كلما برز اسم الشيخ خلدون عريمط في حدث سياسي أو قضائي أو إعلامي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل انتهى زمن المشايخ السياسيين في لبنان؟ أم أن بعض الأصوات التي اعتادت قول ما تفكر فيه باتت غير مرغوب بها في مرحلة تتجه أكثر فأكثر نحو ضبط الخطاب الديني والسياسي داخل الأطر والمؤسسات؟يمثل عريمط نموذجاً لجيل من رجال الدين الذين لم يحصروا أنفسهم داخل جدران المؤسسات الدينية أو في حدود الشأن الفقهي البحت، بل انخرطوا في الحياة الوطنية والسياسية، وأدلوا بمواقفهم في القضايا الكبرى التي مرت على لبنان.
فمنذ سنوات طويلة، كان الرجل حاضراً في النقاشات العامة، مدافعاً عن قناعاته ومواقفه، سواء اتفق معه الآخرون أم اختلفوا.
قد يكون هذا الحضور أحد أسباب الجدل الدائم حوله.
فالشخصيات الصامتة نادراً ما تثير الانقسام، أما الشخصيات التي تختار التعبير عن رأيها في الملفات الحساسة، فتتحول بطبيعة الحال إلى هدف للانتقاد والهجوم والمواجهة.
وعريمط كان دائماً من هذا النوع.
في السنوات الماضية، شهدت الساحة السنية تحولات عميقة.
تراجع الدور السياسي التقليدي، وظهرت محاولات لإعادة ترتيب البيت السني على أسس مختلفة، مع تعزيز دور المؤسسات الدينية وتقليص مساحة المبادرات الفردية.
وفي خضم هذه التحولات، برزت تساؤلات حول مصير الشخصيات التي اعتادت لعب أدوار تتجاوز حدود العمل الديني التقليدي.
من هنا، تبدو قضية عريمط أكبر من مجرد ملف شخصي أو قضائي.
فهي تعكس أيضاً مرحلة انتقالية تعيشها الطائفة السنية، بين نموذج كان يمنح رجال الدين مساحة واسعة للحضور في الشأن العام، ونموذج جديد يسعى إلى حصر هذا الدور ضمن أطر أكثر مؤسساتية وأقل اشتباكاً مع السياسة اليومية.
لكن هل كان حضور المشايخ السياسيين خطأً في الأصل؟يصعب تبني هذا الاستنتاج بسهولة.
فلبنان، بطبيعته الطائفية وتعقيداته السياسية، لم يعرف يوماً فصلاً كاملاً بين الدين والسياسة.
وفي كثير من المحطات المفصلية، لعب رجال الدين أدواراً وطنية تجاوزت حدود طوائفهم ومؤسساتهم، وساهموا في حماية الاستقرار أو الدفاع عن قضايا اعتبروها مصيرية.
ولهذا السبب، يرى كثيرون أن ما يواجهه عريمط اليوم لا يتعلق بشخصه فقط، بل يعكس تحولاً أوسع في المشهد السني.
فالرجل الذي كان حاضراً بقوة في الإعلام والسياسة لعقود، يجد نفسه اليوم في مواجهة مرحلة جديدة تختلف قواعدها عن تلك التي عرفها سابقاً.
ومهما اختلف اللبنانيون مع مواقف عريمط أو مقارباته السياسية، يبقى من الصعب تجاهل حقيقة أنه كان أحد أبرز الأصوات السنية التي شاركت في النقاش العام خلال العقود الأخيرة.
كما يصعب إنكار أن الرجل دفع أثمان مواقفه أكثر من مرة، وواجه حملات سياسية وإعلامية متكررة بسبب آرائه وخياراته.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان زمن المشايخ السياسيين قد انتهى.
السؤال الأهم هو: هل تستطيع الساحة السنية الاستغناء عن الشخصيات التي تمتلك الجرأة على التعبير عن مواقفها خارج الحسابات الضيقة؟ وهل يؤدي الانتقال نحو العمل المؤسساتي إلى تعزيز الحضور السني في الحياة العامة، أم إلى إنتاج حالة من الصمت والفراغ؟الجواب لا يزال قيد الاختبار.
لكن المؤكد أن خلدون عريمط، سواء اتفق معه الناس أم اختلفوا، يبقى واحداً من الوجوه التي طبعت مرحلة كاملة من الحياة السياسية والدينية في لبنان، وأن النقاش الدائر حوله اليوم يتجاوز شخصه ليطال طبيعة الدور الذي يريده اللبنانيون لرجال الدين في الشأن العام خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك