تكشف التطورات الأخيرة أن دول الخليج العربية كانت الطرف الأكثر تضررًا من التصعيد العسكري مع إيران، رغم سعيها لتفادي الانخراط في الحرب.
فقد تحمّلت هذه الدول كلفة مباشرة للهجمات الإيرانية، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستية، إضافة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وهو ما شكّل تهديدًا وجوديًا لنموذجها الاقتصادي القائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات.
اتفاق مؤقت وتحول في الحسابات الخليجيةوقد يؤدي الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى إسكات أصوات المدافع، لكنه لا يستطيع تغيير نتيجة حرب دامت أكثر من ثلاثة أشهر، بحسب وكالة رويترز.
وحسب التسريبات تنص مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، المقرر توقيعها الجمعة، على وقف الأعمال القتالية لمدة 60 يومًا تُستكمل خلالها مفاوضات تسوية دائمة، تشمل ملف اليورانيوم المخصب.
ورغم ذلك، تبدو دول الخليج العربية الأكثر تأثرًا، بعدما تعرّض نموذجها القائم على الاستقرار لهزة عميقة، ما يجعلها الخاسر الأبرز من الحرب التي أعادت تشكيل بيئتها الأمنية.
وتشير مصادر خليجية إلى أن الاتفاق بدأ فعليًا في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي، مع تراجع الثقة بالحماية الأمريكية وترسيخ مكانة إيران كقوة إقليمية، وتسريع التوجه نحو التسويات بدل المواجهة، بحسب ما نقلت وكالة رويترز.
ونقلت رويترز عن مصدر خليجي رفيع تأكيده أن خفض التصعيد" أمر إيجابي، لكن الوضع أسوأ على نحو لا لبس فيه مما كان عليه قبل الحرب".
وفي المقابل، يرى مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق غير مواتٍ لهم، لأنه يتجاهل مطالب أساسية، أبرزها تفكيك قدرات التخصيب وفرض قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني.
نقاط القصور في الاتفاق من منظور خليجييرى محللون تحدثوا مع وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) أن الاتفاق يتجنب القضايا الأمنية الأكثر إلحاحًا لدول الخليج، خصوصًا ما يتعلق بالقدرات العسكرية الإيرانية وشبكات النفوذ الإقليمي.
وفي هذا السياق، قال حسن الحسن من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: " مذكرة التفاهم لن تعالج على الأرجح المخاوف الأمنية الجوهرية لدول الخليج المتعلقة بالقدرات العسكرية الهجومية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الميليشيات الإقليمية".
كما أشار الحسن إلى أن محدودية الاعتماد على الحماية الأمريكية دفعت الدول الخليجية للبحث عن بدائل ردع، حيث قال: " في ظل عدم كفاية وعدم موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، تلجأ دول الخليج إلى وسائل مختلفة لردع إيران عن شن مزيد من الهجمات، سواء عبر إبرام تفاهمات أو دعم الجهود الدبلوماسية".
ويعكس هذا التقييم تحوّلًا استراتيجيًا أعمق في مواقف دول الخليج؛ فرغم انعدام الثقة القديمة مع طهران، كانت هذه الدول تعتمد على قوة واشنطن لاحتوائها، غير أنها بدأت اليوم تتجه نحو فتح قنوات تواصل مباشرة مع إيران في ظل تراجع رهانات الحماية الخارجية.
وقال فواز جرجس الباحث في شؤون الشرق الأوسط: " تدرك دول الخليج أكثر فأكثر أن إيران باقية، وأنها لا تزال قادرة على زعزعة النظام الإقليمي".
وأضاف: بحسب ما نقلت رويترز: " دول الخليج لا تثق في إيران.
كنت تأمل في أن الولايات المتحدة ستغير النظام الحاكم، لكن ما حدث هو العكس.
والآن يدرك المزيد من حكام الخليج أنه لا يمكنهم الاعتماد على الولايات المتحدة ولا إسرائيل لتوفير الأمن أو الاستقرار".
منذ انسحاب واشنطن من اتفاق 2015، عبّرت دول الخليج عن تحفظاتها، خاصة لعدم إشراكها في المفاوضات وتجاهل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور الوكلاء الإقليميين.
واليوم، ترى هذه الدول أن الاتفاق الجديد يعيد إنتاج نفس الإشكالات.
وفي هذا الإطار، قال كريم بيطار، المحاضر في معهد العلوم السياسية في باريس: " هذا الاتفاق يبدو وكأنه جرى التفاوض عليه على عجل، وقدمت إيران تنازلات أقل بكثير مما قدمته عام 2015"، وأضاف بيطار لـ" أ ف ب" أن لدى دول الخليج" أسبابا تدعوها إلى التشكيك".
ورغم إعادة فتح مضيق هرمز، وهو مطلب أساسي لدول الخليج، فإن ذلك لا يُعد مكسبًا استراتيجيًا بقدر ما هو عودة إلى الوضع الطبيعي بعد أزمة تسببت بها الحرب نفسها.
تداعيات الربط بين الملفات الإقليميةيشير مراقبون إلى أن ربط وقف إطلاق النار بساحات أخرى مثل لبنان يمنح إيران نفوذًا إضافيًا عبر حلفائها.
وفي هذا السياق، قال الحسن: " ربط وقف إطلاق النار بالنزاع في لبنان ومناطق أخرى يمنح الوكلاء الإقليميين لإيران حصانة من أي هجمات إسرائيلية مستقبلية أو حتى من محاولات الحكومات الوطنية نزع سلاح هذه الفصائل المسلحة أو دمجها".
كما أن الاتهامات الخليجية لإيران ووكلائها باستهداف أراضيها بعد وقف إطلاق النار الهش تعكس استمرار حالة التوتر وانعدام الثقة.
استراتيجيات خليجية للتأثير والاحتواءاتبعت دول الخليج العربية نهجًا براغماتيًا للتعامل مع الأزمة، حيث حاولت التأثير على مسار الاتفاق بطرق مختلفة، فالإمارات خففت من لهجتها التصعيدية مع إيران مع اقتراب التوصل لاتفاق.
وقالت الخبيرة في شؤون الخليج دانيا ظافر لوكالة الأنباء الفرنسية إن" الإمارات خلال فترة التصعيد الإيراني المكثف قابلت ذلك بخطاب حازم في محاولة لخلق نوع من الردع.
لكنها في النهاية لاعب براغماتي".
وأضافت أن الإمارات" اتجهت أيضا نحو خفض التصعيد".
أمّا قطر، فلعبت دورًا دبلوماسيًا غير مباشر، حيث شاركت في مفاوضات مكثفة.
وبحسب مصدر دبلوماسي، شارك المفاوضون القطريون في" 17 ساعة من المفاوضات المكثفة" في طهران.
وترى ظافر أن قطر" لعبت دورا في محاولة ضمان المصالح الخليجية".
بينما ركزت السعودية: على بناء تحالفات إقليمية لتعزيز الاستقرار، من خلال التنسيق مع دول مثل مصر وتركيا وباكستان.
تجد دول الخليج نفسها في موقف معقد بين إيران والولايات المتحدة.
ويعبّر أندرياس كريغ، الخبير الأمني في كلية كينغز بلندن، عن ذلك بقوله إن هذه الدول أصبحت" مضطرة للاعتماد على نفسها" في ظل تراجع موثوقية الحليف الأمريكي وتصاعد جرأة إيران.
كما أشار نيل كويليام، خبير شؤون الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، إلى أن الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية، مؤكدًا أن إيران" نجت من حملة الاغتيالات واستهداف القيادات التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أثبتت قدرتها على الرد واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط".
ضغوط مزدوجة: بين إيران وواشنطنتواجه دول الخليج ضغوطًا متزامنة من الطرفين؛ فإيران تستخدم أوراقًا جيوسياسية مثل مضيق هرمز، بينما توظف واشنطن التهديد الإيراني لفرض مطالبها.
وفي هذا السياق، قال الحسن: " دول الخليج تتعرض لما يشبه الابتزاز من قبل كل من إيران والولايات المتحدة"، مضيفاً: " من المرجح أن تواصل إيران استخدام دول الخليج ومضيق هرمز كورقة رهينة مرتبطة بمفاوضاتها النووية مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يستغل ترامب التهديد الإيراني للضغط على دول الخليج كي تستجيب لمطالبه".
أما دانيا ظافر فأكدت أن الإدارة الأمريكية تحاول إعادة ترسيخ دورها الردعي، بقولها: " يحاول تسويق فكرة أن الولايات المتحدة لا تزال تشكل عامل ردع في مواجهة إيران".
وأضافت: " إيران أضعف مما كانت عليه، لكنها في بعض الجوانب أصبحت أكثر جرأة، لأنها أتيحت لها فرصة اختبار حدود القوة الأمريكية في أسوأ السيناريوهات الممكنة.
ونجت من ذلك"، بحسب ما صرحت لوكالة الأنباء الفرنسية.
تحرير: عبده جميل المخلافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك