إيلاف من دبي: على مدى عقود، دأب كثير من المعلقين على عالم الموضة على التنبؤ بنهاية متاجر الأقسام الفاخرة.
ومع ذلك، تواصل هذه الصروح التجارية الكبرى استقطاب ملايين الزوار عاماً بعد عام.
وما إن تعبر أبواب Harrods، أو Selfridges، أو Harvey Nichols، حتى تدرك حقيقة واحدة: الناس لا يأتون للتسوق فحسب، بل لخوض تجربة ترفيهية متكاملة.
يمتلك المستهلك اليوم خيارات شبه غير محدودة عبر الإنترنت، وكان من المفترض، نظرياً، أن يجعل ذلك متاجر الأقسام شيئاً من الماضي.
لكن الواقع جاء معاكساً تماماً؛ فبعد ساعات لا تنتهي من التصفح الإلكتروني، بات كثير من المتسوقين يقدّرون أكثر من أي وقت مضى متعة رؤية المنتجات ولمسها وتجربتها ومقارنتها على أرض الواقع.
وتقدم متاجر الأقسام الفاخرة ميزة يصعب على التجارة الإلكترونية توفيرها، وهي السياق.
ففي زيارة واحدة، يستطيع العميل مقارنة حقائب من علامات مختلفة، وتجربة أزياء لعدد من المصممين، واختبار العطور، واستكشاف أقسام التجميل، واكتشاف علامات ربما لم يكن ليبحث عنها عبر الإنترنت.
وهكذا تتحول عملية التسوق من مهمة محددة إلى رحلة مليئة بالاكتشاف.
كما أصبحت هذه المتاجر وجهات بحد ذاتها.
فالسياح يقصدونها كما يقصدون المتاحف أو المعالم الشهيرة، بفضل واجهاتها المبهرة، وديكوراتها الموسمية المتقنة، وإطلاقات العلامات الفاخرة، والفعاليات الحصرية التي تمنح كل زيارة طابعاً احتفالياً.
وهكذا يغدو التسوق نشاطاً ترفيهياً أكثر منه مجرد حاجة استهلاكية.
وقد يكون هذا التركيز على التجربة هو مفتاح مستقبلها.
فخبراء قطاع التجزئة يؤكدون بشكل متزايد أن المتاجر لم تعد تبيع المنتجات فقط، لأن المنتجات يمكن شراؤها من أي مكان.
أما ما يصعب استنساخه فهو الأجواء، والخدمة الشخصية، والخبرة، والإثارة التي ترافق تجربة التسوق.
ولذلك، عمدت العديد من متاجر الأقسام إلى تطوير خدماتها من خلال توفير مستشارين شخصيين للتسوق، وجلسات للعناية بالجمال، ومواعيد خاصة لتنسيق الإطلالات، إلى جانب المطاعم والمقاهي، والتركيبات الفنية، والتجارب الحصرية التي تقدمها العلامات التجارية.
وفي بعض الأحيان، تصبح جولة اليوم بأكملها أكثر أهمية من عملية الشراء نفسها.
والمفارقة أن نجاح هذه المتاجر اليوم يعود إلى تبنيها قيمة تبدو تقليدية: التفاعل الإنساني.
فبينما جعلت التكنولوجيا عملية الشراء أكثر سهولة من أي وقت مضى، فإنها جعلت تجربة التسوق أقل إثارة للذكرى.
فالنقر على زر «أضف إلى السلة» لا يمكنه أن يضاهي متعة العثور مصادفة على القطعة المثالية في الطابق الثالث، بعد أن أقنعت نفسك بأنك دخلت المتجر «لإلقاء نظرة سريعة» فقط.
وفي النهاية، يبدو أن مستقبل تجارة التجزئة لن يكون رقمياً بالكامل ولا تقليدياً بالكامل، بل سيقوم على المزج بين العالمين.
فالناس لا يزالون يرغبون في التجول، والمقارنة، والاكتشاف، وتناول الغداء، ثم الخروج بعد ست ساعات حاملين أكياس التسوق، متسائلين أين مضى الوقت.
وحتى الآن، لم تنجح أي خوارزمية في محاكاة هذه التجربة الإنسانية بكل تفاصيلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك