مع بدء التحضيرات لمسلسل" نظام الملك – العصر الذهبي"، يعود الحديث مجددا عن الدراما التاريخية التركية وقدرتها على تجديد نفسها والحفاظ على جاذبيتها لدى الجمهور، رغم التحولات التي يشهدها سوق الإنتاج واتجاه المنصات نحو الأعمال الأقصر.
فالعمل الجديد، الذي يتناول سيرة الصدر الأعظم للدولة السلجوقية نظام الملك، لا يستحضر مرحلة تاريخية مؤثرة فحسب، بل يعيد المشاهدين أيضا إلى نوع من الدراما التاريخية غاب نسبيا عن الشاشات التركية خلال السنوات الأخيرة.
list 1 of 2من يجسد سيرة مصطفى محمود؟
" بين الشك واليقين" يكشف عن وجه مفاجئlist 2 of 2كيف تحولت قصة امرأة محجبة إلى معركة بين المحافظين والعلمانيين في تركيا؟فمنذ النجاح الكبير الذي حققه" حريم السلطان" (القرن العظيم) عند عرضه عام 2011، ارتبطت الأعمال التاريخية التركية في أذهان الجمهور بالصراعات داخل القصور، والمنافسة على النفوذ، والمؤامرات السياسية التي تدور خلف أبواب الحكم المغلقة.
وشكّل المسلسل حينها نقطة تحول في صناعة الدراما التركية، بعدما حقق انتشارا استثنائيا داخل تركيا وخارجها، وفتح الباب أمام موجة واسعة من الأعمال المستوحاة من التاريخ.
لكن السنوات اللاحقة اتجهت إلى مسار مختلف، مع صعود أعمال مثل" قيامة أرطغرل" و" المؤسس عثمان" و" ألب أرسلان" وغيرها، حيث طغت قصص التأسيس والفتوحات والمعارك العسكرية والصراع على الحدود على المشهد التاريخي التركي.
أما" نظام الملك – العصر الذهبي" فيبدو أقرب إلى استعادة الأجواء التي رسخها" حريم السلطان"، إذ يضع في مركز الأحداث شخصية سياسية تُعد من أكثر الشخصيات نفوذا في تاريخ الدولة السلجوقية، في عمل يُتوقع أن تدور أحداثه حول التوازنات المعقدة داخل البلاط، والتحالفات والمؤامرات والصراعات على السلطة، بقدر ما يتناول الوقائع التاريخية نفسها.
لا يقتصر الرهان في" نظام الملك – العصر الذهبي" على الشخصية التاريخية التي يتناولها أو الحقبة التي يستعيدها، بل يشمل أيضا طريقة تقديم التاريخ نفسه.
فبينما ارتبطت الدراما التاريخية التركية خلال السنوات الماضية بأعمال ضخمة امتدت في بعض الأحيان إلى مئات الحلقات، كما حدث مع" قيامة أرطغرل" و" المؤسس عثمان"، يأتي المشروع الجديد في نحو 15 حلقة فقط، في انعكاس واضح للتحولات التي فرضتها المنصات الرقمية على صناعة الدراما.
ويكشف هذا التحول أن الدراما التركية لا تتخلى عن التاريخ بوصفه مادة جماهيرية أثبتت قدرتها على جذب المشاهدين داخل تركيا وخارجها، بل تعيد صياغة هذه المادة بما يتناسب مع أنماط المشاهدة الجديدة.
فبعد سنوات من الأعمال الطويلة التي اعتمدت على التوسع في السرد وتعدد الخطوط والشخصيات، تتجه المنصات اليوم إلى أعمال أكثر تركيزا وكثافة، تحافظ على عناصر التشويق التاريخي نفسها، لكن ضمن مواسم محدودة وإيقاع أسرع.
من هنا، يبدو" نظام الملك – العصر الذهبي" محاولة للجمع بين عالمين: الدراما التاريخية الكلاسيكية التي قامت على الصراعات السياسية والشخصيات المؤثرة والأحداث الكبرى، ونموذج المنصات الحديثة الذي يفضل المواسم القصيرة.
وبذلك يتحول العمل إلى اختبار جديد لقدرة الدراما التاريخية التركية على الحفاظ على جمهورها.
يضم العمل مجموعة من الأسماء المعروفة في الدراما التركية، يتقدمهم ميرت توراك في دور نظام الملك، وألب نافروز الذي يجسد شخصية السلطان ملك شاه في أول تجربة له ضمن الأعمال التاريخية.
كما يشارك في البطولة دينيز باروت بدور صفية خاتون، وبولنت تشولاك بدور حسن الصباح، وبوراك تشيليك بدور الأمير تتوش، إضافة إلى ديلارا يشيل يابراك في دور زبيدة خاتون.
ويتولى إخراج العمل أمير خليل زاده، فيما يحمل السيناريو توقيع عيسى يلدز وفريق من الكتاب المتخصصين في الدراما التاريخية.
وتكشف شخصيات العمل، مثل نظام الملك وملك شاه وحسن الصباح، أن محور الأحداث لن يكون قائما على الفتوحات والمعارك العسكرية وحدها كما هو الحال في عدد من الأعمال التاريخية التركية، بل على شبكة معقدة من التحالفات والصراعات السياسية والتنافس على النفوذ داخل الدولة السلجوقية.
وهو ما يجعل" نظام الملك – العصر الذهبي" أقرب إلى الأعمال التي استندت إلى دهاليز الحكم والمؤامرات ومراكز القرار، وهي الأجواء التي أسهمت سابقا في نجاح" حريم السلطان" وجعلته واحدا من أكثر الأعمال التاريخية تأثيرا وانتشارا.
ويأتي العمل ليقدم للمشاهدين تجربة بصرية وتاريخية يُراد لها أن تكون مختلفة في مقاربتها للشخصيات والأحداث، ضمن معالجة تجمع بين البعد الدرامي والإطار التاريخي الذي قامت عليه الدولة السلجوقية وصراعاتها المعقدة.
وليست هذه المرة الأولى التي تحضر فيها شخصية نظام الملك ضمن الدراما التركية.
فقد ظهر الوزير السلجوقي الشهير سابقا في مسلسل" نهضة السلاجقة العظمى" الذي عُرض بين عامي 2020 و2021، وجسد الممثل محمد أوزغور شخصية نظام الملك، فيما لعب غوركان أويغون دور حسن الصباح، أحد أبرز خصوم الدولة السلجوقية ومؤسس جماعة" الحشاشين".
ولم يكن نظام الملك، أو أبو علي الحسن بن علي الطوسي، مجرد وزير في الدولة السلجوقية، بل أحد أبرز العقول السياسية في التاريخ الإسلامي الوسيط.
إذ ترقى تدريجيا داخل دوائر الحكم حتى أصبح الصدر الأعظم للسلطانين ألب أرسلان ثم ملك شاه، ليكون العقل الإداري الذي ساهم في تثبيت أركان دولة امتدت من آسيا الوسطى حتى هضبة الأناضول.
وارتبط اسمه بإعادة تنظيم الإدارة والجيش، وتثبيت فكرة الدولة المركزية القوية، كما أسس نظام المدارس النظامية التي لعبت دورا محوريا في نشر التعليم الديني والفكري في عصره.
لكن صورته التاريخية لا تكتمل دون التوقف عند أحد أكثر فصول حياته إثارة، وهو صراعه الطويل مع حسن الصباح، مؤسس جماعة الحشاشين، حيث تحولت المواجهة بينهما إلى صراع نفوذ وعقيدة وسياسة داخل قلب الدولة السلجوقية، وانتهت باغتياله عام 1092، في حادثة بقيت واحدة من أكثر الاغتيالات السياسية تأثيرا في التاريخ الإسلامي.
التاريخ بين إعادة الصياغة ورهان الحاضريضع" نظام الملك – العصر الذهبي" الدراما التاريخية التركية أمام اختبار جديد لا يتعلق فقط بالموضوع أو الحقبة، بل بطريقة استثمار التاريخ نفسه داخل صناعة تتغير بسرعة.
فبين ثقل شخصية بحجم نظام الملك، وما تحمله المرحلة السلجوقية من صراعات معقدة، يراهن العمل على إعادة تقديم التاريخ كدراما سياسية مشحونة بالتوتر، قادرة على جذب جمهور اعتاد أن يرى في هذا النوع مساحة للدهشة والمتابعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك