بعد إعلان إيران وترامب انتهاء الحرب والعمليات العسكرية ووقف إطلاق النار على كل الجبهات، بما فيها لبنان، فى مذكرة تفاهم سيتم توقيعها الجمعة القادمة، تتوالى الأنباء برفض دولة الاحتلال الانسحاب من جنوب لبنان وإبلاغ حكومة الاحتلال ترامب بقرارها بعدم الانصياع إلى بنود مذكرة التفاهم، فهل يشير ذلك إلى عدم وفاق بين إسرائيل وأمريكا، أم أن الخلاف غير حقيقى ويمثل فقط خداعاً استراتيجياً للحصول على أكبر مكتسبات من إيران؟وهل تهدد رعونة نتنياهو الاتفاق المزمع توقيعه أم أن ترامب سيكون قادراً على كبح لجامه وإلزامه بالانصياع إلى الاتفاق؟إن قدرة الرئيس الأمريكى على إلزام إسرائيل ليست مطلقة، لكنها أكبر مما يبدو أحياناً.
هناك ثلاثة مستويات للضغط الأمريكى إذا أرادت فعلاً ذلك:أولاً: الضغط العسكرى والأمنى: الولايات المتحدة هى المزود الرئيسى للسلاح والذخائر والدعم الاستخباراتى لإسرائيل.
أى إدارة أمريكية تستطيع تأخير أو تقييد بعض المساعدات أو الذخائر إذا أرادت ممارسة ضغط حقيقى.
لهذا السبب استطاعت واشنطن فى محطات سابقة دفع إسرائيل إلى الانسحاب من مناطق احتلتها أو قبول وقف إطلاق النار.
ثانياً: الغطاء الدبلوماسى: تعتمد إسرائيل كثيراً على الدعم الأمريكى فى مجلس الأمن والمؤسسات الدولية.
إذا قرّرت واشنطن عدم توفير هذا الغطاء، فإن تكلفة استمرار الاحتلال ترتفع سياسياً.
ثالثاً: الضغط الشخصى والسياسى: العلاقة بين ترامب ودولة الاحتلال مهمة، لكن ترامب يميل إلى النظر للأمور من زاوية «الصفقة».
إذا اعتبر أن اتفاقاً مع إيران أو ترتيباً إقليمياً يخدم مصالحه ويُحسب له كإنجاز سياسى، فقد يضغط على إسرائيل لعدم إفشاله.
كل ذلك مرهون بالرغبة الحقيقية لترامب بتلجيم نتنياهو.
إذا صحت التقارير المتداولة بأن التوقيع النهائى على مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية سيتم يوم الجمعة القادم، فإن العقدة الحقيقية حالياً لن تكون الملف النووى أو مضيق هرمز، بل جنوب لبنان.
فهناك فجوة واضحة بين ما يبدو أن واشنطن وطهران اتفقتا عليه، وبين ما تعلن إسرائيل أنها مستعدة لقبوله.
تشير التسريبات والتقارير المتعدّدة إلى أن إيران اشترطت أن يشمل أى اتفاق وقفاً للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وأن يؤدى فى النهاية إلى انسحاب إسرائيلى من المناطق التى سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة، كما أن بعض التقارير تحدّثت صراحة عن أن الانسحاب الإسرائيلى الكامل من جنوب لبنان جزء من التفاهمات المطروحة فى المقابل، أعلنت إسرائيل مراراً أنها لا تنوى الانسحاب من «المنطقة الأمنية» فى جنوب لبنان، وأنها تريد الاحتفاظ بحرية العمل العسكرى ضد حزب الله حتى بعد أى ترتيبات سياسية أوسع.
هل يستطيع ترامب فرض الانسحاب؟ نظرياً نعم، وعملياً ليس بالكامل.
ترامب يمتلك أدوات ضغط هائلة كما ذكرنا، لكن إسرائيل ليست طرفاً موقّعاً على الاتفاق الأمريكى.
لذلك لا يستطيع ترامب إصدار «أمر» لإسرائيل بالانسحاب كما لو كانت جزءاً من الاتفاق.
أقصى ما يستطيع فعله هو رفع كلفة الرفض سياسياً وعسكرياً.
من الواضح أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الاتفاق باعتباره إنجازاً استراتيجياً كبيراً: يشمل إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار النفط، وبدء مفاوضات نووية جديدة.
لذلك فإن أى تصعيد إسرائيلى فى لبنان قد يُنظر إليه فى واشنطن على أنه تهديد مباشر لإنجاز ترامب السياسى.
وهذا يُفسر التقارير التى تحدّثت عن غضب ترامب من الضربات الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت لأنها جاءت فى اللحظة التى كانت فيها المفاوضات تقترب من نهايتها، لا أعتقد أن الجمعة القادمة ستشهد انسحاباً إسرائيلياً فورياً، الأرجح هو: توقيع مذكرة التفاهم، ووقف أو تجميد العمليات العسكرية الواسعة وبدء فترة انتقالية تمتد لنحو 60 يوماً، بمعنى آخر، قد ينجح ترامب فى فرض وقف التوسّع الإسرائيلى أولاً، لكنه سيواجه صعوبة أكبر فى فرض انسحاب كامل وفورى إذا استمرت إسرائيل فى رفض الانسحاب وواصلت عملياتها داخل لبنان، فقد تواجه واشنطن معضلة حقيقية: إما الضغط على إسرائيل حفاظاً على الاتفاق، وإما خسارة الثقة الإيرانية وانهيار التفاهم قبل أن يبدأ تنفيذه.
المؤشرات الحالية توحى بأن واشنطن مستعدة للضغط من أجل وقف العمليات الإسرائيلية، لكن ليس من المؤكد بعد أنها مستعدة لخوض مواجهة سياسية كاملة مع حكومة نتنياهو لإجبارها على الانسحاب الكامل من جنوب لبنان.
إذن السؤال الآن كيف ستتصرف إيران فى حالة عدم قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بما يخص الانسحاب من جنوب لبنان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك