سببًا في حمايتهم وتوجيههم عندما يواجهون تحديات الحياة في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك