حتى الثامنة من صباح اليوم الاثنين، 15 يونيو 2026، كانت السفن الراسية منذ عشرة أسابيع متواصلة لا تزال متوقفة قبالة شبه جزيرة مسندم المطلة على مضيق هرمز، سفن عاجزة عن العبور نحو وجهتها، تنشد انفراجة سياسية تُعيد فتح الطريق البحري أمامها.
وخلال هذا التوقيت كانت الكاميرات تلتقط مشهدًا لمضيق هرمز بدا هادئًا من الخارج، بلا توتر ظاهر، بينما كانت الأخبار تتسرّب من إسلام آباد وواشنطن وطهران عن اتفاق يضع حدًا للحرب التي أنهكت المنطقة على مدى أشهر طويلة، ويدفعها أخيرًا نحو كتابة سطورها الأخيرة ليتم الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأمريكي بوقف الحرب لتتحرك أخيراً السفن الراسيات بعد الإيعاز بإدارة المحركات مجدداً.
وبحسب ما أُعلن رسمياً حتى الآن، لا تبدو مذكرة التفاهم اتفاقًا نهائيًا شاملًا بقدر ما هي إطار أولي لوقف الحرب وفتح مسار تفاوضي أطول.
وتنص البنود المعلنة على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، على أن تعود حركة السفن تدريجيًا مع استكمال الترتيبات الأمنية والفنية في الممر البحري.
كما تتضمن المذكرة تعهدات متبادلة بعدم بدء حرب جديدة، أو التهديد باستخدام القوة، أو التدخل في الشؤون الداخلية، مع تثبيت موعد التوقيع الرسمي على الاتفاق يوم الجمعة 19 يونيو في سويسرا.
أما الملفات الأكثر تعقيدًا كالبرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات، والترتيبات الأمنية الإقليمية، فقد جرى إرجائها إلى جولات تفاوض لاحقة خلال فترة وقف إطلاق النار، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى بداية مسار سياسي طويل منه إلى تسوية نهائية مكتملة.
إذن فالمعادلة واضحة، تتوقف الحرب فورًا، فترفع واشنطن حصارها البحري، لتفتح طهران الطريق عبر هرمز، ثم ينتقل الطرفان إلى طاولة أطول وأصعب لمناقشة البرنامج النووي والعقوبات وضمانات الأمن الإقليمي.
لذلك لم يكن الاتفاق نهاية كاملة للأزمة، بل كان أقرب إلى زر إيقاف مؤقت لحرب كادت تخرج من السيطرة.
منذ أسابيع والمباحثات والاتفاقات تتأرجح بين تصريحات ووعود بقرب انتهاء الأزمة وبين تهديد ووعيد أمريكي وترقب إيراني، وبين هذا وذاك ظلت الآمال معلّقة بخيط رفيع لا يخلو من شك وتسريبات وتراجعات.
بنهاية مايو الماضي، كشفت مصادر مُطلعة لشبكة" سي إن إن" أن الصياغات الأخيرة لمذكرة التفاهم تتضمن إعادة تدريجية لفتح المضيق ورفعاً للحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، فيما كانت وسائل إعلام إيرانية رسمية، على رأسها وكالة" تسنيم" شبه الرسمية، تشكك في إمكانية التوصل إلى اتفاق أصلاً، وتتحدث عن خلافات لا تزال عالقة حول بند أو بندين.
في بيان رسمي صدر مساء أمس الأحد 14 يونيو، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، عُرفت في البيان باسم" مفاوضات إسلام آباد، وذلك بعد عدة جولات تفاوضية مطوّلة امتدت شهوراً.
وأوضح المجلس أن الاتفاق ينص على إنهاء الحرب والعمليات العسكرية بشكل فوري ودائم على جميع الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، إلى جانب إنهاء الحصار البحري المفروض على إيران بصورة كاملة وفورية، على أن يُعقد التوقيع الرسمي على المذكرة يوم الجمعة 19 يونيو المقبل في سويسرا.
ولم يفِت المجلس الإيراني أن يوجّه الشكر لكل من سهّل الطريق للوصول لهذا الاتفاق، معبّراً عن تقديره للدور الذي قامت به باكستان ودولة قطر في تقريب الفجوات وتيسير المفاوضات.
وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أول من صدر الخبر للعالم، حين أعلن أنه" تم التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية"، مضيفاً أن حفل التوقيع الرسمي سيُقام يوم الجمعة 19 يونيو في سويسرا.
لم يتأخر الرد من الجانب الأمريكي حيث كتب الرئيس دونالد ترامب على منصة" تروث سوشيال" أن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد أُبرم، مهنّئاً" الجميع"، وموجّهاً برفع فوري للحصار البحري الأمريكي عن إيران، في عبارة بدت أقرب إلى خطاب احتفالي منها إلى بيان دبلوماسي رسمي" يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم".
وفي وقت سابق، كان ترامب قد صرّح مساء الخميس الماضي بأن" الحرب مع إيران انتهت اليوم"، وأنه وفق فهمه حصل على موافقة المرشد الأعلى الإيراني على هذا المسار، في تصريح بدا حينها سابقاً لأوانه، قبل أن تتلاحق الأحداث لتؤكده فعلياً بعد أيام قليلة.
من جانبها، أكدت طهران أن البنود التالية ستدخل حيز التنفيذ فوراً وأبرزها، إنهاء الحرب بشكل دائم وفوري على جميع الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار الأمريكي عن إيران بالكامل.
وهو ما أعلنه نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، الذي أكد أن نص مذكرة التفاهم قد تم الانتهاء منه وسيُوقَّع رسمياً يوم الجمعة في سويسرا.
ترحيب من الخليج إلى بروكسللم يكن الاتفاق مجرد خبر عابر، بل تحوّل إلى لحظة إقليمية ودولية بامتياز، أعادت ترتيب أولويات عواصم عديدة في ساعات معدودة حيث انهالت التصريحات والتبريكات بالاتفاق من أغلب عواصم العالم الذي تضرر من جراء هذه الحرب اقتصاديا وسياسياً.
وخلال هذا الزخم من التصريحات والترحيب بالاتفاق، يبرز اسم قطر بقوة، حيث رحّبت الدوحة بالاتفاق، في بيان وزارة الخارجية القطرية الرسمي وبتصريح من معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية عبر حسابه على منصة" إكس"، " نرحب بالتوصل إلى اتفاق حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونتقدم بالشكر للأشقاء في جمهورية باكستان الإسلامية، ولجميع الأطراف الإقليمية والدولية التي أسهمت في تهيئة الظروف للوصول إلى هذا التفاهم، ونتطلع إلى أن تنخرط كافة الأطراف في المفاوضات المقبلة بروح إيجابية وبنّاءة، تسهم في ترسيخ هذا التقدم والبناء عليه، ونؤكد أن دولة قطر ستبقى دائمًا داعمًا ثابتًا لهذه الجهود، ولكل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي عبر الحوار والوسائل السلمية.
وعلى الرغم مما واجهته قطر من قصف واعتداء - جرّاء تعرّضها لضربات صاروخية مباشرة طالت بعض المرافق الاستراتيجية، والأحياء السكنية، وقطاعات الطاقة والبنية التحتية، لتُقدَّر الخسائر بنحو 20 مليار دولار – إلا أنها اضطلعت بدور محوري خلال هذا الاتفاق، واختارت أن تتحول من" هدف" إلى" وسيط"، موجِّهةً بذلك الاختيار بوصلتها الدبلوماسية نحو تقريب الفجوات بين طهران وواشنطن.
وللإنصاف فإن ترحيب دولة قطر بالاتفاق لم يكن مجرد ترحيباً دبلوماسياً تقليدياً، بل هو ترحيب من عرف معنى الحرب عن قرب، وترحيب يعلوه الأمل أن يكون هذا التفاهم بداية فعلية للسلام في المنطقة لا مجرد" فاصل حربي" بين جولتين من القتال.
وفي الرياض تلقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عبّر خلاله عن" ترحيب المملكة بتوصل إيران والولايات المتحدة لاتفاق بينهما لإنهاء العمليات العسكرية، وبدء مفاوضات تفصيلية بهدف التوصل إلى اتفاق دائم"، مع تطلّع الرياض إلى" سلام يعزز أمن المنطقة والعالم".
ومن أبوظبي، أكدت الإمارات أهمية الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، بما يضمن الوقف الفوري والشامل للأعمال العدوانية في المنطقة واحترام سيادة الدول.
أما بيروت، فجاء التفاعل محمَّلاً بثقل إنساني خاص، فالرئيس اللبناني جوزاف عون ثمّن إدراج" أمن واستقرار لبنان" ضمن الاتفاق، وكتب على منصة" إكس" أنه تابع باهتمام الإعلان عن مذكرة التفاهم وما تضمنته من تأكيد على وقف الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان البلد الذي ظل لأشهر يدفع فاتورة حرب لم يكن طرفاً مباشراً فيها.
من بروكسل، رحّب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بالاتفاق، مؤكداً استعداد الاتحاد الأوروبي للمساهمة في صياغة استراتيجية تفضي إلى" سلام مستدام"، فيما أصدر قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً دعوا فيه إلى" إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيدة".
وعلى الصعيد البحري، اعتبر رئيس المنظمة البحرية الدولية أن الاتفاق" خطوة مهمة لاستعادة السلامة في هذا الممر البحري الحيوي للبحارة والسفن"، في إشارة إلى آلاف البحّارة الذين ظلوا عالقين أو متوترين على متن سفنهم طوال أسابيع الإغلاق.
لكن وسط هذه الأجواء الاحتفالية، كانت تل أبيب كعادتها" عَكِرةُ المزاج السياسي"، فقد رفض الكيان المحتل الانسحاب من لبنان كجزء من ترتيبات الاتفاق.
ووصف إعلام الكيان الاتفاق بأنه" صدمة استراتيجية"، واعتبره بعضهم خضوعاً أمريكياً لشروط طهران، وتهميشاً يفرض عجزاً دبلوماسياً وعسكرياً على دولة الاحتلال، ويبدد أوهام" النصر الكامل" الذي كانت تل أبيب تروّج له طوال أشهر المواجهة.
مازاد المشهد تعقيداً، القصف الإسرائيلي الذي استهدف ضاحية بيروت الجنوبية قبل ساعات من الموعد المفترض لإبرام الاتفاق، في خطوة دفعت ترامب نفسه إلى الإسراع باستنكار الضربة، خشية إفساد لحظة التوقيع على الاتفاق الذي طال انتظاره.
هرمز يعيد ترتيب أسواق العالمبينما كانت العواصم لا تزال تصدر بياناتها، كانت غرف تداول النفط في آسيا وأوروبا قد بدأت تتفاعل بسرعة لافتة.
فبحلول العاشرة والنصف من صباح اليوم، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 4.
9% لتصل إلى نحو 83.
05 دولاراً للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنحو 5% إلى حوالي 80.
7 دولاراً، في أدنى مستوى تسجله الأسواق منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وفي موازاة ذلك، دخلت غالبية مؤشرات البورصات العربية" المنطقة الخضراء"، في مشهد بدا كأن الأسواق نفسها كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
ومع ذلك، حذّر خبراء من القفز إلى الاستنتاجات؛ فبحسب ما نقلته وكالة" بلومبرغ" عن كبار مستثمري الطاقة، لا تزال الفجوة واسعة بين" إعادة فتح الممرات البحرية" و" عودة الثقة" الكاملة لشركات الشحن والتأمين والمصافي، وهي ثقة قد تحتاج أشهراً لتعود إلى طبيعتها بعد الاضطرابات التي خلّفها التصعيد العسكري" الأمريكي-الإسرائيلي" الأخير ضد إيران.
كما لفت محللون إلى أن أسعار النفط لا تزال أعلى بنحو 10 دولارات للبرميل عن مستوياتها قبل الحرب، وأن من المبكر استبعاد مخاطر صعود جديد، خاصة أن مسار التفاوض لم يتحول بعد إلى اتفاق نهائي مستقر وقابل للتنفيذ الكامل.
ثمن العزلة على الإيرانيينمن واقع الأرقام والبيانات الرسمية، تكبدت إيران خسائر اقتصادية ضخمة بسبب شلل حركة الموانئ التي تمثل عصب اقتصاد إيران الذي يعتمد على النقل البحري في نحو 90% من التجارة الخارجية، وقدرت الإدارة الأمريكية خسائر إيران اليومية من الحصار البحري بحوالي 500 مليون دولار - أي ما يقترب من نصف مليار دولار يتبخر كل 24 ساعة من اقتصاد منهك بالفعل.
ما بعد الجمعة.
اتفاق مؤقت أم بداية مسار طويل؟ما يجعل هذا الاتفاق مختلفاً عن مجرد" هدنة" عابرة، هو أنه، وفق البيان الإيراني الرسمي، يُمهّد الطريق لمزيد من المحادثات حول الملف الأكثر تعقيداً في هذا الصراع" البرنامج النووي الإيراني".
فالاتفاق الذي سيتم توقيعه يوم الجمعة في سويسرا يعتبر" مذكرة تفاهم" أولية، بينما ستُؤجَّل المفاوضات الخاصة بالاتفاق الدائم والشامل إلى حين تنفيذ كل طرف لالتزاماته المنصوص عليها في المذكرة.
نعم، مضيق هرمز تم فتحه، والقصف توقف نظرياً على كل الجبهات بما فيها لبنان، والحصار البحري رُفع.
لكن السؤال الأهم لا يزال معلّقاً، هل يصمد هذا التفاهم أمام أول اختبار جدي في منطقة لم تنعم بسلام حقيقي منذ عقود؟ ، وفي ظل معارضة إسرائيلية صريحة لجزء جوهري من بنوده؟ويبدو أن الإجابة لن تُكتب في إسلام آباد أو جنيف، بل سَتُكتب خلال الأسابيع المقبلة، في بيروت وهرمز وطهران، حيث يبدأ العالم اختباراً حقيقياً: هل هذا الاتفاق بداية سلامٍ مُلزم لكل الأطراف، أم أننا أمام" صمتٍ حربي مؤقت"، لن يلبث أن تنسفه محاولات تل أبيب المعهودة تلك" النوايا التي لا تخفى على أحد"، وبطبيعة الحال لا تخفى حتى على تل أبيب ذاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك