بعد رصد خطورة الطائر الغازي المنيا الهندى المعروف بالفئران الطائرة، اليوم السابع يفتح ملف الطيور الغازية التى استقرت بمصر، منها الغراب الهندى، فلم يعد صوت النعيق المألوف في المدن الساحلية المصرية مجرد تفصيلة يومية عابرة، بل هو صفارة إنذار بيئية تدق بعنف، حيث يمكنك رؤية الغراب الهندى ولون السواد القاتم والنظرات الحادة تختبئ، فهو أحد أشهر الطيور الغازية والذكية التي استوطنت السواحل المصرية، وتحديداً في محافظات القناة وسيناء، هذا الكائن الذي وفد إلينا غازياً عبر السفن والموانئ، لم يعد مجرد زائر ثقيل، بل تحول إلى مستعمر بيئي يهدد التنوع البيولوجي، والصحة العامة، وحتى البنية التحتية، وسط مطالبات خبراء البيئة بضرورة التحرك العاجل قبل أن يمتد نفوذه إلى قلب الدلتا.
عينان ثاقبتين وجسد أسود غطيس وصوت مزعج عالى جدا، يصيب من يراه بالتشاؤم، تراه جالسا فى الأماكن المرتفعة والأشجار الضخمة، يتحين الوقت والفرصة المناسبة للانقضاض على فريسته من الحشرات والزواحف التى تشكل غذاءا رئيسيا له، وفى كثير من الأحيان يلتقط الثمار والغذاء من المناطق الخالية، أنه الغراب أحد الطيور التى تتسم بشديد الذكاء والتنظيم.
خلال هذا التقرير نرصد رحلة هذا الغراب إلى مصر وقت هجرة الطيور لكنه لم يعد لموطنه الاصلى، كما عاد اقرانه، لذلك أطلق عليه علماء البيئة، أنه طائر غازى، وأتى المصطلح نسبة إلى كلمة غزو أو احتلال.
رحلة الغزو من الموانئ الآسيوية إلى الشواطئ المصريةويعيد بعض الخبراء قصة وجود الغراب الهندى لمصر، أنه جاء من خلال أحد البواخر الآتية من جنوب شرق آسيا، فى إحدى الرحلات التجارية التى مرت بقناة السويس، ثم بدأ في التكاثر والانتشار، وخاصة فى مدينة السويس، وعلى عكس الطيور المهاجرة التي تتبع مسارات طبيعية، دخل الغراب الهندي إلى مصر عبر" التجارة الدولية"، حيث استغل هذا الطائر ذكاءه الشديد وانتهازيتة للاعتماد على السفن التجارية القادمة من جنوب آسيا وهى الموطن الأصلي له عبر البحر الأحمر، ثم استقر طائر الغراب الهندى في بادئ الأمر في مدن السويس، بورسعيد، الإسماعيلية، وشبه جزيرة سيناء، حيث وجد في المخلفات المينائية والقمامة بيئة مثالية للتكاثر والانتشار السريع مستفيداً من درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.
ذكاء حاد وعدوانية تهدد الطيور المحليةاتفق خبراء الحياة البرية ومنهم الدكتور عادل سليمان احد خبراء التنوع البيولوجى فى وزارة البيئة ومتخصص فى ملف الطيور الحوامة فى تصريحات خاصة لليوم السابع، أن الغراب الهندي يمتلك ذكاءً حاداً وتنظيماً جماعياً يجعله من أشرس الكائنات الغازية.
ويرصد سليمان الطريقة العدوانية لهذا الطائر قائلا: " يشن الغراب الهندي حرباً شرسة ضد الطيور المحلية المصرية مثل اليمام، والحمام، والعصافير، حيث يقوم بمهاجمة أعشاشها، وأكل بيضها وفراخها، مما تسبب في تراجع ملحوظ لأعداد الطيور المتوطنة في مدن القناة، كما يمتلك شبكة اتصالات وتحذير معقدة، فإذا تعرض غراب واحد للخطر، تتجمع أسراب ضخمة لمهاجمة المصدر، سواء كان حيواناً آخر أو حتى إنساناً.
قال الدكتور عادل سليمان: " أن هناك حوالى 5 مهددات تهدد التنوع الببولوجى فى العالم، أهمها الكائنات الغازية، تلك التى تهدد النظم البيئية فى بعض الدول.
وأوضح سليمان أنه يتعرض التنوع البيولوجي لتهديد خطير، بسبب بعض الأنشطة البشرية في جميع أنحاء العالم، ومن بينها خطر النمو السكاني واستهلاك الموارد وكذلك تغير المناخ والاحترار العالمي، إضافة إلى تحويل الموائل والتحضر، والأنواع الغريبة الغازية، وايضا الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية والتدهور البيئي.
وأشار سليمان أن الكائنات الغازية تعد الأخطر على التنوع البيولوجي، أنه من ضمن هذه الكائنات الغازية التى تهدد البيئة والتنوع البيولوجي فى مصر، هو الغراب الهندى، الذى استقر وتكاثر بنسبة كبيرة فى منطقة السويس، ووصل إلى المنوفية وبعض المحافظات، وصفه أنه من الكائنات الغازية الضارة للتنوع الببولوجى، والتى تهدد الطيور والإنسان معا.
واوضح سليمان، أن هذا الغراب الهندى، يعد من الطيور المزعجة والأنانية، لانها لا تسمح لأحد أن يتقاسم معها الغذاء أو التواجد فى حيزها، وله نسبة عالية جدا من الذكر حيث يعد ضمن أذكى الكائنات، وانه يتغذى على الطيور والخضروات، او اى شىء يجده فى طريقه.
وشدد سليمان قائلا: " أنه بدأت وزارة البيئة تبحث بالتعاون مع جامعة السويس، بحث سبل الحد من تواجد هذا الطائر، والبحث عن طرق لتقليل التكاثر بكميات كبيرة، بعد الخسائر التى ترتبت على انتشاره فى بعض المحافظات.
4 مخاطر للغراب الهندي في مصراما الدكتور حسين محمد رشاد مدبر قطاع محميات القناة، انه تتعدى خطورة هذا الطائر مجرد كونه مزعجاً، لتصل إلى تهديدات حقيقية تم رصدها فى 4 مخاطرأولاً: تهديد التنوع البيولوجييؤدي افتراسه الممنهج لبيوض وفراخ الطيور الأخرى إلى خلل حاد في السلسلة الغذائية المحلية، ما يمنح الحشرات والآفات الزراعية فرصة للتكاثر بعد غياب طيورها المفترسة الطبيعية.
ثانياً: الكارثة الصحية ونقل الأوبئةبسبب سلوكه القائم على التغذي على القمامة، الفضلات، وجثث الحيوانات النافقة، يُصنف الغراب الهندي كناقل طائر للعديد من الميكروبات، والبكتيريا مثل السالمونيلا، والفيروسات التي يمكن أن تنتقل إلى الدواجن والمواشي، ومنها إلى الإنسان.
ثالثاً: ضرب الثروة الحيوانية والداجنةتشتكي العديد من المزارع في المناطق الساحلية من هجمات الغربان الهندية على عنابر الدواجن الصغيرة، وافتراس صغار الماعز والأغنام حديثة الولادة من خلال نقر عيونها وأجزائها الضعيفة، ما يتسبب في خسائر اقتصادية للمربين.
رابعاً: إزعاج وتخريب المنشآت الحيويةيتسبب الطائر في إفساد المظهر العام للمدن السياحية، ويقوم ببناء أعشاشه الضخمة فوق محولات الكهرباء، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث ماس كهربائي وانقطاع التيار، فضلاً عن إتلاف الأسلاك وأجهزة التكييف.
سبل مواجهة الزحف الأسود للغربانتؤكد الجمعيات المهتمة بالحياة البرية في مصر أن مواجهة الغراب الهندي تتطلب استراتيجية المكافحة المتكاملة، مستلهمين تجارب دول عربية مجاورة (مثل دول الخليج التي عانت من نفس الغزو، بعمل حملات توعية للتوقف التام عن إلقاء مخلفات الأطعمة المكشوفة، حيث تعتبر النفخات المحرك الأساسي لبقاء هذه الطيور وتكاثرها، ثم تنفيذ برامج مكافحة مقننة، باستخدام فخاخ مخصصة صممت علمياً لصيد هذا الطائر دون الإضرار بالطيور المحلية، أو تقليم الأشجار الكثيفة التي يتخذها كمأوى أساسي للتكاثر في مواسم معينة.
ويشدد الدكتور مصطفى فودة خبير التنوع البيولوجي، على ضرورة رصد البيئي المستمر و تفعيل دور محميات مدن القناة وسيناء لعمل مسح شامل لأعداد هذه الطيور ومنع تسللها إلى محافظات الوجه البحري والدلتا، ل حماية الرقعة الزراعية الأكبر في مصر، مؤكدا انه تعد خطورة الغراب الهندي على المحاصيل الزراعية من التهديدات غير المنظورة التي تؤرق مزارعي المناطق التي يستوطنها، وتتلخص هذه الخطورة في إتلاف وتدمير ثمار الفاكهة حيث يهاجم الغراب الهندي بذكائه المعهود وبشكل جماعي مزارع الفواكه مثل البلح، التين، المانجو، والجوافة، حيث يقوم بنقر الثمار الناضجة وتخريبها قبل حصادها، مما يفقدها قيمتها التسويقية ويتسبب في خسائر مالية فادحة للمزارعين.
نبش وتدمير البذور والمحاصيل الحقليةلا يقتصر هجوم الغراب الهندى على الأشجار، بل يستهدف الأراضي المزروعة حديثاً بالحبوب مثل القمح والذرة، حيث يقوم بنبش التربة واقتلاع البذور والبادرات الصغيرة للتغذي عليها، مما يضطر المزارعين لإعادة عملية البذر مجدداً.
• نقل الآفات الزراعية الممرضةنظراً لتنقل الغراب الهندى المستمر بين القمامة والمزارع، يمكن للغراب الهندي أن ينقل مسببات الأمراض النباتية والفطريات من مكان إلى آخر عبر أرجله ومنقاره، مما يساهم في تفشي الأمراض بين المحاصيل.
• القضاء على الأعداء الطبيعيين للحشراتمن خلال السلوك العدواني للغراب الهندى، يقوم الغراب الهندي بطرد الطيور المحلية النافعة مثل أبو قردان وعصفور الدوري التي تتغذى أساساً على الديدان والآفات الزراعية، وغياب هذه الطيور يؤدي إلى تكاثر الحشرات الضارة بالتربة والنبات بشكل عشوائي، مما يدفع المزارعين للإفراط في استخدام المبيدات الكيماوية.
جدير بالذكر أن الغربان ارتبطت فى الدراما وثقافات الشعوب بأنها أكثر الطيور غموضا وظهورها نذيرا للشؤوم، كما أنه ارتبط أيضا باعمال السحر، المعروفة بسحر الشعلة الذي يساعد في جلب الحبيب، حيث يقوم السحرة بصف ريشه على شكل دائرة، داخل موقد للبخور ثم يتم أشغاله فى طقس لجلب الحبيب معتقدين أنه كلما استمرت النيران مشتعلة فى ريش الغراب كلما ظل الحبيب متوهجا فى حبه، والغريب فى الأمر أنه كان يستخدم بعض السحرة بعض الفتيات العوانس أو العاشقات فى إبقاء الشعلة متوهجة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك