الغربة لا تعلمنا اللغات فقط، بل تعلمنا كيف نتأمل وجوه الناس بصمت في المطارات، وكيف نخرج جواز السفر كأننا نخرج قلوبنا للتفتيش.
كنا نظن أن الوطن حقيبة قديمة تركناها خلف الباب، ثم اكتشفنا، بعد سنواتٍ طويلة، أن الوطن لم يكن بيتًا ولا شارعًا ولا شجرة ياسمين؛ كان شيئًا يسير في دمنا مثل الحمى.
وحتى لو سرقه باعة الوهم أو باعوه للأجنبي، فسيظل وطننا الحبيب.
ليس هناك أمر وأقسى من الغربة عن وطن عشت فيه شبابك، وتعلمت أبجديتك الأولى على جدرانه، وتشكلت ملامحك فيه، حين لم يكن لك أحد تلجأ إليه غير نفسك.
وتبعدك الغربة عن وطن رأيت تحت سمائه أول امرأة ارتجفت لها روحك.
الوطن الأول لا يتكرر، كما لا تتكرر الأم، ولا الخيبة الأولى.
نغادر أوطاننا بحثًا عن حياة أفضل، فنجد حياة أوسع، جديدة، مليئة بالمفاجآت والأشياء الجميلة، لكننا نعيشها بقلوب أضيق.
الجميع يظن أننا في غربة جميلة؛ لدينا المال، والشهادات، والمناصب، وبيوت دافئة لا تقطع عنها الكهرباء.
نعم، هذا صحيح إلى حد ما؛ تعلمنا، ووصل بعضنا إلى أعلى المراتب، وصار عندنا ما يكفينا لمئة عام أخرى.
لكن لا أحد يسألنا: أين نضع هذا النجاح عندما يمرض الوطن في داخلنا؟ لقد حملنا الوطن معنا بين الأضلع، وفي الحقائب، وفي رائحة الكتب القديمة، وفي لهجتنا التي نحاول إخفاءها فتفضحنا، وحتى في حمضنا النووي كان مختبئًا كطفل خائف من المنفى.
لا أحد يستطيع أن ينتزع الوطن منا، لكن الغربة تحاول كل يوم.
تحاول أن تجعلنا أكثر برودة، وأكثر صمتًا، وأكثر شبهًا بالغرباء الذين نمر بقربهم من دون سلام.
لقد جعلتنا الغربة نقول للوطن وللأهل: نحن هنا، ثم نمضي في حياتنا كأن شيئًا لم ينكسر، بينما كل شيء في الداخل يتشقق بصمت.
ثم نعود إلى الوطن بعد سنوات، فنكتشف الكارثة الكبرى: أن الوطن نفسه تغير، وأن الذين بقوا فيه صاروا غرباء لنا أيضًا.
الوجوه ليست هي الوجوه، والأرصفة لا تعرف خطواتنا، وحتى الأشجار تبدو كأنها نسيت أسماءنا.
لهذا، عندما نرجع إلى الوطن نشعر أننا غرباء، وعندما نغادره نشعر بالغربة أيضًا.
كأن الغربة لم تعد مكانًا، بل صارت وطنًا آخر يسكننا.
وما يزيد المرارة أن بعض أبناء وطنك يعاملونك كأنك زائر، وأن التغيرات فيه جعلت الحديث عن المال يتقدم على الحديث عن الوطن.
فهل نكتب غربتنا في سطور، أم في كتب، أم ندفنها بصمت ونكمل الحياة كموظفين مهذبين في منفى طويل؟ وهل نبوح بها للآخرين كي يعرفوا أن الغربة ليست نزهة، وليست لعنة كما يصورها بعضهم، بل امتحان قاسٍ، ومصنع صامت للصلابة والانكسار معًا؟لا أحد يعرف.
كل ما نعرفه أن الوطن، مهما ابتعد، يبقى واقفًا داخلنا كجندي متعب يرفض أن يسلم سلاحه.
وسيظل هذا العهد قائمًا فينا، نحن الذين ابتعدنا قسرًا أو اختيارًا، إلى أن يعود الوطن إلى أحضان أبنائه، نظيفًا من أيدي المتسلطين والفاسدين والأيديولوجيين وباعة الأوهام.
هل سنتغلب على الغربة، أم ستتغلب الغربة علينا؟ لا أحد يملك جوابًا نهائيًا.
لكننا نعرف أن عزيمة الرجال والنساء لا تموت، وأن يومًا سيأتي يبتعد فيه شبح هذه الغربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك