Independent عربية - ترمب: نشر نص الاتفاق مع إيران بعد توقيعه رسميا الجمعة وكالة سبوتنيك - أوروبا وأمريكا: هل تظل القارة العجوز أسيرة البيت الأبيض؟ خبير يجيب سكاي نيوز عربية - بقيادة صلاح.. تشكيل مصر "بلا مفاجآت" في مواجهة بلجيكا مكتبة الجزيرة المرئية - سور البحار العظيم.. لماذا تبني الصين أكبر أسطول في العالم؟ وكالة ستيب نيوز - سلام أم هدنة مؤقتة؟.. ما الذي اتفقت عليه أمريكا وإيران وماذا بقي عالقاً بينهما؟ العربي الجديد - لماذا تُسمّى كرة القدم "سوكر" في بعض الدول؟ روسيا اليوم - لافروف يتحدث عن محاولات زيلينسكي إظهار الصرامة وعن تأجيج المشاعر النازية في ألمانيا روسيا اليوم - فانس يحدد شرطا لحصول إيران على تمويل من دول الخليج بقيمة 300 مليار دولار Independent عربية - واشنطن وطهران تتفقان... والمنطقة تبقى رهينة الاحتمالات قناة الجزيرة مباشر - نافذة اقتصادية| قراءة رقمية في تداعيات مذكرة التفاهم وحسابات جبهة الجنوب اللبناني
عامة

كيف أرّخ العرب لأيامهم منذ فجر التاريخ؟ وهل السنة الهجرية تأريخ أم تقويم؟

بوابة الوسط
بوابة الوسط منذ 1 ساعة

" لما أُهبط آدم من الجنة وانتشر وَلَدُه، أرّخ بنوه (بداية) من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً، فأرخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق فهلَك من هلَك ممن كان على وجه الأرض". بهذه الجملة، افتتح الإ...

" لما أُهبط آدم من الجنة وانتشر وَلَدُه، أرّخ بنوه (بداية) من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً، فأرخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق فهلَك من هلَك ممن كان على وجه الأرض".

بهذه الجملة، افتتح الإمام جلال الدين السيوطي كتابه (الشماريخ في عِلم التاريخ).

وأوضح المؤرخ والفقيه المصري الذي عاش في القرن التاسع الهجري، أن من تبقى من البشر أرخوا بالطوفان الذي حدث في عهد النبي نوح، أي أن الناس كانوا يقولون إن كذا حدث في سنة كذا بعد الطوفان، تماماً كما يؤرخ الناس سنواتهم اليوم بعد ميلاد السيد المسيح.

وحين نجا النبي إبراهيم من النار التي حاول النمرود ملك بابل إحراقه فيها، بحسب الرواية الإسلامية، اتخذ الناس من هذه" المعجزة" تأريخاً لهم، ثم بدأت ذرية إسحاق بن إبراهيم بتأريخ جديد مع كل بعثة لنبي من ذريته، وصولاً إلى النبي عيسى (السيد المسيح) والنبي محمد نبي الإسلام.

أما ذرية إسماعيل بن إبراهيم، الذي يُنسَب إليه العرب، فيقول السيوطي إنهم بعد نجاة إبراهيم من النار، أرخوا ببناء الكعبة حين بناها إبراهيم وإسماعيل بحسب الرواية الإسلامية.

بعد ذلك، أرخ العرب بخروج كل قبيلة من قبائلهم من منطقة تهامة، السهل الساحلي للبحر الأحمر من جزيرة العرب، إلى أن توفي الجد السابع للنبي محمد، كعب بن لؤي، الذي كان له شأن عظيم بين العرب، فاتخذوا من وفاته تأريخاً لهم.

على الرغم من عدم وجود دليل تاريخي يُثبت أو ينفي ما ذكره السيوطي بشأن التأريخ منذ عهد آدم، فإنه ربما يتماشى مع ما وثقه العرب، عن أن أجدادهم في العصر الجاهلي كانوا يؤرخون بأحداث كبرى لا تُنسى في حياتهم.

وهذا لا يعني أنهم لم يعرفوا تقويماً واضحاً، كما يرجح الدكتور محمد عناد سليمان، الباحث في علوم اللغة العربية والشريعة.

فمع عدم وجود ما يوضح بداية التقويم عند العرب، كانت فكرة التقويم معروفة عند الأمم السابقة.

وضرب سليمان لبي بي سي عربي مثالاً بالصينيين الذين يعتمدون حتى يومنا هذا في عملياتهم الحسابية الفلكية على القمر لمدة تجاوزت 5 آلاف سنة قمرية، قائلاً إن" العرب ليسوا بِدعاً من الأمم، وحتماً كان لهم تقويم يعتمدون عليه".

ويختلف التقويم في معناه اللغوي عن التأريخ؛ فالتقويم من الفعل قوّم، بمعنى عدّل وأصلح، ويرى سليمان أن تقويم السنة يعني إصلاح الاعوجاج عن استقامة الشهور لتأتي في فصول ومواسم محددة لا تحيد عنها كل سنة، كما يحدث في التقويم الميلادي والتقويم القبطي.

أما التأريخ فهو من الفعل أرّخ، ومعناه تحديد الوقت أو الزمان وحسب.

لماذا يختلف موعد الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في أنحاء العالم؟ما هو عيد النيروز الذي يحتفل به الأقباط وما هي الشهور القبطية؟غير أن ما جاء في صفحات التاريخ، يسلط الضوء على بعض الأحداث الجوهرية التي أرخ بها العرب كـ(عام العُذر) حين نهبت قبيلة يَربُوع قوافل الهدايا التي أرسلها مُلوك حِمْيَر في اليمن إلى الكعبة؛ و(عام حرب الفِجَار) حين شهد العرب اقتتالاً بين قبائلهم.

وأشهر هذه الأعوام هو (عام الفِيل) الذي وُلِد فيه النبي محمد، والذي خرج فيه أبرهة الحَبَشيّ، حاكم اليمن، في حملة عسكرية فاشلة بهدف هدم الكعبة في مكة بقيادة فيل عظيم، بحسب الرواية الإسلامية.

وقد استمر العرب في تمييز السنوات بأحداثها حتى في عصر النبوة؛ فهناك" عام الحزن" الذي شهد وفاة السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي محمد، وعمه أبي طالب، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاثة أعوام.

وأطلق المسلمون" عام الوفود" على السنة التاسعة للهجرة، التي شهدت غزارة في توافد القبائل العربية إلى المدينة المنورة لمبايعة النبي محمد وإعلان إسلامهم، في أعقاب فتح مكة وغزوة تبوك.

مما يسترعي الانتباه، أن المسلمين يحتفلون بأحداث الهجرة النبوية مع رأس كل سنة هجرية؛ مع أن كبار المؤرخين أكدوا أنها كانت في شهر ربيع الأول، في رحلة استغرقت نحو 12 يوماً، سار فيها النبي محمد على قدميه أحيانا، وركب ناقته (القصواء) أحيانا أخرى.

وتحكي كتب التاريخ الإسلامي أنه بعد هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة واستتباب أمره فيها، أضحى للمسلمين مجتمع حضاري ودولة أخذت في التوسع رويداً رويداً، وكان لا بُدّ من اعتماد لحظة زمنية محددة للتأريخ بها.

والحقيقة أن البعض يخلطون بين السَنة التي وقع الاختيار عليها لتكون بداية حساب المسلمين لزمانهم، وبين اعتماد الشهر الذي تُفتَتح به هذه السنة؛ في مسألة نُسِبت برُمّتها إلى عهد عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني بعد النبي محمد.

غير أن بعض كبار أئمة الحديث والفقه، لفتوا إلى أن مسألة التأريخ بالهجرة النبوية، ربما تكون سابقة لعهد عمر بن الخطاب، ومنفصلة عن المسألة الثانية وهي الإجماع على شهر بعينه ليكون فاتحة هذه السنة.

من ذلك ما ورد في كتاب" تاريخ أصبهان" للحافظ أبي نعيم الأصبهاني، أحد أئمة علم الحديث في القرن الرابع الهجري، أن النبي محمد أمر بكتابة وصية إلى أهل الصحابي سلمان الفارسي في شيراز الواقعة في إيران اليوم، وقّعها علي بن أبي طالب كاتباً" بأمرِ رسولِ اللهِ في رجب سنةَ تسعٍ من الهجرة".

وذكر الإمام السيوطي أنه وقف على ما" يعضّد" أن النبي محمد كان أول من استخدم التأريخ بالهجرة، وذلك من خلال نص رسالة أرسلها النبي محمد إلى نصارى نجران التي تقع جنوب السعودية اليوم، حيث أملى النبي على ابن عمه علي بن أبي طالب أن يكتب في الرسالة إنها كُتِبت" لخمسٍ من الهجرة"، أي في السنة الخامسة بعد الهجرة.

وعلى الرغم من عدم شهرة هذه الرواية وعدم ترجيح بعض المؤرخين لها، إلا أن الباحث قد يجد فيها بعض الإجابة حين يتساءل: كيف كان يؤرخ النبي محمد في عصره؟ وكيف كان يتعامل مع رسائل ملوك الفرس والروم والحبشة ومصر؟ وهل كانت رسائل الملوك إليه خاوية من ذكر أي تاريخ؟وقد جمع الإمام السيوطي بين الرواية السابقة والرواية الأشهر، قائلاً" فالمؤرخ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعُمر تَبِعَه" أي سار على نهجه في هذا الصدد.

قال ابن كثير، المحدث والمفسر في القرن الثامن الهجري، أن عمر بن الخطاب ورد إليه" صك" أو وثيقة ذُكر فيها شهر شعبان، فتساءل عمر: " أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية أو الآتية؟ ".

وجاء في" فتح الباري في شرح صحيح البخاري" للإمام ابن حجر العسقلاني في القرن التاسع الهجري، أن الصحابي أبا موسى الأشعري الذي كان والي البصرة في العراق وقاضيها في عهد عمر بن الخطاب، كتب إلى عمر رسالة قال فيها" إنه يأتينا منك كُتُب [رسائل] ليس لها تاريخ".

وذكر السيوطي أن رجلاً من المسلمين قدم من اليمن فقال لعمر: " رأيتُ باليمن شيئاً يُسمونه التاريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا، فقال عمر: إن هذا لحَسَنٌ، فأرِّخوا".

وثمرة كل ما سبق من الروايات المختلفة، أن عمر بن الخطاب جمع أهل الشورى لوضع تأريخ يعرفون به موعد سداد الديون وغير ذلك، فاقترح البعض استخدام تأريخ الفرس أو الروم، وكان من بين المقترحات مبعث النبي محمد أو هجرته أو وفاته، " فمال عمر إلى التأريخ بالهجرة"، بحسب ابن كثير.

وفي كتاب (التاريخ الصغير) للإمام البخاري، أحد أئمة الحديث في القرن الثالث الهجري، أن هذا المقترح جاء من ابن عم النبي، حين تساءل عمر بن الخطاب" متى نكتب التاريخ؟ "، فجمع المهاجرين فقال له علي بن أبي طالب: " من يوم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم نكتب التاريخ".

وقال القلقشندي إن المسلمين اتفق رأيهم أن يكون التأريخ من سنة الهجرة" لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأسَّس المساجد، وعبَدَ الله آمِناً كما يحبه".

ويقول الدكتور محمد الجزيري، مدرس التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر" إن المسلمين لم يغيروا ترتيب الشهور، فهو أمر متوارث في الجزيرة العربية؛ لكن عمر بن الخطاب المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية، اختار الهجرة لتكون نقطة الصفر".

وأوضح لبي بي سي أن الأصل في ذلك جاء لتنظيم معاملات الدولة الإسلامية، حيث كان هناك" ديوان العطاء وديوان الجند وديوان الخَرَاج"، الأمر الذي كان يتطلب أن يُحسب بـ" حَوَلان الحَوْل" أي حساب سنة لكل معاملة.

وضرب مثالاً بالزكاة التي كان مرور حَوْل أو سنة عليها لا بد وأن يُعرف من أين تبدأ، وإلى أين تنتهي، كي تتمكن الدولة من حساب هذا الأمر.

لماذا لم تبدأ السنة بشهر الهجرة؟حكت كتب التاريخ الإسلامي أن شهر المحرم لم يكن عليه إجماع بين المسلمين ليكون فاتحة السنة الهجرية؛ فهناك من أشار على عمر بن الخطاب ببدء السنة من شهر خروج النبي من مكة وقدومه إلى المدينة، وهناك من رأى أن رجب أولى بهذا لكونه شهراً مُعظماً قبل الإسلام وبعده.

واقترح آخرون أن تبدأ السنة بشهر رمضان، والبعض أشار بشهر ذي الحجة.

وجاء في" تاريخ دمشق" لابن عساكر، المؤرخ في القرن السادس الهجري، أن الصحابي عثمان بن عفان أشار على عمر بن الخطاب بأن يكون المحرم فاتحة أشهر السنة الهجرية قائلاً إنه أول الأشهر الحُرُم التي يَحرم فيها القتال، وهو أول شهر بعد الحج.

وقال ابن حجر العسقلاني: " وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المُحَرَّم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المُحَرَّم؛ إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة".

وفي ذلك إشارة إلى بيعة العَقَبة الثانية حين حضر وفدٌ من الأنصار سراً إلى النبي محمد، وبايعوه وتعهدوا بنصرته وحمايته إذا قدم إلى المدينة للخلاص من اضطهاد أهل مكة له ولمن آمن به.

وأضاف العسقلاني: " فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المُحَرَّم، فناسب أن يُجعل مبتدأً، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمُحَرَّم".

رصدت مصادر تاريخية أن العرب كانوا يقوّمون أشهرهم القمرية قبل بعثة النبي بنحو 250 سنة، بزيادة شهر" كبيس" أي مكبوس أو محشوّ بين الأشهر، كل اثنين وثلاثين شهراً، لضمان وقوع فصول السنة ومواسم الحصاد والتجارة في أوقات ثابتة من العام، ما يعني وجود شهر إضافي كل نحو ثلاث سنوات.

ولم يكن في الإمكان زيادة هذه الأيام بشكل سنوي كما هو الحال في التقويم الشمسي حين يُزاد يوم في شهر فبراير/شباط كل أربع سنوات، وذلك لعدم العبث بالشهر القمري القائم على رؤية الهلال.

وهنا، يفرق الدكتور محمد عناد سليمان، الباحث في علوم اللغة العربية والشريعة، بين معنى" العِدة" الواردة في الآية القرآنية المعنية بالأشهر، وبين عدد الشهور، قائلاً" إن الأرض في دوراتها الفلكية تلتقي في نفس النقطة 12 مرة"، وهذا هو معنى (عِدّة الشهور) وهو أمر يختلف عن (العدد) لغوياً، وبعد ذلك توافق الناس على تسمية هذه الشهور.

ومع ذلك، فقد ذهبت جميع المؤسسات الدينية الإسلامية من سُنة وشيعة إلى حُرمة هذا الإجراء حتى يومنا هذا، مستندين في ذلك إلى الآية القرآنية التي نزلت في السنة التاسعة من الهجرة قبل وفاة النبي" إنما النسيءُ زيادة في الكُفر"، ما جعلهم يتوقفون عن تقويم الأشهر القمرية بشهر إضافي.

ومن هنا، فإن الاصطلاح على تسمية التاريخ الهجري تقويماً" غير صحيح"، بحسب سليمان، مشيراً إلى إننا لو عدنا إلى كتب علماء المسلمين ومؤرخيهم، كصحيح البخاري، فسنجد أنهم تحدثوا عن قصة التأريخ تحت باب" بداية التأريخ" وليس بداية التقويم.

ويعارض الدكتور الأزهري الجزيري هذا الأمر، قائلاً إن التوجيه اللغوي لكلمة تقويم هو بمعنى" الضبط والترتيب في مسار واضح ومنتظم؛ فمجمع اللغة العربية في القاهرة يفضل استخدام كلمة (تقويم) لا (تقييم) عند الحديث عن أداء الموظفين، وبالتالي فإن التقويم الهجري يحمل معنى ضبط الأيام والشهور وترتيبها في نسق واضح ومحدد".

وأضاف لبي بي سي أن فكرة التقويم معناها" نظام تأريخ مُرقّم بترقيم السنين والشهور لتوثيق المعاملات والرسائل، وهو ما كان محل نقاش بين الصحابيين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة".

وأوضح الجزيري أن كلمة تقويم جاءت في سورة التين في القرآن" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، وأن الفلكيين المسلمين في القرون الهجرية الأولى، كالخوارزمي والبيروني، " كانوا يستخدمون (حساب التقاوييم) في كتبهم الخاصة بعلوم الفلك"، وأن الدولة العثمانية استعاضت عن كلمة التقويم بـ" الرُزنامة"، قبل أن تعود كلمة تقويم في العصر الحديث.

من ناحية أخرى، يرى عدد من الباحثين المعاصرين، بما يخالف ما اتفق عليه المسلمون إلى يومنا هذا، أن هناك فهماً خاطئاً للآية القرآنية بسبب التفاسير التي خلطت بين زيادة أيام لتقويم الاعوجاج في الحساب الفلكي للأشهر القمرية، وبين النسيء الذي يعني لغوياً التأخير والذي كان يستخدمه العرب للتلاعب بتأخير الأشهر التي يحرم فيها القتال وفق أهوائهم إذا أرادوا الحرب في شهر بعينه، وهو التحريم الذي نصت عليه الآية القرآنية.

وأوضح الدكتور محمد الصادق، الباحث في معهد البحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، لبي بي سي عدم استقبال المعهد الفلكي أطروحات من هذا النوع، مُرحّباً بالنقاش والبحث في سبيل التوصل إلى نتيجة منطقية، ومؤكداً أنه" لا يمكن لأحد بمفرده أن يبتّ في أمر كهذا".

علاقة" الشهر الحرام" بـ" القمر الأزرق"لا شك في أن الأشهر القمرية العربية المعروفة اليوم، كانت معروفة من قبل الإسلام.

وقد أوردت كتب التاريخ أن حادثة الفيل مثلاً وقعت في شهر محرم، وأن حلف الفُضُول الذي شهد اتفاق سادات قبيلة قُرَيش على نصرة المظلوم، كان في شهر ذي القعدة، وذلك قبل بزوغ فجر الإسلام.

والأشهر العربية المعروفة إلى يومنا هذا ترتبط معناها بمناسبات أو بطقس مناخي؛ فشوّال سُمي بذلك" لأن الإبل كان تَشُول في ذلك الوقت بأذنابها" أي ترفع ذَنَبها في موسم التزواج، وشهرا ربيع يشيران إلى طبيعة الطقس فيهما، وجُمادى من جمود الماء في فصل الشتاء.

وثمة أربعة أشهر يحرم فيها القتال بين العرب، أقرها الإسلام، وهي بحسب كتب التراث (ذي القعدة وذي الحجة ومُحرّم ورجب)، وفق أحاديث منسوبة للنبي محمد نصت على مواضع تلك الأشهر.

بيد أن هناك طرحاً مختلفاً لبعض الباحثين المعاصرين، من بينهم ياسر العديرقاوي، الباحث السوداني في علوم القرآن والفكر الديني، الذي يرى أن الأشهر الحُرُم التي نص عليها القرآن لم تُحدَّد بل ولم تُعرّف بالألف واللام، وأن صيد البر يحرم فيها كما يحرم القتال، حفاظاً على التوازن البيئي.

وأضاف في بحث" التقويم الاتساقي" الذي حصلت بي بي سي على نسخة منه، أن الأشهُر الحُرم هي" المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني"، مع زيادة شهر متغير هو شهر الكَبس لتقويم الأشهر القمرية، والذي يقول إنه" الشهر الحرام" الذي نص عليه القرآن، والذي خلط المفسرون بينه وبين" الأشهر الحُرُم"، وبينه وبين النسيء.

وجاء في بحثه أن" الشهر الحرام [بالألف واللام] هو شهر مستقل ومنفصل وغير معدود ضمن الشهور الاثنا عشر، وليس له اسم غير الشهر الحرام، ووظيفته أنه شهر التقويم، أي المقوّم للانحراف بين السنة القمرية والسنة الشمسية".

وأضاف" يعني هو شهر الكبس الذي تتم به إعادة الشهور العربية لتنضبط على مواسمها الفصلية وتكون إضافته كل حوالي 32 شهراً لتعويض انزياح الشهور عن المواسم".

وأوضح الباحث السوداني لبي بي سي أنه توصل إلى أن شهر التقويم يترافق مع ظاهرة كونية مثبتة علمياً وهي ظاهرة (القمر الأزرق) عندما يكون القمر في أبعد نقطة عن الأرض.

والقمر الأزرق، بحسب ناسا، يكون عندما يكتمل القمر مرتين في شهر ميلادي واحد، مرة في أوله وأخرى في آخره، وهي ظاهرة تحدث كل سنتين ونصف.

ويقول العديرقاوي إنها تحدث كل سنتين وثمانية أشهر قمرية.

هل استمر تقويم الأشهر بعد وفاة النبي؟أكد المؤرخون القدامى وفقهاء اليوم على توقف المسلمين عن استخدام النسيء بعد (حجة الوداع) في السنة العاشرة هجرياً قبيل وفاة النبي محمد، إلا أنه لا يوجد ما يوضح كيفية ضبط المسلمين لمواعيد تجارتهم وزراعتهم بعد تحريم النسيء، بحسب فهمهم.

ويرى الباحث والمفكر الإسلامي وسام الدين إسحاق في كتابه (براءة النسيء) أن النسيء بمفهوم التقويم لا التلاعب، الذي يعني إضافة شهر كل نحو ثلاث سنوات، استمر العمل به من بعد وفاة الرسول وحتى معركة اليرموك في عهد عمر بن الخطاب سنة 15هـ.

وبنى إسحاق حساباته على توافق المسلمين والروم على توقيت المعركة في شهر رجب الموافق لأغسطس/آب، فقام بحساب فلكي قائم على مقارنة التاريخ الهجري بالميلادي، قبل اليرموك وبعدها، موضحاً أن آخر شهر النسيء" جاء بين شهري ربيع الثاني وجُمادى الأولى".

وعلى هذا، فقد خلص إسحاق إلى أنه" لم يُحرم رسول الإسلام النسيء في أثناء بعثته، بل تم حذفه وبطل العمل به بعد وفاته بستة أعوام".

في حين يرى الباحث السوداني ياسر العديرقاوي أن النسيء ليس بريئاً كما يقول إسحاق في عنوان كتابه، فهو مُحرم بنص القرآن، وإنما البراءة تكون لـ" الشهر الحرام" الذي جاء ذكره في القرآن الكريم والذي وُصف خطأ بالنسيء.

ويقول دكتور محمد الصادق، الباحث في معهد البحوث الفلكية والجيوفيزيقية، لبي بي سي، إن تثبيت موضع الأشهر بزيادة شهر" عملية معقدة" لاسيما على المجتمع الذي سيصعب عليه تقبلها والتعامل معها.

ويرى الدكتور محمد عناد سليمان، الباحث اللغوي والشرعي، أن التوقف عن تقويم الأشهر القمرية، أدى إلى حدوث خلل أو" اعوجاج" يحتاج إلى عملية" إصلاح".

وصرح سليمان لبي بي سي: " بما أنه لا يوجد عندنا تقويم، وأقصد بالتقويم دلالته اللسانية [اللغوية]، فثمة اعوجاج يحتاج إلى عملية إصلاح لنستطيع أن نُطلق على التاريخ الهجري مصطلح تقويم.

فعندما نقول لا يوجد لدينا عملية تقويم فلكية، فهذا يعني أن كل ما هو مرتبط به فيه إشكال ولابد من مراجعته".

وذكر أن من جملة" الإشكال" أن الصيام يأتي في غير موعده الذي ينبغي أن يكون وقت اعتدال الليل والنهار في أنحاء الأرض كافة؛ لكنه اليوم يقع في أشهر قد يغيب فيها النهار أو الليل تماماً كما يحدث في الدول القطبية.

" وبدلاً من أن نعالج المشكلة الحقيقية، أدخلنا أنفسنا في مشكلة أخرى" بحسب سليمان؛ فقد صدرت فتاوى تُبيح الإفطار بناء على غروب شمس مكة أو أقرب بلد عربي، حتى وإن كان ذلك يعني كسر الصيام قبل مغيب الشمس في البلد الأجنبي، بما يخالف النص القرآني الصريح" ثم أتموا الصيام إلى الليل".

لماذا يصوم البعض شهر رمضان في الخريف؟ويتفق طرح الباحث السوداني مع الباحث السوري في أن شهر رمضان لو كان موعده في زمان ثابت مع تقويم الأشهر القمرية، فإنه" سوف يتأرجح خلال شهر سبتمبر/أيلول، وهو الانقلاب الخريفي بتعامد الشمس على خط الاستواء".

وبالتالي، تتساوى ساعات الليل والنهار على معظم سطح الأرض.

ويضيف سليمان والعديرقاوي أن الإشكال يشمل الصيام والحج والعقود المعتمدة على الزراعة والحصاد والبيوع، وأمور كثيرة أخرى.

أوضح الدكتور سليمان، الحاصل على دكتوراه في اللغة العربية من جامعة دمشق، أنه تواصل مع بعض علماء الفلك الذين أبدوا صحة طرحه حول ضرورة تقويم السنة القمرية" لكنهم لا يتجرأون أو لا يستطيعون أو لا يعنيهم أن يتحدثوا في الموضوع؛ لأنهم لا يريدون الدخول في سِجالات".

وقال: " أيّ أمر تاريخي عندما تُضفى عليه صفة القداسة، يَعزُف الناس عن الاقتراب منه خوفاً من المقدس، علماً بأن التأريخ الهجري ليس مقدساً، فهو من وضع عمر بن الخطاب بصفته رئيساً للدولة".

وتساءل: " لو اتفق المسلمون الآن أن يؤرخوا بوحدتهم مثلاً وقالوا سنبدأ تاريخنا بالسنة الأولى للوحدة.

هل يغير هذا في الفلك شيئاً؟ ! أو في الشريعة شيئاً؟ ! " مؤكداً على أن هذا الأمر" ترتيب وتوافق بشري".

وأضاف في ختام حديثه لبي بي سي: " نحتاج إلى قرار جريء من السلطة السياسية بزيادة شهر كل ثلاث سنوات وينتهي الأمر، تماماً كما حدث مع التقويم الميلادي الغريغوري [الميلادي] الذي زاد 10 أيام دفعة واحدة بقرارٍ سياسي".

بودكاست خرافات: التقويم الميلادي لم يبدأ مع ميلاد المسيح وتسبب في اختفاء 10 أيام من حياة ‏البشرويقول الدكتور الأزهري محمد الجزيري: " في الأزهر، لا يمكن أن يوجد ما يمنع الاحتجاج بالأفكار التجديدية، لكنها لابد وأن تكون مستندة إلى أصل شديد الوضوح، مع وضوح الهدف النهائي".

وأشار إلى كتاب (التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية) الذي صدر لأول مرة سنة 1893م، من تأليف اللواء محمد مختار باشا، الذي جمع بين العلوم الفلكية العسكرية في عهد حاكم مصر الخديوي إسماعيل من الأسرة العلوية المنسوبة لمحمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة.

ووصف الجزيري الكتاب بأنه" عبقري" لأنه رصد السنين الهجرية إلى سنة 2070 ميلادياً، بمقابلة التاريخين الهجري والميلادي، " ما يعني أن هناك حسبة فلكية للأشهر الهجرية القمرية لا تكتفي بالرؤية البصرية".

وعلق بأن هذا ينفي التهمة بالاعتماد العشوائي على الرؤية البصرية، ويرى أن في هذا رد على" بعض المناقشات التي تحاول أن تنفي عن التقويم الهجري أنه علمي".

وقد خلُص وسام الدين إسحاق في بحث (براءة النسيء) إلى أن هناك بَوناً شاسعاً بين السنة الهجرية المعروفة في يومنا هذا، وبين ما كان ينبغي أن يكون عليه التقويم الهجري بزيادة شهور الكبس، بفارق يبلغ أكثر من 40 سنة قمرية.

في حين قال الدكتور الصادق، الباحث الفلكي المصري، لبي بي سي، إن من يرغب في تقديم طرح مختلف حول التقويم القمري، يمكنه عرض أطروحته على علماء الاختصاص بمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، وقسم بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك